Accessibility links

إيران والعرب وروسيا في المونديال


مشجع مصر يرتدي زيا فرعونيا

بقلم عبد الحفيظ شرف/

قبل عدة أشهر فرح العرب واحتفلوا بوصول أربعة فرق عربية إلى المونديال وبدأت الأحلام ترتسم على وجوه المشجعين؛ ففي مصر توقع الإعلام المصري تأهل منتخبهم إلى الدور الثاني بسهولة بأقدام النجم المتألق محمد صلاح، وهو كذلك لكن يدا واحدة لا تصفق، وأما السعودية فقد تفاءل محللوها بتقديم مستوى أفضل من مشاركة عام 1994، وما بين تونس والمغرب ارتفع مستوى الأمل والطموحات. واليوم خيب العرب كل هذه الآمال والظنون وتفاجؤوا بالواقع المرير والأداء المشين للكرة العربية بشكل عام على المستوى العالمي.

تعددت المشاركات العربية والتي ابتدأتها مصر في العام 1934 وتبعتها دول عربية أخرى في مشاركات متعددة ومتفرقة. وما ميز مشاركات العرب في كأس العالم في روسيا هذا العام هو مشاركة أربعة منتخبات عربية في النهائيات للمرة الأولى، ولكن على سلم الإنجاز ما الذي تحقق؟

نمتاز نحن العرب بتضخيم الإنجازات وذلك بسبب ندرتها فنعتبر أن مجرد الوصول مثلا لكأس العالم إنجاز كبير

قدمت السعودية مستوى ضعيفا بكل ما تعنيه الكلمة. فالأخضر السعودي خسر أمام روسيا بخمسة أهداف مقابل لا شيء والفريق الروسي ليس فريقا مخضرما قويا بالمطلق، وقد ظهر مستواه الحقيقي أمام الأورغواي عندما خسر بثلاثة أهداف مقابل لا شيء. حتى الآن لا يوجد تفسير منطقي يمكن الاستعانة به لفهم أسباب خسارة المنتخب السعودي من نظيره الروسي في المباراة الافتتاحية لكأس العالم. لا يمكن تقديم قراءة واقعية لهذه الخسارة، وتجدر الإشارة إلى أن تصنيف المنتخب الروسي في الإصدارات الشهرية للفيفا يأتي في الفئة الثالثة من دول العالم كرويا حيث يحتل المرتبة الستين في آخر تصنيف قبيل انطلاق المونديال.

مصر وما أدراك ما مصر، بلد المئة مليون إنسان أرادت أن تخرج بأكبر المكاسب من هذا المونديال، لكن تفاجأنا أنها مكاسب مادية وليست كروية فاتحاد الكرة المصري قرر أن تنزل بعثة المنتخب في الشيشان لتوفير الأموال رغم بعد المسافة والمساوئ الأخرى لهذا الاختيار، وأبرز هذه المساوئ ربط الإقامة بالرئيس الشيشاني رمضان قاديروف المعروف بسجله في ما يخص حقوق الإنسان. وساهمت البلبلة الناتجة عن دعوة الفنانين والإعلاميين إلى مركز بعثة المنتخب المصري لمقابلة اللاعبين في خفض مستوى التركيز والتجهيز للمباريات.

اقرأ للكاتب أيضا: احتلال عسكري يوازيه احتلال فكري (2)

أما تونس، فقد مني منتخب هذا البلد الجميل بخسارتين وامتاز أداؤه بالتهور والتسرع ولم تكن لديه أرضية صلبة يقف عليها، فنسف نسور قرطاج كل آمال التوانسة بالتأهل على الرغم من أدائه الجيد في مباراته مع المنتخب الإنكليزي، لكن لعنة الدقيقة التسعين عادت من جديد لتحطم هذه الآمال.

وعلى العكس من الدول العربية قدم الفريق المغربي أداء مشرفا وراقيا فنافس وبقوة في كل مبارياته ولكن رافقه سوء الحظ في مباراته مع نظيره الإيراني في الدقيقة الأخيرة، والحق يقال كان المنتخب المغربي هو الأكثر احترافية بين الفرق العربية وقدم الكثير من المتعة الكروية سواء بأدائه الجميل أمام البرتغال أو بتعادله مع إسبانيا. ومن سوء حظ المغرب أنه وقع في مجموعة من بين الأقوى في هذه البطولة.

والمفارقة برأيي هنا في عدة نقاط:

الأولى: إن الفرق العربية التي صاحبها ضجيج إعلامي هائل ومواكبة على المستوى السياسي، كمصر والسعودية، فشلت فشلا ذريعا. أما الفرق التي تأهلت بصمت وبدون ضجة كتونس والمغرب أدت بشكل أفضل بكثير. وهنا يجب أن نتساءل عن النظرة السياسية للإنجازات الكروية التي يحققها المنتخب العربي بوصوله إلى كأس العالم والتي تترجم محليا على أنها إنجاز الملك أو الرئيس باعتنائه بالرياضة والرياضيين في دولته وهي العناية التي تخرج عن عباءته ومسؤوليته عندما يعود المنتخب بنتائج سلبية أو خسارة مفاجئة.

الثانية: أدى منتخب إيران، البلد المجاور للدول العربية، بشكل أفضل من العرب فحقق أربع نقاط وتعادل مع البرتغال وفاز على المغرب واقترب من التأهل للدور الثاني، ولكن لعنة الدقيقة التسعين أصابته كذلك، فيبدوا أن هذه اللعنة عمت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والفرق الآسيوية بشكل عام.

من الناحية الفنية والتقنية يفتقد اللاعبون العرب للياقة البدنية الكافية

ولا بد من التساؤل هنا، لماذا تتفوق إيران كرويا، وهي البلد المنهك اقتصاديا، بينما تصرف الدول العربية مئات الملايين على منتخباتها ثم لا تحقق أي إنجاز يذكر؟ مع العلم أن إيران تشارك في ذات البطولات الآسيوية والقارية التي تشارك فيها المنتخبات العربية.

الثالثة: ضعف التجهيز كرويا وفنيا للمنافسة والخوف من المشاركات العالمية أمام منتخبات لها باع طويل في كرة القدم فيغلب الخوف من المنافس قبل أن يفوز المنافس نفسه.

وأخيرا، من الناحية الفنية والتقنية يفتقد اللاعبون العرب للياقة البدنية الكافية وقد ظهر هذا الأمر في قدرة اللاعب العربي على المنافسة واحتفاظه باللياقة البدنية المطلوبة حتى نهاية المباراة. فأغلب اللاعبين العرب يحتفظون باللياقة المطلوبة للشوط الأول فقط وينهارون مع بداية الشوط الثاني وصولا إلى الدقيقة التسعين والتي حملت الكثير والكثير من الأهداف ضد العرب.

اقرأ للكاتب أيضا: جديد بشار الأسد

نمتاز نحن العرب بتضخيم الإنجازات وذلك بسبب ندرتها فنعتبر أن مجرد الوصول مثلا لكأس العالم إنجاز كبير للغاية ويصاحب هذا التضخيم عدم الأخذ بالأسباب الحقيقية فالدول العربية لا تهتم بلاعبيها والأندية العربية مليئة بالفساد والمحسوبيات وضعف الإدارة وقلة الخبرة فأصبحت لدينا دائرة مغلقة تولد المزيد من الفشل ولن نستطيع الخروج منها إلا بإحداث تغيير حقيقي في المسار وليس بمجرد الأحلام الوردية وأصوات المشجعين فقط فهذا لا يحقق شيئا على أرض الواقع.

خرج العرب من البطولة. وأتمنى أن نكون قد تعلمنا الدرس ووضعنا أيدينا على الجرح الحقيقي واستطعنا تشخيص المشكلة، ولكني لا أعتقد أننا تعلمنا. سنعيد الكرة ذاتها باتخاذ الإجراءات نفسها عبر إقالة المدربين واعتبار أن المشكلة فيهم ونحملهم المسؤولية كعادة اتحادات الكرة المليئة بالفساد في الدول العربية ليصبح المدربون كبش فداء أمام الجماهير العربية الغاضبة.

انتهى التواجد العربي في كأس العالم بخسارات متلاحقة وخروج مبكر للمنتخبات العربية التي اكتفت ككل مرة تأتي بها إلى التظاهرة العالمية بطموحات المجد وتنتهي منها بعبارة "شرف المشاركة". وفيما دول العالم المتقدم كرويا تتنافس بعدد مرات خطف اللقب العالمي، يتنافس العرب على عدد المشاركات التي يصفونها بالمشرفة في نسخ المونديال دون النظر للنتائج المخيبة للآمال التي تخرج بها منتخباتهم.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG