Accessibility links

إسلام دمشق كما عرفته


أحد المصورين يلتقط صورة لطفل في دمشق في صورة تعود للعام 1973.

د. عماد بوظو/

توفّي في شهر ديسمبر الماضي الباحث والمفكر الإسلامي محمد شحرور ابن دمشق الذي كرّس حياته في سبيل إيجاد قراءة معاصرة للنص الديني تكون أكثر ملائمة مع العصر.

اعتبر شحرور أن التديّن قضية فردية مبنية على القيم الأخلاقية. ونظر للأحاديث والسنن على أنها تراث إنساني وضع بهدف تنظيم المجتمع في قرون سابقة وأن بعض أحكامه وفتاويه قد لا يكون صالحا اليوم. ورأى أن الكثير مما تسرّب إلى الإسلام في العصور الوسطى قد شوّه صورته، ودعا للعودة إلى القرآن كمصدر وحيد للتشريع.

مع أن إسلام الدكتور شحرور واضح وإيمانه لا غبار عليه فقد تعرّض خلال حياته لاتهامات بالزندقة والجهل وبأنه "لا يملك المعرفة بالتراث التي تؤهله لكي تكون آراؤه محل احترام وتقدير من الباحثين المتخصصين"، وبأنه سبب تأليفه لكتبه (13 كتاب) نظرته للدين كعقبة أمام التقدّم، وبأنه أراد إعادة تأويل الدين بحيث يصبح التقدم ممكنا حتى لو تعارض "إسلامه الجديد" مع روح الشريعة.

أما بعد وفاته فقد تسابق الإسلاميون في التشفّي به، فمنهم من حمد الله وسجد له شاكرا على "هلاكه"، حتى قال أحدهم: "إن من يترحمون على موت الزنديق ويصفونه بالمفكر أسأل الله أن يحشرهم معه في زمرة المنافقين".

عقيدة سكان دمشق ترى أن طقوس الديانات والطوائف ليست سوى طرقا متعددة تؤدي إلى إله واحد

وفي الشهر نفسه (ديسمبر) قبل ثلاث سنوات توفي دمشقي آخر هو المفكر والدكتور في الفلسفة المعاصرة صادق جلال العظم، أحد عمالقة الفكر النقدي والذي ألّف مجموعة من الكتب أشهرها نقد الفكر الديني عام 1969، الذي عرّفه: "هو مجموعة أبحاث تتصدى بالنقد العلمي، والمناقشة العلمانية والمراجعة العصرية لبعض نواحي الفكر الديني السائد حاليا في الوطن العربي".

وفي كتابيه ذهنية التحريم وما بعد ذهنية التحريم دافع عن حرية التفكير، التي آمن بها على المستوى الثقافي والسياسي فوقف مع الثورة السورية قلبا وقالبا "هذه الثورة ثورتي سواء تأسلمت أو تعلمنت هي كاشف أخلاقي وإنساني وثقافي، وأنا العبد الفقير لله وحرية الإنسان سأبقى معها حتى لو كنت من ضحاياها".

وكان يحاول بأعماله الوصل بين الإصلاح الإسلامي والفكر العالمي العلماني، ونال نتيجة ذلك الكثير من التكريم عالميا ومنحه معهد غوته وسام الشرف الألماني عام 2015؛ بينما كان نصيبه من هجوم الإسلاميين خلال حياته وبعد وفاته مماثلا لما تعرض له الدكتور شحرور.

فقد اتهم بأنه ملحد سوري يعترف بأنه نشأ في جو علماني متحرر لأنه قال "كان هناك في بيتي تديّن عادي ومتسامح وغير متمسك بالشعائر والطقوس"، ولكن مأخذ الإسلاميين الكبير عليه كان اعترافه بأنه يرى في السلفية خصما.

ينتمي المفكران، صادق جلال العظم ومحمد شحرور، إلى جيل واحد من أبناء دمشق. ربما يعرف كثيرون أن سوريا بلد يتميز بالتنوع الديني والطائفي، لكن ما لا يعرفونه عن أهل دمشق أنهم ينظرون إلى مراكز العبادة التابعة لمختلف الديانات والطوائف بدرجة متساوية من الاحترام والتقديس.

فمن الأمور المألوفة في دمشق أن تقدّم امرأة مسيحية نذرا في المسجد الأموي أو مقام محي الدين بن عربي على أمل أن يحقق الله طلبها بشفاء مريض أو إنجاب طفل أو تجاوز أزمة؛ أو أن تذهب عائلة مسلمة إلى دير أو كنيسة وتشعل الشموع راجية من الله تلبية إحدى أمنياتها. وفي مقام السيدة زينب كان هناك دوما مسيحيين ومسلمين سنّة أكثر من الشيعة ويقوم جميعهم بالتمسّح بجدران المقام والتبرك به بنفس درجة الإيمان.

قد يساعد ما نعرفه عن الإسلام في الأندلس في فهم طبيعة الإسلام في دمشق

كما أن من تقاليد دمشق أن تذهب العائلات من مختلف الطوائف لمشاهدة المواكب الحسينية يوم عاشوراء في السيدة زينب ومسيرات المسيحيين حاملين صلبانهم في الطريق إلى كنيسة أو دير في الأعياد المسيحية، وأن يشارك مسيحيون جيرانهم المسلمين صيامهم وإفطارهم وأعيادهم وليس على طريقة الاستعراضات الحكومية المصطنعة في العقود الأخيرة بل في علاقات المحبة وحسن الجوار الطبيعية العفوية التي ميزت دمشق طوال تاريخها.

فقد روى ابن بطوطة في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي أنه في أيام الطاعون في دمشق "خرج جميع أهل البلد ذكورا وإناثا صغارا وكبارا، المسلمون بمصاحفهم واليهود بتوراتهم والنصارى بإنجيلهم باكون متضرعون إلى الله بكتبه ورسله وقصدوا مسجد الأقدام وأقاموا به إلى الزوال ثم عادوا إلى البلد وصلّوا الجمعة". كما ذكر في كتابه أن أهل دمشق لا يعملون يوم السبت "لا الجمعة ولا الأحد!" بل يخرجون إلى المنتزهات وشطوط الأشجار بين البساتين النضيرة.

قد يساعد ما نعرفه عن الإسلام في الأندلس في فهم طبيعة الإسلام في دمشق. ففي الأندلس كان المسلمون يقيمون الموائد ويرتدون الملابس الجديدة ويرقصون ويغنون في أعياد الميلاد والفصح ورأس السنة الميلادية ويخرج الرجال والنساء معا إلى الشوارع للتفرّج. وهذا طبعا لم يرق وقتها لبعض رجال الدين التقليديين ومنهم أبو بكر الطرطوشي الذي اعتبر هذه التصرفات من البدع.

وقد علل الدكتور محمد بشير العامري هذه المظاهر في كتابه "دراسات حضارية في تاريخ الأندلس" بأن هذا الإسلام الأندلسي كان نتيجة المجاورة والمخالطة بين الديانات في المجتمع، خصوصا لأن السكان الأصليين كانوا مسيحيين مع بعض اليهود بينما كان المسلمون من المهاجرين، وهذا يشبه وضع دمشق التي بقيت بعد قرون طويلة من الحكم الإسلامي مدينة مسيحية، ولم تفقد روحها المسيحية حتى عندما أصبح أغلب سكانها من المسلمين بل طبعت إسلام دمشق بطابعها وبقي الحال كذلك إلى ما قبل بضع عقود فقط.

فدمشق التي وصفها ابن بطوطة والتي أنجبت العظم والشحرور والتي فيها "تديّن عادي ومتسامح وغير متمسك بالشعائر والطقوس" هي دمشق التي عرفتها أنا.

زار ابن بطوطة دمشق بعد عقدين فقط من وفاة ابن تيمية، الأب الروحي للسلفية والسلفية الجهادية والذي نشأ ودفن في دمشق دون أن يستطيع منهجه وتفكيره السلفي التأثير على هذه المدينة، بعكس صوفية ابن عربي التي كانت أقرب إلى روحها رغم أنه توفي ودفن فيها قبل قرن من ابن تيمية.

مع أن إسلام شحرور واضح وإيمانه لا غبار عليه فقد تعرّض خلال حياته لاتهامات بالزندقة والجهل

ويبدو أن عقيدة سكان دمشق ترى أن طقوس الديانات والطوائف المختلفة ليست سوى طرقا متعددة تؤدي في النهاية إلى إله واحد، ولذلك كان بإمكانهم احترام وتقديس طقوس عدة أديان وطوائف في نفس الوقت، فالإيمان بأحد الأديان لا يعني عندهم رفض أو تكفير أديان أخرى.

وما يقال عن دمشق يشمل الكثير من مدن وبلدات شرق المتوسط التي كانت مسيحية، لأنه بالإضافة إلى تجاور العائلات ونشوء صداقات وعلاقات عابرة للطوائف، هناك عائلات لم يمض وقت طويل على تحولها إلى الإسلام، وهناك عائلات نصفها مسيحي ونصفها مسلم.

وفي مثل هذه البيئات المختلطة عرقيا ودينيا تتوفر مصادر متنوعة للمعرفة والثقافة تجعل الإنسان أوسع أفقا وأكثر استعدادا للتفكير الحر المستقل ولتقبّل الآخر، ولذلك خرج في الأندلس فلاسفة من أمثال ابن رشد وابن طفيل وابن باجة الذين نالوا نصيبهم من الهجوم والتكفير من بعض معاصريهم بما يشبه ما تعرض له هذه الأيام الدكتور الشحرور والدكتور العظم، بينما في مجتمعات اللون الواحد يكثر أتباع منهج التقليد الحرفي للأجداد والسلف الصالح ويصبح كل تجديد بدعة وكل بدعة ضلالة مصيرها نار جهنم.

اقرأ للكاتب أيضا: الاكتئاب.. كارثة جديدة تصيب المنطقة العربية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG