Accessibility links

إيران بعد الانسحاب من الاتفاق النووي (1/2): دروس من حملات الضغط الماضية


معارض إيراني يطالب بعدم استقال الاتحاد الأوروبي لوزير الخارجية الإيراني

بقلم مايكل آيزنشتات/

"هذا المرصد السياسي هو الأول في سلسلة من جزأين بشأن تشكيل ردود إيران المحتملة للضغط الأميركي المتزايد على أنشطتها النووية. وسيبحث الجزء الثاني الإجراءات التي ستتبعها طهران على الأرجح بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة)".

تعمل إيران حاليا على دراسة الخيارات المتاحة أمامها في أعقاب إعلان الرئيس ترامب في 8 أيار/مايو عن انسحاب الولايات المتحدة من "خطة العمل الشاملة المشتركة" (الاتفاق النووي) المتفق عليها عام 2015، والسعي إلى انتهاج سياسة جديدة تقوم على "أقصى درجات الضغط الاقتصادي والدبلوماسي". ولكن بينما تطبق الإدارة الأميركية هذا القرار، يتعين على المسؤولين الأميركيين النظر في الكيفية التي ردت فيها إيران على حملات الضغط السابقة التي استهدفت برنامجها النووي. فما الذي تكشفه هذه الردود حول تصرف طهران المحتمل تجاه خطوات واشنطن التالية؟

الردود على حملات الضغط السابقة

يعود البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية إلى عام 1984، ولكن المفاوضات الهادفة إلى الحد من أنشطة إيران النووية لم تحرز أي تقدم إلا بعد اكتشاف برنامجها الخفي لتخصيب اليورانيوم في عام 2002. وبعد مرور أكثر من عقد من الزمن شهدت خلاله المفاوضات فترات متكررة من الانقطاع والاستئناف، فضلا عن فرض عقوبات صارمة على نحو متزايد، وتهديدات عسكرية، وافقت إيران على "خطة العمل الشاملة المشتركة" عام 2015 وقبلت بقيود مؤقتة على أنشطتها النووية مقابل تخفيف وطأة العقوبات. وفي ضوء ردود النظام خلال هذه الفترة، يمكن استخلاص أنماط معبرة لهذه التصرفات:

في أعقاب غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003، أفادت التقارير بأن طهران أوقفت برنامج تسليحها "الواضح المعالم" لتجنب إعطاء ذريعة لغزو إيران، إلا أنها واصلت أعمال البحث والتطوير في مجال الأسلحة ذات المستوى المنخفض وأحرزت تقدما مطردا في برنامجها لتخصيب اليورانيوم.

على الرغم من قيام إيران بتجميد عمليات التخصيب بين عامي 2003 و2005 استجابة للضغوط الأجنبية، إلا أنها استغلت ذلك الوقت لإصلاح المشاكل التقنية في برنامج التخصيب الخاص بها وواصلت بناء مصنع لتحويل اليورانيوم في أصفهان.

عندما تواجه إيران ضغوطا جديدة، فإنها غالبا ما تهدد بزيادة قدرة/مستوى التخصيب الذي تقوم به، أو وقف التعاون مع "الوكالة الدولية للطاقة الذرية"، أو بناء سفن وغواصات تعمل بالطاقة النووية إذا لم يتم رفع العقوبات.

منذ عام 2017، قللت إيران من جهودها لاختبار القوات الأميركية في سورية والخليج، ربما بسبب عدم يقينها من نوايا إدارة ترامب

عند انضمامها إلى "خطة العمل الشاملة المشتركة" في عام 2015، وافقت إيران على الالتزام بقيود مؤقتة على أنشطتها النووية في حين سمح لها بمواصلة أعمال البحث والتطوير الخاصة بأجهزة الطرد المركزي. كما أنها أخفت سرا محفوظاتها للأسلحة النووية ـ ربما لتسهيل إعادة إطلاق البرنامج في موعد لاحق.

وباختصار، غالبا ما ردت إيران على الضغوط من خلال زيادة قدرتها على التخصيب بشكل تدريجي، وتهديدها حتى بالعمل على إحراز تقدم أكبر لإقناع خصومها بعدم جدوى مساعيهم. وفي مناسبات عديدة، وافقت على مضض على تجميد أنشطة معينة بصورة مؤقتة طالما لم يمنع ذلك التجميد التقدم المستمر في مجالات أخرى، أو يرغمها على التنازل عن "حقها في التخصيب" أو يلزمها على الإقرار بالأبعاد العسكرية لبرنامجها.

علاوة على ذلك، ومع تكثيف الضغوط الأجنبية وتوسعها، كانت إيران بشكل عام ترد بالمثل:

في أعقاب الهجمات الإلكترونية على بنيتها التحتية النووية ووزارة النفط الإيرانية، وعلى أثر العقوبات التي فرضت على "مصرف إيران المركزي" وقطاع النفط الإيراني، هددت إيران بإغلاق مضيق هرمز في عام 2011، ثم شنت بدورها هجمات إلكترونية على المؤسسات المصرفية والمالية الأميركية في عام 2012.

بعد استهداف خمسة علماء نوويين إيرانيين وقتلهم، أمرت طهران باستهداف دبلوماسيين إسرائيليين في أربع دول آسيوية على الأقل في عام 2012.

ردا على ارتفاع عدد رحلات طائرات الاستطلاع بدون طيار فوق الحدود الإيرانية وداخل المجال الجوي الإيراني، حاولت طهران إسقاط طائرات استطلاع أميركية فوق الخليج العربي بين عامي 2012 و2013.

الأنشطة النووية والإقليمية: التقسيم الانتقائي

لم تؤد جهود طهران الرامية إلى تخفيف الضغط على برنامجها النووي إلى التأثير بشكل جوهري على أنشطتها الإقليمية، لأن النظام الإيراني اعتاد في الماضي على فصل المسألة النووية عن سياساته في كل من سورية والعراق وأفغانستان والخليج (مع استثناء واحد جدير بالذكر وهو: التهديد من عام 2011 الذي أشير إليه سابقا لإغلاق مضيق هرمز إذا خضعت صناعة النفط الإيرانية للعقوبات). ولذلك، لم يكن للعقوبات النووية المكثفة ولا للرغبة في إبرام اتفاق نووي أي تأثير ملموس على تدخل إيران في الحرب السورية، أو قرارها الظاهري بتجنب الضلوع في الهجمات المنفذة بالوكالة على الأفراد الأميركيين في العراق بعد عام 2011، أو على تسليحها حركة "طالبان" (لأكثر من عشرة أعوام حتى الآن) لتساعدها في حربها ضد القوات الأميركية في أفغانستان. أما في المناطق الأخرى، فلم تهمد المضايقات الإيرانية لسفن البحرية الأميركية في الخليج، خلال المفاوضات النووية أو بعدها (22 حادثا في عام 2015، و36 حادثا في عام 2016).

بيد أن إيران عمدت فعلا إلى ضبط أنشطة الصواريخ الباليستية في ذروة المفاوضات (تشرين الثاني/نوفمبر 2014 حتى تموز/يوليو 2015)، حيث قامت بإطلاق صاروخ واحد فقط متوسط المدى خلال تلك الفترة. كما خففت من هجماتها الإلكترونية ربما سعيا إلى إيجاد بيئة تفاوضية أكثر ملاءمة (على الرغم من استمرارها بأنشطة التجسس عبر الإنترنت خلال فترة المحادثات).

ولكن بعد اكتمال "خطة العمل الشاملة المشتركة" في تموز/يوليو 2015، حثت إيران روسيا على التدخل في سورية بينما قامت بشكل مؤقت بزيادة عدد قواتها هناك اعتبارا من أيلول/سبتمبر لصد هجوم من الثوار كان يهدد النظام. كما عززت عمليات إطلاق الصواريخ الباليستية متوسطة المدى (تسع عمليات في العام الذي أعقب التوقيع على "خطة العمل الشاملة المشتركة"، وأربع في العام التالي)، واستأنفت أنشطة الاستقصاء الإلكتروني العدوانية ضد الولايات المتحدة وغيرها من الأهداف، وسرعت عمليات احتجاز الأميركيين المقيمين (اثنان على الأقل في النصف الثاني من عام 2015 وخمسة في النصف الأول من عام 2016). وفي الفترة نفسها تقريبا وعلى نحو مماثل، زادت دعمها للثوار الحوثيين في اليمن.

هل هو تأثير ترامب؟

واصلت إيران الكثير من هذه الأنشطة على مدى الأشهر الأولى من عام 2017، في حين أصبحت القوات الموالية للنظام السوري أكثر حزما ـ ربما يعود ذلك جزئيا إلى الرغبة في اختبار الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة ترامب. وأدى ذلك إلى سلسلة من الردود العسكرية السريعة من جانب الولايات المتحدة، بما فيها هجوم بالصواريخ الجوالة الموجهة على "قاعدة الشعيرات الجوية" في سورية بعد أن استهدف النظام السوري المدنيين بالأسلحة الكيميائية (نيسان/أبريل 2017)، واعتراضات جوية لوحدات الميليشيا التي تدعمها إيران (ثلاث مرات في الفترة أيار/مايو ـ حزيران/يونيو 2017) وطائرات الاستطلاع المسلحة بدون طيار (مرتين في حزيران/ يونيو 2017) التي هددت الثوار ومستشاري التحالف الدولي المتواجدين على مقربة من بلدة التنف السورية الواقعة على الحدود، وإسقاط مقاتلة سورية من طراز "سوـ22" كانت قد شنت هجوما على وحدات الثوار والمستشارين الأميركيين بالقرب من مدينة الثورة (حزيران/يونيو 2017)، وإطلاق نار تحذيري باتجاه دورية بحرية إيرانية كانت تناور بطريقة استفزازية (تموز/يوليو 2017)، وهجوم على القوات الموالية للنظام التي كانت تهدد الثوار الأكراد السوريين والمستشارين الأميركيين بالقرب من دير الزور، مما أدى إلى مقتل ما بين 200 و300 منهم وفقا لبعض التقارير، ومن بينهم عدد كبير من المرتزقة الروس (شباط/فبراير 2018).

وعلى الرغم من أن هذه الردود كانت محدودة النطاق وتم تنفيذها في الغالب كتدابير لحماية القوات، إلا أنها أدخلت عامل الشك في الحسابات الإيرانية. وعموما، تصرفت إيران منذ ذلك الحين بحذر أكبر تجاه الولايات المتحدة. فالمرة الأخيرة التي احتجزت فيها القوات الإيرانية مواطنا أميركيا كانت في شهر آب/أغسطس 2016 (كانوا يعتقلون سابقا أميركيا واحدا أو اثنين كل عام أو نحو ذلك لمدة دامت ما يقرب من عشر سنوات، وبعضهم ما زالوا قابعين في السجون). وبالمثل، لم تجر إيران أي اختبارات للصواريخ متوسطة المدى منذ تموز/يوليو 2017، ولم تضايق السفن الحربية الأميركية في الخليج منذ شهر آب/أغسطس من ذلك العام.

ولكن في ذلك الوقت تقريبا، اتخذت إيران موقفا أكثر حزما من السعودية وإسرائيل. ووفقا لبعض التقارير باشرت طهران بأعمال بناء مصانع للصواريخ في لبنان وسورية واليمن، كما حاولت شن هجوم إلكتروني مدمر على البنية التحتية النفطية السعودية (آب/أغسطس 2017)، وزودت الحوثيين بصواريخ متوسطة المدى استخدمت لاستهداف الرياض (بدءا من تشرين الثاني/نوفمبر 2017)، وحاولت أيضا شن هجوم بطائرات بدون طيار ضد إسرائيل من سورية (شباط/فبراير 2018)، وشجعت "حماس" على محاولة التوغل عبر حدود غزة مع إسرائيل والقيام بهجمات عنيفة (بداية آذار/مارس 2018). ويبدو أيضا أن إيران و"حزب الله" يساعدان حركة "حماس" على إنشاء قاعدة عمليات ضد إسرائيل في جنوب لبنان.

باشرت طهران بأعمال بناء مصانع للصواريخ في لبنان وسورية واليمن

وقد تكون بعض هذه التحركات بمثابة امتداد منطقي لأنشطة طهران السابقة في تلك المناطق. ومع ذلك، فقد تعكس أيضا الرغبة في تصعيد الهجمات ضد أبرز حلفاء أميركا في المنطقة بالتزامن مع القرار الإيراني بوقف التصعيد (على الأقل مؤقتا) في سورية والخليج.

وأيا كان الأمر، يمكن استخلاص عدة استنتاجات من هذه التجربة:

ردا على الإجراءات المتخذة ضد البرنامج النووي الإيراني، تميل إيران إلى إطلاق التهديدات وزيادة أنشطتها النووية والقبول بقيود مؤقتة على برنامجها متى لزم الأمر، بالإضافة إلى الرد على الضغوط المتنامية بعمليات إلكترونية وعسكرية وإرهابية. ومع ذلك، فإن محاولات المقاومة النووية هذه تبقى منفصلة عن الأعمال التي تقوم بها إيران في سورية والعراق وأفغانستان والخليج ـ على الأقل في الوقت الراهن.

على الرغم من انتهاجها سياسة حازمة بشكل متزايد، لا تزال إيران معرضة للمخاطر والتكاليف وتتحلى بالمرونة على المستوى التكتيكي. وسوف تتراجع عندما تجابه برد صارم لتعود وتتحرك في الوقت والمكان الأكثر ملاءمة.

منذ عام 2017، قللت إيران من جهودها لاختبار القوات الأميركية في سورية والخليج، ربما بسبب عدم يقينها من نوايا إدارة ترامب. وفي الوقت نفسه زادت أنشطتها ضد إسرائيل والسعودية، ربما لفرض تكاليف على حلفاء واشنطن عندما يتعذر عليها معاقبة الولايات المتحدة مباشرة.

الاعتبارات المحلية

ساهم ميزان القوى داخل إيران أيضا في صياغة خيارات النظام بشأن هذه القضايا. ففي عام 2015، ربما حاول المرشد الأعلى علي خامنئي تحقيق التوازن بين قبول "خطة العمل الشاملة المشتركة" ـ التي كانت بمثابة رشوة للمحافظين البرغماتيين أمثال الرئيس حسن روحاني ـ من خلال منح قائد "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني قاسم سليماني وغيره من المتشددين حرية أكبر لمواصلة العمل بما يفضلونه في سورية وأماكن أخرى. وربما يكون قد فعل الأمر نفسه عام 2017، حين بدا أنه يضبط نشاط "الحرس الثوري" ضد القوات الأميركية في سورية بينما أعطى حرية أكبر لسليماني ضد إسرائيل والمملكة العربية السعودية.

وبالفعل يبدو أن المسؤولين في "الحرس الثوري" أقل تهربا من المخاطر مقارنة بالقيادة المدنية في طهران، ولذلك إذا اكتسبوا صلاحية أكبر في صنع القرار (على سبيل المثال، نتيجة لعجز خامنئي عن تأدية مهام منصبه)، فمن المرجح أن تتصرف إيران بصورة أكثر عدوانية. وقد تتفاقم النزعة العرضية لدى النظام بالتجاوز والمبالغة من خلال الاعتقاد بأن الزخم إلى جانب إيران ووكلائها، وذلك بعد نجاحهم في حث إسرائيل على الانسحاب من لبنان (عام 2000)، مما ساهم في فك الارتباط الأميركي من العراق (عام 2011)، وإنقاذ نظام الأسد من "المؤامرة" الأميركية ـ الصهيونية ـ السعودية. وربما منح ذلك طهران الثقة الكافية لإرسال طائرة استطلاع هجومية بدون طيار إلى داخل المجال الجوي الإسرائيلي في شباط/فبراير، وضرب قوات الثوار والمستشارين الأميركيين المتواجدين قرب دير الزور خلال الشهر نفسه. وفي المرحلة المقبلة، من شأن طريقة التفكير هذه أن تدفع طهران إلى الرد على الضغوط النووية غير المسبوقة من خلال تكثيف مقاومتها في المجالين النووي والإقليمي (ويشمل ذلك، سورية والعراق وأفغانستان والخليج) وربط هذه الأنشطة بطرق لم تعهدها في السابق.

مايكل آيزنشتات هو زميل "كاهن" ومدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG