Accessibility links

إشكالية الثبوت في النص الديني


يمني يقرأ القرآن في أحد مساجد العاصمة صنعاء

محمد المحمود/

على الرغم من أن القرآن هو النص الأول المؤسس للتشريع الإسلامي؛ كما أنه هو المؤسس الأول للرؤية العامة للوجود عند جميع المسلمين، إلا أن السنة النقلية (المنسوبة للنبي عند أهل السنة، أو للنبي والأئمة عند الشيعة)، زاحمت إلى درجة أنها نافست هذا المصدر الأول، بل وأصبحت ـ في سياق الممارسة الواقعية ـ هي النص الأول الذي يملأ تفاصيل الواقع/ حياة المؤمن بالأوامر والنواهي والمستحبات، من أهم الأشياء وأعظمها وأشدها خطورة، إلى أبسطها وأهونها وأشدها هامشية. في حين يتوارى النص الأول/القرآن واقعيا؛ ليكون مجرد "مُوجِّه" عام داعم لما تُقرّره المرويات؛ بعد أن يخضع هذا النص الأول للتأويل التفصيلي؛ كيما يكون متسقا مع تفاصيل الأحكام التي يفرضها النص الحديثي بعد أن تم ترفيعه ليكون المصدر الثاني للتشريع نظريا، بينما هو الأول في واقع الحال.

ليست هذه أول مفارقة نواجهها في هذه المسألة، فالمفارقة الأوضح، وربما الأخطر، تكمن في أن النص القرآني المتواتر نقلا على سبيل الكتابة الجماعية منذ عصر النبي الأعظم ـ ص ـ، والمدون بشكل رسمي مؤسساتي في وقت مبكر جدا/ في العقد الثالث للهجرة، لا يثير من الإشكالات الحادة ما يثيره النص الحديثي/ السنة النقلية على مستوى القلق/ التوتر في الأحكام.

من الضروري أن تقوم المؤسسات الدينية الكبرى، بإعادة توثيق الحديث من جديد

فالقرآن من حيث هو نص عمومي يتعمد في الغالب لغة المقاصد العامة/ الكلية من جهة، ومن جهة أخرى يتوفر على مستوى عال من تجاور الأحكام ـ بتعددها/ تنوعها ـ، فضلا عن قطعية ثبوته عند جميع المؤمنين، كل ذلك يجعله موضع اتفاق وتوافق، ونقطة ارتكاز أولية للحلول المقترحة التي ستمتلك ـ بفضل هذا التوافق، وبفضل وضوح وحدته النصية ـ شرعية القبول عند معظم شرائح المؤمنين.

إن النص الحديثي كان ـ ولا يزال ـ ينطوي على إشكاليات كثيرة، لا فيما يخص بعض الأحكام المتضمنة التي هي بذاتها موضع إشكال وحيرة وتضارب وصدام مع منطق العصر، ومع خيارات أهل العصر، ومع تفضيلات المسلمين الآخرين فحسب، وإنما أيضا فيما يخص إشكالية ثبوت النص/ الحديث للنبي/ صدوره عنه ـ ص ـ، وهي إشكالية ليست جديدة، أي ليست وليدة هذا العصر الذي يَفترض أو يفرض ـ بتطوره المعرفي ـ ضرورة المراجعة العلمية لكل عنصر من عناصر التراث، بل هي قديمة قدم الإسلام ذاته، إذ أن الجدل حول الحديث، وهل كل ما يقوله النبي وحي معصوم تجب كتابته لتأبيده، قد ظهر في حياة النبي، واختلف الرواة/ رواة الحديث أنفسهم حول موقف النبي من كتابة كلامه، وإن كان أكثرهم اتفق على أنه منع ذلك. وهذا المنع هو الراجح، خاصة أننا نجد ما يؤكده في المسار العام لممارسة خلفائه المقربين من بعده، وصحابته الكبار الذي لم يُحجموا عن "التدوين/ الكتابة" فقط، وإنما أحجموا عن الكتابة وعن الرواية/ التحديث الشفهي أيضا.

إذا ما تفحصنا المدونة الحديثية وجدنا أن هناك أكثر من إشكال يكتنف هذا التراث الحديثي الضخم (السنة) الموجود بين يدينا الآن. فابتداء نجد أن "التعريفات التي يقدّمها الباحثون المعاصرون للسنة متداخلة ومتناقضة إلى حد يصعب تتبعها في نسق منتظم" (الحديث النبوي، محمد حمزة، ص18). فبعضهم يرى أن الحديث ليس مرادفا للسنة، وتوفيق صدقي مثلا يرى أن السنة هي طريقة الرسول التي جرى عليها في أعماله، أما قوله فلم يكن طريقة متبعة له ولا لأصحابه. ولهذا نقل ابن عبد البر أن عمر كان يأمر الناس بتعلم الفرائض والسنن كما يتعلمون القرآن، بينما كان ـ في الوقت نفسه ـ ينهى وبحزم عن التحديث بحديث النبي (المصدر نفسه، ص21).

ثاني إشكال في هذه المسألة يتعلق بالحقيقة المرة، وهي أن الحديث النبوي مكث لأكثر من قرن يُروى شفهيا، أي تتناقله الألسنة على اختلاف حالاتها وأهوائها وانتماءاتها وقدراتها العلمية دون توثيق كتابي يعزز الذاكرة ويُرجع إليه عند الاختلاف.

يقول حمادي ذويب في كتابه (السنة بين الأصول والتاريخ، ص39): "ظهرت حركة المحدثين في القرن الثاني الهجري واعتُبِرت أهم حدث في تاريخ الفقه الإسلامي خلال ذلك القرن". وهذا ما يؤكده الباحث يحيى محمد في كتابه (مشكلة الحديث، ص22) بقوله: "وقد استمر حال الحفظ والتدوين العام للكتابة طيلة قرن من الزمان وأكثر قليلا". هكذا، قرن كامل، لا كتابة خاصة للحديث؛ إلا ما ندر، إذ كان النقل الشفهي العابر على مدى زمني يتجاوز ثلاثة أجيال هو السائد بكل ما يعنيه ذلك من فجوات معرفية تتيح ملأها لمن يشاء بما يشاء، سواء كان ذلك على سبيل الخطأ والسهو اللاّواعي المتعلق بطبيعة الذاكرة البشرية، أو كان على سبيل القصد الواعي الذي يستهدف خدمة هدف خاص أو عام.

وتأخر التوثيق لا يتعلق فقط بتأخر الكتابة لأكثر من قرن، فبالإضافة إلى ذلك نجد أن الربط بالإسناد الشفهي (المعتمد فيما بعد كشرط جوهري لصحة الرواية) تأخر كثيرا، إذ يذكر فؤاد سيزكين أن محمد بن شهاب الزهري (توفي 124هـ) هو أول من أسند الحديث مثلما هو أول من دوّن الحديث. وحتى مثل هذه الكتابات اللاحقة التي جرت وقائعها في النصف الأول من القرن الهجري الثاني، والتي حاولت توثيق بعض ما وصلها بعد تداوله شفهيا لمدى ثلاثة أجيال، لم تكن كتابات منسقة في كتب مستنسخة من الرواة، أي معروفة ككتب يرجع إليها؛ كما حدث من بعد لكثير من الكتب المعروفة، بل كانت مجرد صحائف متفرقة، يستعين بها بعض الرواة على استذكار محفوظاتهم، بدليل أنه لم يصلنا منها شيء إلا ما وصل متضمنا بوصفه جزءا من الكتب المصنفة لاحقا.

لهذا السبب، أي لانعدام الكتابة تقريبا؛ برز الإشكال الثالث، وهو الرواية بالمعنى، أي أن "الأحاديث المصححة" التي بين أيدينا ـ على افتراض صحتها ابتداء ـ ليست هي بلفظها الأول الصادر عن الرسول، فالحديث المتكرر لا يُروى بنفس اللفظ عند جميع الرواة/ المحدثين، مع أنه حديث واحد، تتضمنه مناسبة واحدة. ولهذا ترى ألفاظ الحديث الواحد وقد تكررت بمترادفاتها، وقد يكون ثمة تقديم وتأخير، وقد يختلف التشكيل بما يؤثر على تحديد المعنى (مثل حديث: من قال هلك الناس فهو أهلكهم. رُوي بضم الكاف وفتحها، ولكُلٍّ معنى)، وقد يسقط جزء من اللفظ يخترم السياق؛ فيؤثر جذريا على المعنى بما يجعله يحمل معنى مضادا (كما في حديث: إن الميت ليعذب ببكاء أهله). بل حتى ما ورد بلفظ واحد؛ ما الذي يضمن أنه هو اللفظ الأصلي؛ ما دام أن الرواية في العموم قائمة على المعنى؟

لقد كان الرواة يتساهلون كثيرا في اللفظ على اعتبار أن المعنى هو الأصل/ هو المقصود. بل لقد ذكر ابن حجر من نوادر ما وقع في البخاري أنه قد يخرج الحديث تاما بإسناد واحد بلفظين (الحديث النبوي، محمد حمزة ص262)، وهذا يدل على أن البخاري وهو يضع "صحيحه" الذي حاول أن يكون فيه دقيقا إلى أقصى حد، كان يروي بالمعنى في ذات الكتاب الذي يقال إنه مكث في تأليفه ستة عشر عاما في جهد متصل؛ ليتوفر على أعلى درجات الدقة/ الصحة. وإذا كان البخاري يروي بالمعنى فيغيّر الألفاظ، ويجري هذا في كتابه "الصحيح"، فما بالك بغيره من المحدثين. ومن هنا نعرف لماذا كان علماء اللغة يرفضون الاستشهاد بالحديث النبوي على قواعد اللغة، بينما كانوا يستشهدون بأي بيت شعري لشاعر فصيح، إنهم لا يفعلون ذلك لتفضيل الشعر على الحديث، وإنما لأن الشعر المنضبط بالوزن يصعب تغيير ألفاظه، وفي الوقت نفسه يسهل حفظه بلفظه، بينما الحديث مفتوح على الزيادة والنقصان.

كان الرواة يتساهلون كثيرا في اللفظ على اعتبار أن المعنى هو الأصل/ هو المقصود

أخيرا نصل إلى الإشكالية الرابعة التي تقع في صلب العملية الإسنادية التي يتكئ عليها المحدثون في تقرير مستوى صحة أحاديثهم، وهي إشكالية "الجرح والتعديل". إنها إشكالية متشعّبة، تصعب الإشارة هنا إلى معظم قضاياها، ولكن ما لا يعرفه كثير من عموم المتدينين أن كل أولئك الذين يزعمون أنهم "علماء الحديث" لم يتفقوا على "تعديل" رواة بأعينهم و"تجريح" آخرين، فمن يقرأ تراثهم يجد أن أحد الرواة ثقة عند هذا المحدث، بينما هو غير ثقة/ دجّال عن آخرين. فمثلا، يذكر يحي محمد في كتابه (مشكلة الحديث، ص119) أن الإمام مالك بن أنس، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وصف محمد بن إسحاق بأنه "دجّال من الدجاجلة"، مع أن ابن إسحاق هذا أثنى عليه مشاهير المحدثين، إذ وثّقه الزهري وشعبة والثوري وابن عُيَينة. بينما في المقابل، قال ابن أبي ذئب عن الإمام مالك: يستتاب فإن تاب وإلا ضرت عنقه!

كل هذا، ولأسباب أخرى يطول شرحها، أخذ كثير من المعاصرين الأحاديث المنسوبة للنبي بحذر شديد، بل إن بعضهم ردّ أحاديث وردت في "الصحيحين" الذين أصبح الطعن فيهما بمثابة الطعن في إحدى المكونات الأساسية للضمير الإسلامي السني. ولهذا لم يكن الإقدام على هذا سهلا في البداية؛ حتى مشارف العصر الحديث. ويرى بعض الباحثين أن الإمام محمد عبده هو أول من تجرأ في العصر الحديث على رفض حديث رواه البخاري، وهو حديث سحر النبي (الحديث النبوي، محمد حمزة، ص222)، ثم توالت الاعتراضات بعد ذلك، وبدأ كثيرون يُسائِلون المتن على ضوء ما استجد من المعرفة، فإذا بهم يكتشفون أشياء وأشياء تؤكد أن من الضروري أن تقوم المؤسسات الدينية الكبرى، فضلا عن المراكز العلمية المهتمة، بإعادة توثيق الحديث من جديد، بمعايير جديدة، تستمد صلاحيتها من أحدث ما توصلت إليه المعرفة ـ بشتى فروعها ـ من مناهج في هذا المجال.

اقرأ للكاتب أيضا: المعجزات والإسلام العقلاني

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG