Accessibility links

احتلال عسكري يوازيه احتلال فكري (2)


مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق

بقلم عبد الحفيظ شرف

في العام 2013 قال رجل الدين الإيراني مهدي طيب في تصريح: "إذا هاجمنا الأعداء وكانوا يريدون أخذ إما سورية أو محافظة خوزستان، فإن الأولوية هنا المحافظة على سورية، فإذا حافظنا على سورية معنا، فإن بإمكاننا استعادة خوزستان أيضا، ولكن إن فقدنا سورية لا يمكننا أن نحافظ على طهران". قد يبدو هذا التصريح صادما إذا ما أمعنا النظر في حيثياته، لكنه بلا شك يعكس الأيديولوجية الإيرانية ومخططها الذي يرى دمشق على أنها قلب الاستراتيجية الإيرانية في الحصول على زعامة سياسية لها في المنطقة.

بدأت إيران بإنشاء جامعة إسلامية (جامعة آزاد) في سورية بموافقة بشار الأسد الذي كان، ومن قبله والده، رافضا لأي شكل من أشكال الفكر الإسلامي في الجامعات السورية ورافضا عبر أجهزته البعثية والأمنية أي شكل من أشكال التدين في صفوف الطلاب السوريين، لكنه بات اليوم متسامحا مع إنشاء كيان أكاديمي عقائدي إسلامي بأمر من إيران وتنفيذا لمشروعها في سورية.

تؤكد إيران تدريجيا وبما لا يدع مجالا للشك أن سورية لا تعدو عن كونها محافظة إيرانية خارج الحدود

وهذا يطرح سؤالا أساسيا: ما الذي تنوي إيران فعله عبر فتح فروع لجامعتها العقائدية في سورية تحديدا، وفي هذه الفترة أي قبل انتهاء الحرب أو حتى الوصول إلى تسوية سياسية في البلاد؟ تكمن الإجابة في طبيعة هذه الجامعة التي تستخدمها طهران لتستكمل من خلالها استراتيجيتها معتمدة في تحقيقها على القوة التقليدية. فطهران لم تمل منذ انطلاق ثورتها المزعومة من استخدام المنظمات التعليمية والخيرية والثقافية لنشر رسائل تصفها بالثورية وتدعو ركب الشباب للحاق بها من خلال تلقينهم أفكارها الأيديولوجية إلى حين يصبح الهدف قابلا للتجنيد في معركتها الشرسة إقليميا لبسط الهيمنة والنفوذ.

اقرأ للكاتب أيضا: جديد بشار الأسد

ولم يكن ما سبق مجرد تحليل نظري، إنما هو تحليل مبني على ما نطق به وأكده ولايتي عند حديثه عن أهمية افتتاح فروع جديدة لجامعة آزاد وهو ما يعتبره فرصة "تساعد المزيد من الشباب العراقيين واللبنانيين على الحصول على التعليم العالي ولتدريب الجيل التالي من المقاومة". نعم، هي المقاومة التي تخلق جيشا من الشباب المؤدلج عقائديا لتحقيق طموحات إيران في السيطرة على المنطقة باسم المواجهة ضد قوى الشر بحسب المفهوم الإيراني، والتي تتقدمها بحسب الزعم الإيراني، الولايات المتحدة وإسرائيل. والخطوة الإيرانية هذه، تتماشى مع سياسات التغيير الديموغرافي التي يقوم بها النظام السوري في أغلب البلدات السورية لتصبح هذه المدن أو البلدات السورية فريسة سهلة للأدلجة الإيرانية.

لم يخف ولايتي، المنبهر بجامعته، ما اعتبره ضرورة أن يكون لمنظمة "الباسيج" وطلابها حضور شامل في الأنشطة الثقافية والأيديولوجية والاجتماعية لجامعة آزاد، مشددا على أن طلاب "الباسيج" هم ركيزة المجتمع الطلابي الإيراني، وأن القسم الثقافي في جامعة "آزاد" سيكون مقر "الباسيج". وهذا تصريح خطير من رجل دولة أكثر منه رئيس جامعة. ويجب الإشارة هنا إلى الدور الذي لعبه "الباسيج" في قمع الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة والثورة الخضراء عام 2009.

ترغب إيران من خلال خطواتها هذه ضمان مصالحها حتى في حال غياب الأسد أو سقوطه

هكذا، يمكن التوصل إلى فكرة مفادها أن الأسد باع الشباب السوري إلى حليفه الإيراني كما باع أرض سورية وسيادتها. من جهتها، تؤكد إيران تدريجيا وبما لا يدع مجالا للشك أن سورية لا تعدو عن كونها محافظة إيرانية خارج الحدود. محافظة باتت معالم التشيع تظهر فيها ظاهرة. ولا أريد أن أتحدث بلغة طائفية، فأنا أمقت الطائفية ولا فرق لدي بين سني أو شيعي أو درزي أو مسيحي، وأنا أؤمن بحرية الأديان والمذاهب والمعتقدات وأن سورية جميلة بتوعها العرقي والديني والمذهبي، لكن ما أقصده هو أن نشر التشيع ومظاهر التشيع في مجتمع سني هو نوع من الطائفية المقيتة، وهذا سيزرع الكثير من الأحقاد وسيشكل قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت.

اقرأ للكاتب أيضا: سورية والاتفاق النووي مع إيران

وإن كان مشهد الحجاج الإيرانيين في سوق الحميدية بات أمرا مألوفا، إلا أن الأمر سيصبح أكثر خطرا وتوحشا مع خلق أجيال جديدة مشبعة بالفكر العقائدي الإيراني مع الغزو الفكري والثقافي الجديد في سورية. ترغب إيران من خلال خطواتها هذه ضمان مصالحها حتى في حال غياب الأسد أو سقوطه في حال التضحية به مستقبلا فيما إذا انخرطت إيران في أي تسوية دولية لحل الأزمة في سورية.

صحيح أن إيران كانت ستدعم الأسد بغض النظر عن انتمائه العقائدي والمذهبي، وصحيح أن الأسد يحاول أن يظهر نفسه كعلماني لا يقيم وزنا للانتماءات الدينية والعقدية، وصحيح أيضا أن العلاقة بين النظامين السوري والإيراني قائمة أساسا على اعتبارات سياسية ومصلحية، إلا أن كل هذه الاستدراكات لن تكون كافية لتفسير الموقف الإيراني إلا من خلال الاستراتيجية الإيرانية التي تريد موطأ قدم على البحر المتوسط في سورية ومضيق باب المندب في اليمن كما تريد السيطرة والتوسع في الشرق الأوسط لخدمة سياستها وعقيدتها.

ستضعف التحركات الإيرانية في الشرق الأوسط وتتأكل تدريجيا بعد انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي الإيراني وبعد أن فقدت العملة الإيرانية أكثر من ربع قيمتها السوقية وما سيتسبب به انهيار الاتفاق النووي من أزمات اقتصادية متراكمة ستعصف بالمخزون المالي الإيراني وبكل هذه المؤسسات المدعومة من قبل الإيرانيين، وهذا برأيي أحد أهم نتائج قرار الرئيس الأميركي بالانسحاب من الاتفاق النووي.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG