Accessibility links

إعادة بناء المعنويات من جديد في الكويت بعد فترة الحرب


يتعابعون فعاليات مهرجان اللؤلؤة السنوي الثلاثين في الكويت

بقلم مريم الكاظمي/

في ذكرى غزو العراق للكويت، يعد ملائما استكشاف الجانب الذي يتعلق بتعافي الكويت والذي لم يتم تحليله بما يكفي. لقد عكفت بحوث شتى على دراسة التحولات الاجتماعية ـ الاقتصادية والاجتماعية ـ السياسية في الكويت بعد الحرب، مثل زيادة الإسلاميين في البرلمان أو ارتفاع شعبية الحركات الدينية والسياسية الأخرى. وقامت بحوث أخرى بدراسة ثقافة المستهلك النامية في الكويت.

ومع ذلك، لم يخصص إلا عدد قليل منها لإعادة بناء المعنويات من جديد على إثر حرب الخليج. وفي حين أعيد بناء الطرقات والمباني في الكويت، لا يزال المجتمع المدني يعمل على التعافي من الغزو على المستوى الثقافي والفردي.

قبل الحرب، كان المجتمع الكويتي يضم البرلمانيين العلمانيين والليبراليين، وكانت النساء يتمتعن بالقدرة والثقة الكافيتين للعمل كناشطات خلال الحرب، ولم تكن مراكز التسوق موجودة، ولم يتم الفصل بين الرجل والمرأة داخل الجامعات. وخلال إعادة الإعمار السريع في الكويت، استخدم الأفراد على الأرجح مراكز تسوق جديدة أو المنافذ الدينية المتاحة للتكيف مع الحياة بعد التحرير.

فمنذ عام 1991، ارتبطت مسألة "المعنويات" في حياة المرء ارتباطا وثيقا بالأطر الدينية المصطنعة والمادية. ولكن، يتمتع تيار من البرامج متمحور حول الرفاهية بتأثير ملحوظ في إضفاء معنى أعمق في الكويت وأماكن أخرى في المنطقة.

يجب أن يدعم التعاون الدولي هذه المبادرات المحلية، ويمكنه أيضا أن يساهم بها عن طريق إجراء الأبحاث لتتبع فعاليتها

تشجع هذه المبادرات الأفراد على البحث عن هدف فردي أثناء ممارسة المهارات التي تسهم في الهوية الوطنية. وقد أدى إنشاء وزارة السعادة في الإمارات عام 2016 إلى إجراء مناقشات أوسع في الخليج حول كيفية تعريف السعادة، وماهية الحياة السعيدة، وكيف يمكن للحكومات التشجيع على هذه المعايير أو التأثير عليها.

في هذا الإطار، يقدم تطور المشهد الثقافي وقطاع السياحة عبر دول الخليج العربية إجابة جزئية على هذه الأسئلة. فليس من النادر العثور على دور الأوبرا ومتاحف من الطراز الأول ودور السينما وفنادق فاخرة في دول الخليج العربية ـ بالإضافة إلى الأسواق التقليدية. وفي حين أن هذه المبادرات قد تم اعتبارها في الغالب اقتصادية، إلا أن المنظور الاقتصادي لا يفسر بشكل كاف العمل على تطوير ثقافة هادفة أكثر. وفي هذا الصدد، توجهت الحكومات والمنظمات غير الحكومية على حد سواء نحو عوامل أخرى لتنمية الشعور بالرفاهية المجتمعية بشكل مناسب أكثر.

يرتبط العديد من العوامل الديموغرافية، على ما يبدو، بحالة الرفاه بين المواطنين والمقيمين في شبه الجزيرة العربية. على سبيل المثال، نقلت الصحيفة الإماراتية "ذا ناشيونال" عن بحريني يعبر في حداده على خسارة رفاهية الحياة مع تزايد الثروة المادية. ووفقا للخبيرة السعودية هالة الدوسري، يعد النوع الاجتماعي أيضا أحد الاعتبارات الهامة في تحديد عوامل السعادة في المنطقة. وبالنظر إلى هذا التركيز الجديد على الصحة العقلية والجسدية، وعلى الرغم من القيود الاجتماعية والثقافية في المنطقة، تشير الأدلة إلى أن دول الخليج العربي تعتزم توسيع نطاق الخدمات الصحية لتشمل بشكل أفضل خدمات الصحة العقلية.

وباعتبارها الدولة الأكثر ديموقراطية من بين دول الخليج، توفر الكويت بيئة فريدة لاستكشاف هذه القضايا من خلال برلمانها الحيوي وحرياتها الإعلامية. وفي ظل هذه الظروف، هناك مجال واسع للتفاوض على المعنى على المستوى الثقافي والفردي بدلا من إملائه من الأعلى. ففيما يخص الكويت، يرسم المجتمع المدني الكويتي أهدافا محددة لمنظماته.

تعد "مؤسسة النوير" مثالا للمنظمة التي تستخدم العلم لإعادة بناء الهوية الوطنية الكويتية بطريقة تتيح المجال للتعبير عن القيم الإيجابية مثل العطف والامتنان، من ضمن أمور أخرى، حيث تركز المنظمة على تحسين الأعراف الثقافية الكويتية في الطرقات مع حملة "قد بلطف" (DriveKind#)، وفي مراكز التسوق من خلال حملة "بلاها تفبي" (LetsNotPhub#)، لتشجيع التفاعل الاجتماعي الشخصي بدلا من استخدام الهاتف، وكذلك في السياق المهني مع حملة "فكر، اعمل، عيش بإيجابية" (Think Work Live)، التي تركز على التفاعلات بين الزملاء.

وتعتمد "مؤسسة النوير" على الممارسات العلمية القائمة على الأدلة لتعزيز الرفاهية الفردية والجماعية. وتوفر الاستنارة لبرامجها المحلية المرتبطة بالثقافة من خلال الأبحاث القابلة للتطبيق التي يجريها "المركز الأميركي للعلوم من أجل المصلحة العليا"، والمبادرة البريطانية "العمل من أجل السعادة". فاستوحت مثلا حملة "مليون ابتسامة في الكويت" (OneMillionSmilesKuwait#)، من تجربة قامت بها "جامعة إسيكس" أظهرت فوائد الابتسام النفسية.

كما يجري تطوير مساحات طبيعية في الكويت لتشجيع برامج الرفاهية. على سبيل المثال، "حديقة الشهيد"، وهي حديقة حضرية تقع بين الطريق الدائري الأول والطريق الدائري الثاني في مدينة الكويت، تم تطويرها من قبل "الديوان الأميري" كهدية للشعب الكويتي، ويديرها "مركز لوذان لإنجازات الشباب" (لوياك)، الذي يدرب المتطوعين على العمل كمرشدين للمنتزهات.

وتوفر حديقة الشهيد، عن قصد، مساحات خاصة باللياقة البدنية، وتستضيف جلسات اليوغا العامة والمجموعات التي تمارس رياضة الجري. وعلاوة على ذلك، تحتوي الحديقة على مساحات داخل قاعات وفي الهواء الطلق لاستقبال المناسبات الثقافية، بدءا من المحاضرات وصولا إلى الحفلات الموسيقية. وفي هذه الحديقة، تبرز حملة "النوير" "30 مقعدا أصفرا" (30#YellowBenches) التي باشرت فيها في 30 حزيران/يونيو، والتي تقوم من خلالها بنشر المقاعد أمام المناظر الطبيعية الخلابة في الكويت لمساعدة الأفراد على تقدير جمال المكان.

وفي هذا الإطار، يعبر المواطنون الكويتيون عن انشغالهم بسبل تحسين المجتمع الكويتي. فمن خلال تصفح حسابات الانستغرام الكويتية، يمكن للمرء بسهولة العثور على مبادرات لمنع العنف ضد المرأة (abolish153@) ولتغيير المعايير الثقافية (ccdkw@) وتشجيع التعايش بين ديانات العالم (coexistkuwait@).

وعلى الرغم من أن العديد من الشباب في الكويت المعاصرة قد ولدوا بعد التحرير، إلا أن الكثير منهم قد لاحظوا النزعة الثقافية في التوجه نحو الدين أو الأمور المادية بعد الحرب وقلقوا بشأنها. وفي حين أن الكثير قد كتب عن إرث "عملية عاصفة الصحراء" في دراسة السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، تشكل المساعي الهادفة لإعادة بناء المجتمعات بعد الغزو جزءا أساسيا من عملية إعادة إحياء المعنويات. أما فيما يخص الكويت، فمن المهم عدم فصل إرث الغزو العراقي عن مبادرات الرفاهية العامة هذه.

منذ عام 1991، ارتبطت مسألة "المعنويات" في حياة المرء ارتباطا وثيقا بالأطر الدينية المصطنعة والمادية

ولكن، من المهم أيضا الإشارة إلى أن هذه المبادرات ليست بديلا لخدمات الرعاية الصحية العقلية المهنية. ومع ذلك، فإن واقع ظهور مقالات حول مشكلة الانتحار في الخليج وغيرها من مشكلات الرعاية الصحية النفسية يشكل بادرة تبعث على التفاؤل بالنسبة إلى مستقبل المنطقة.

على الأقل فيما يتعلق بالكويت، إن الجهود المبذولة لمعالجة الصدمات الفردية والجماعية هي جزء من التعافي من غزو وحشي قد أثر على دولة تأثيرا عميقا ويستمر بشكل غير مباشر في التأثير على جيل لم يعش خلال فترة الحرب ولكنه تضرر منها.

إن "إعادة بناء المعنويات من جديد" هي مبادرة كويتية تستحق الثناء في أيام كثر فيها المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي، مثل "سندس القطان" و"عبد الله الجاسر"، اللذين حققا شهرة واسعة من خلال ترويج المنتجات بينما لم يساهموا في تشكيل هوية وطنية بناءة. إذ تهدف هذه المساعي إلى تطوير ثقافة النزاهة وتقديم بدائل للجوانب الأخرى من المشهد الترفيهي الحالي في الكويت، الذي تعرض لهجوم في الآونة الأخيرة بسبب عدم مراعاته للثقافات الأخرى، إلى جانب مجموعة من حملة الدكتوراه الذين يستخدمون شهادات مزورة لممارسة العمل.

يجب أن يدعم التعاون الدولي هذه المبادرات المحلية، ويمكنه أيضا أن يساهم بها عن طريق إجراء الأبحاث لتتبع فعاليتها على سبيل المثال. تتخذ الكويت بشكل جماعي، خيارات حول نوع الثقافة التي يجب أن تزرعها بعد مرور ثمانية وعشرين عاما على غزوها.

مريم الكاظمي، أستاذة مساعدة سابقة في مجال الاتصال الجماهيري بجامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا وأستاذة مساعدة حالية في مجال العلاقات العامة في جامعة كومنويلث فرجينيا.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG