Accessibility links

إعادة إعمار السوري


ما تبقى من حي صلاح الدين في حلب

كوليت بهنا/

في أحد برامج المسابقات التلفزيونية الشهيرة قبل أكثر من عشر سنوات، تم توجيه سؤال لأحد المتسابقين السوريين عمن هي أغنى دولة عربية، وكانت الإجابة المطلوبة على هذا السؤال، الذي بدا بسيطا وبديهيا، تنحصر بين خيارين: السعودية أم سوريا؟ أجاب المتسابق الشاب دون أن يتمهل أو يفكر أو يشكك بأن السعودية هي أغنى دولة عربية، ليفاجئ أن الجواب الصحيح هو سوريا؛ وبإجابته الخاطئة هذه أضاع فرصة فوزه المقدرة بآلاف الدولارات، وبدا بذاته ضائعا في حيرته وذهوله من صدمة الحقيقة، شأنه شأن معظم السوريين الذين تابعوا البرنامج وظلوا مندهشين يتحدثون بالأمر مطولا، وكأن لسان حالهم جميعا كان يقول:" أحقا بلدنا هو الأغنى؟"!

لا شك أن من يعرف طبيعة سوريا ويقرأ تاريخها القديم والحديث، وبشكل أوسع طبيعة بلاد الشام التي عرفت تاريخيا بأنها كيان طبيعي وجغرافي وسياسي واحد يضم سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، أو كما يسميها أحد الأحزاب بـ"سوريا الكبرى" و"سوريا الصغرى"، يدرك جيدا قيمة وأهمية وتنوع وغنى هذه البلاد من جميع النواحي الجغرافية والاستراتيجية والحضارية والروحية والزراعية والمائية والمناخية وما تحتويه من ثروات طبيعية هائلة.

حجم الخراب الناجم في سوريا مهول في تقديراته، والكوارث البشرية أكبر من أن تعد أو تحصى

أهم هذه الثروات وأغناها على الاطلاق كان إنسانها الذي عاش على أرضها منذ آلاف السنين وأدرك جيدا قيمة" الهبة" التي منحت له، فعمل على استغلال ما رُزق منها، وأعاد إنتاجه فكرا وحضارة راسخة وشاملة من جميع النواحي.

لكن الهبات ليست حظا مطلقا ودائما لأصحابها، إذ سرعان ما اكتُشفت قيمة هذه البلاد بثرائها، وتميزها بتموضعها كأهم معبر استراتيجي بري في "قلب العالم"، فتوجهت أنظار الطامعين إليها، وتحولت إلى أرض معارك مستمرة، وشهدت آلاف الغزوات وعشرات الفترات الزمنية الطويلة من الاحتلال المقيم، بحيث يمكن القول إن هذه البلاد، منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، نكبت بتميزها، وامتلكت كل شيء عدا الاستقرار.

بعد الخامس عشر من آذار/مارس 2011، أي تاريخ انطلاق الثورة السورية، والتي تصادف ذكرى انطلاقها الثامنة يوم أمس ودخولها العام التاسع، الثورة التي استمرت كثورة شعبية سلمية إلى حين تسلحها بعد ستة أشهر، وتغيرت واختلفت توصيفاتها خلال هذه السنوات إلى عدة مسميات بعضها محلي وبعضها دولي مثل: "أزمة، حراك، قضية، محنة، حدث، صراع مسلح، نزاع مسلح، حرب أهلية، إضافة إلى الحرب على الإرهاب والتي ليست من نسيجها في الأساس"، ليبقى التوصيف الأنسب والأكثر دقة لها في العمق الجوهري هو الثورة، بمعنى ما تغيره الثورات داخل النفس البشرية بشكل شامل وما تؤول إليه لاحقا.

حجم الخراب الناجم في سوريا مهول في تقديراته، والكوارث البشرية أكبر من أن تعد أو تحصى، ابتداء من إزهاق مئات الآلاف من الأرواح، وعشرات الآلاف من الجرحى وأصحاب الإعاقات الدائمة، وأكثر من ستة ملايين من اللاجئين والنازحين، وآلاف المعتقلين والمفقودين حتى الساعة، إضافة إلى زعزعة استقرار الدول المجاورة، وتدخل أو مشاركة عدد كبير من الدول العربية وبعض دول العالم بشكل مباشر أو غير مباشر في "الصراع" العسكري، بحيث باتت "الحالة" السورية التي تضني الروح لشدة بأسها، "حالة" متنازعة بين المصالح والأطماع وابتزاز السياسات الإقليمية والدولية، يبدو فيها السوري تائها بين خيوط تشابكها وتعقيداتها، وكلما جرب من موقعه تجاوز إحدى عثراتها، فوجئ بعشرات العقبات التي تعيده إلى كماشة الدائرة المغلقة.

ولكن، رغم ما تقدم من عمق الجرح السوري النازف والمفتوح على مصراعيه حتى اللحظة، يمكن للمرء تتبع ما تغير داخل الإنسان السوري خلال هذه السنوات الكارثية، بمعنى نتائج ومفرزات الثورة داخل النفس المشار إليها أعلاه، بحيث يمكن النظر بإيجابية إلى أهم ما اكتشفه السوريون في هذه السنوات الصعبة ألا وهو ذواتهم، والحديث هنا لا يخص طرفا دون طرف، أي مؤيد أو معارض أو غيره، بل يشمل جميع السوريين بمختلف فئاتهم وتعدداتهم وتوجهاتهم ورؤاهم، الذين بدوا وكأنهم "استفاقوا" فجأة على معنى "سوريتهم" وضرورة إعادة الثقة بها وبقيمتها وغناها وثرائها وتعددها وهم يرون أمام أعينهم كيف تسلب منهم، وأعادوا إدراك القيمة العميقة لهذه "الهبة" وكيف يستطيع، كل من موقعه، التشبث بها والحفاظ عليها أرضا وشعبا.

إعادة إعمار السوري لذاته أولوية، تسبق "البلدوزرات" التي ابتدأت محركاتها بالهدير

لم يكتشف السوريون خلال هذه السنوات ذواتهم فقط، بل أعادوا اكتشاف الآخر القريب بمسافة أكثر قربا، فتعرف ابن درعا على ابن دير الزور، وسكن الحلبي مع أهل اللاذقية والدمشقي مع الحموي، والحمصي مع ابن القامشلي، وتعاضد هؤلاء جميعا داخل المدن السورية أو في رحلات التشرد وخيام اللجوء التي آوتهم.

كما تعرف السوريون على الآخر غير السوري في مخيمات اللجوء في لبنان وتركيا والأردن وباقي دول اللجوء حول العالم، واكتسبوا من خبرات الآخر السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية، وأضافوا له من خبراتهم المتنوعة والعريقة منطلقين من جيناتهم التاريخية بوصفهم "شطّار الشام"، بحيث يمكن أن نجمع كل هذه النقاط المضيئة وغيرها في رحلة اكتشاف الذات، ذات الثمن الباهظ، لتشكل نواة حقيقة وإيجابية لإعادة إعمار السوري لذاته، والاستفادة ما أمكن منها لتثبيت الخارطة السورية وتوحيدها بمعناها وقيمتها المادية المباشرة، ولرسم معالم خارطة طريق السوريين نحو الخلاص من زمن الدم والتجدد للانتقال نحو الاستقرار والسلام.

إعادة إعمار السوري لذاته أولوية، تسبق "البلدوزرات" التي ابتدأت محركاتها بالهدير.

اقرأ للكاتبة أيضا: ما هي احتياجات المرأة في يومها العالمي؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG