Accessibility links

إلى دار الإفتاء: "هو أنتوا هتفتوا؟"!


تظاهرة في يافا رفضا للعنف ضد النساء في مصر (أرشيف)

ماهر جبره/

في مصر عندما نحب أن نسخر من رأي ما فإننا نقول لصاحبه: هو أنت هتفتي؟ في إشارة إلى أنه غير متخصص في الشأن الذي يتحدث فيه ولا ينبغي عليه أن يقول هذا الرأي.

هذا بالضبط ما حدث مع دار الإفتاء المصرية عندما نشرت على صفحتها على موقع فيسبوك فتوى تقول: "ختان الإناث حرام واعتداء على المرأة #لا_لختان_الإناث".

تم نشر هذه الفتوى بتاريخ 31 يناير 2020. وقد حصد المنشور حوالي 8 آلاف تعليقا، ليخلق حالة شديدة من الجدل. وللأسف فقد هاجم كثير من المعلقين دار الإفتاء بدعوى أنها تزيف الإسلام، وتفتي بتحريم الختان في مخالفة للشرع لإرضاء السلطة الحاكمة.

فمن التعليقات مثلا على هذا المنشور كتب محمد قاسم "مذاهب بتقول واجب ومذاهب بتقول مستحب فهو مستحب على أقل حال كيف لكم تجعلون من الواجب والمستحب حرام يا آفاقين ألا يوجد غير الدين لتحرفوه حسبنا الله ونعم الوكيل". وقال سعيد عزام: "لم يقل أحد من أهل العلم المعتبرين بالحرمة... وإنما حكم الختان يدور ما بين الوجوب والاستحباب"، وكتب محمد بيبو "أنتم أصبحتم دار الفتنة مش دار الافتاء الله لا يبارك لكم".

ندى ماتت يا فضيلة الإمام لأن العقل الذي تربى على أفضلية النقل على العقل

وملخص الموضوع لمن لا يعرف تاريخه هو أن أحدا من الأئمة الأربعة لم يحرم الختان أو الخفاض أو تشويه الأعضاء التناسلية للمرأة وهو الاسم الأدق لهذه الممارسة. ولكن دار الإفتاء استندت على أن العلم أثبت أن ختان الإناث ضار جدا بالصحة الجسدية والنفسية والجنسية للمرأة، وهو ما لم يكن معلوما للأئمة الأربعة في زمانهم.

وطبقا للقاعدة الفقهية الشهيرة التي تقول "لا ضرر ولا ضرار" وحيث أن العلم أثبت ضرر الختان، إذا فهو محرم حتى وإن أحلوه مَن سبقونا. وبناء عليه فقد بنى شيوخ دار الإفتاء موقفهم في هذه الحالة استنادا على رأي الأطباء. ففي النهاية، الأمر طبي وليس دينيا، ولكن كثيرين لم يتقبلوا هذه المنهجية في التفكير.

والحقيقة أن رد فعل المعلقين هو نتيجة متوقعة لمنهجية تفكير أخرى قدمتها وتقدمها المؤسسات الدينية الرسمية باستمرار. فنحن نحصد نتاج خطاب ديني يصر على مخاصمة العلم والحداثة وحقوق الإنسان. خطاب رافض لكل محاولات التجديد، ومناصر للتراث على حساب إعمال العقل.

فحتى هذه اللحظة يُعلِّم الأزهر طلابه أن مدة الحمل قد تصل إلى أربع سنوات، وهو ما ينافي العلم والمنطق. ولكن ما زالت هذه الأفكار تُدرس في القرن الحادي والعشرين فقط لأن الأئمة الأوائل قالوها وبالتالي فهم أصدق من أي علم، بحسب هذا المنهج الفكري.

وحتى هذه اللحظة يدافع شيخ الأزهر عن ضرب الزوجة باعتباره يحافظ على كيان الأسرة ويحفظها من الانهيار. ويدافع بعض الأزهريين عن حق المسلم في اغتصاب النساء في الحروب كما قالت أستاذة الأزهر الدكتورة سعاد صالح في برنامجها فقه المرأة.

وحتى هذه اللحظة يتم مهاجمة كل من يدعو لتنقيح كتب الأحاديث بقسوة بالغة بل أن بعضهم يتم اتهامه بازدراء الإسلام بل وسجنه ولن أتحدث عن حالات من ماضي بعيد بل إن حالة الباحث والإعلامي إسلام بحيري الذي تجرأ وطالب بتنقيح كتب التراث، فقضى عاما في السجن هي مثال واضح على كلامي.

ولكن ربما يسأل أحدهم ما هي علاقة تنقيح كتب الصحاح بموضوع الختان؟ الإجابة هي أن العلاقة مباشرة جدا فكثيرون يبنون موقفهم في هذه القضية على أحاديث ضعيفة مثل حديث "إذا خفضت فأشمي ولا تنهكي فإنه أنضر للوجه وأحظى عند الزوج". الحديث المعروف باسم حديث أم عطية، وهي داية عملها إجراء عمليات ختان الإناث.

والمقصود به أن تقطع جزءا صغيرا من البظر وليس كل البظر عند الختان. وبالرغم من أنه حديث ضعيف بحكم شيوخ الأزهر إلا أنه يتسبب في انتهاك أجساد الملايين من الفتيات الصغيرات البريئات كل سنة.

حتى هذه اللحظة يدافع شيخ الأزهر عن ضرب الزوجة باعتباره يحافظ على كيان الأسرة

كما أن ما نراه من هجوم على دار الإفتاء هو نتاج لتقديس شخصيات دينية ووضعها في مصاف الأنبياء بحيث لا يستطيع أحد أن ينتقد أو حتى يختلف مع أي من آرائهم أو أفكارهم مثل الشيخ الشعراوي الذي أباح الختان موضحا أن اسمه الخفاض وليس الختان. وبالتالي فقد أصبح من الصعب أن يستمع الناس لرأى دار الإفتاء إن خالفت رأي الشيخ الشعراوي.

بل إن ما يحدث هو نتاج لتقديس التراث في عمومه والهجوم على أي محاولة للتعامل معه بعقلية نقدية. وهنا تحضرني مقولة شيخ الأزهر أحمد الطيب في مؤتمر التجديد في الفكر الإسلامي الذي أُقيم في جامعة الأزهر يومي 27 و28 يناير، حين قال "ابحثوا عن مشكلة أخرى غير التراث"، في محاولة منه للدفاع عن التراث ضد أي محاولة لتنقيحه أو تجديده أو إنشاء علوم دينية جديدة، وتبرئته من أي مسؤولية عن أي مشاكل تواجه مجتمعاتنا.

ولكن الحقيقة يا فضيلة الإمام أن التراث يؤثر على حياتنا بشكل قوي ومباشر وأن قضية ختان الإناث هي مثال صارخ على فشل مجهودات مفكرين وأطباء وقوانين ومنظمات دولية ومحلية ضخمة على مدار عقود طويلة لإيقاف هذه الممارسة البشعة. فكل هذه المجهودات لم تحمِ ندى بنت قرية الحواتكة، منفلوط، بمحافظة أسيوط ذات الـ 12 ربيعا من أن تموت ضحية لهذه العادة القبيحة.

ندى ماتت يا فضيلة الإمام لأن العقل الذي تربى على أفضلية النقل على العقل، وعلى عدم نقد التراث مهما تعارض مع المنطق أو العلم أو حقوق الإنسان، من الصعب عليه أن يترك كل هذا فجأة ويتقبل فتوى مبنية على ما قاله العلم الحديث حتى ولو خرجت من دار الإفتاء نفسها!

اقرأ للكاتب أيضا: هارفارد والقرآن والأخبار الزائفة!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG