Accessibility links

إما أن يتطور الدين أو أن يدمر نفسه من الداخل


تظاهرة أمام المجلس الشيعي الأعلى في بيروت للمطالبة بحق النساء في الوصاية على أبنائهن

رنا الفيل/

قبل أن تسارع دار الفتوى في لبنان إلى إصدار بيان يقول إن الزواج المدني يخالف أحكام المادة التاسعة من الدستور اللبناني، كان أحرى بمن كتبه أن يقرأ المادة كاملة لا أن يقتبس منها. كما كان من الأفضل أن يقرأ الدستور كاملا وأيضا المواثيق الدولية التي التزم بها لبنان.

فالمادة التاسعة من الدستور اللبناني التي تضمن احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية هي نفسها تقول إن حرية الاعتقاد مطلقة. أين هي حرية الاعتقاد عندما يتم فرض الزواج الديني على مواطن هو حر في معتقده وحر أن يعتبر أن الزواج الديني لا يناسبه؟

وكما جاء في دراسة قانونية لمنظمة "كفى"، فإن المادة التاسعة من الدستور اللبناني لا تجيز استئثار الطوائف بنطاق الأحوال الشخصية ولا تجيز الفراغ في القانون المدني العام كما هو حاصل. وبما أن لبنان لم يتبن دينا للدولة، فإن أيا من قوانين الطوائف لا يمكنها أن تشكل القانون العام، بحسب الدراسة القانونية. وإنفاذا للمادة التاسعة للدستور، على الدولة تشريع قانون عام موحد للأحوال الشخصية.

حان الوقت لقوانين مدنية للأحوال الشخصية في لبنان

ويا ليت هذه المؤسسة تقرأ بقية الدستور اللبناني قبل الاتكاء عليه لمهاجمة الزواج المدني. فمقدمة الدستور تؤكد أن لبنان ملتزم مواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وهذا الإعلان يؤكد أن جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق وأن الناس جميعا سواء أمام القانون. وليس خافيا على أحد أن القوانين الدينية لا تساوي في الكرامة والحقوق لا سيما عندما يتعلق الأمر بحقوق المرأة.

والمادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تقول إن للرجل والمرأة حق الزواج وتأسيس أسرة "من دون أي قيد بسبب الدين وهما متساويان في الحقوق لدى التزوّج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله". هذا كله يشير إلى أن لبنان بمنعه الزواج المدني على أرضه يخالف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي التزم به بدستوره. إذا، التحجج بالدستور للتصدي للزواج المدني ليس منه منفعة.

متظاهرون لبنانيون طالبون بإقرار قانون أحوال شخصية مدنية
متظاهرون لبنانيون طالبون بإقرار قانون أحوال شخصية مدنية

وبيان دار الفتوى، المعارض لاقتراح وزيرة الداخلية ريا الحسن، جاء بعد أسابيع فقط من إذلال النائبة رلى الطبش عبر جعلها تعتذر في دار الإفتاء لدخولها الكنيسة وتقدمها من الكاهن وإن كانت لم تتناول القربان. أتمنى أن تكون الحسن أكثر شجاعة من الطبش وأن تتمسك بمواقفها. سقطت القيم الأخلاقية باعتذار الطبش، لتكن الحسن هي من يعيد الاعتبار إلى تيار المستقبل.

إما أن يتطور الدين وإما أن يدمر نفسه من الداخل

والمأساة أن كل ما يتم تداوله حاليا لا يتعدى إطار الزواج المدني الاختياري فيما المصيبة أكبر بكثير. الأحوال الشخصية الدينية المفروضة على المواطن اللبناني تكسر حريته وكرامته وتجعل من المرأة اللبنانية مواطنة من درجة ثانية أمام القانون. هذا في الوقت الذي يغيب فيه الاجتهاد في المسائل الدينية. لا اجتهاد ولا فصل للدين عن الدولة وعلى المواطن تحمل التناقضات بين القيم الإنسانية والقوانين الدينية.

حان الوقت لقوانين مدنية للأحوال الشخصية في لبنان. ليس مفيدا للمؤسسة الدينية أن يتعارض الدين مع أبسط حقوق الإنسان، ألا ترى دار الفتوى أن موجة الإلحاد والتخلي عن الدين تجتاح الشباب في العالم الإسلامي؟ حان الوقت لأن تتماشى المؤسسة الدينية مع العصر الحالي ومفاهيم حقوق الإنسان وحقوق المرأة. إما أن يتطور الدين وإما أن يدمر نفسه من الداخل.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)
XS
SM
MD
LG