Accessibility links

ابنة الأمس؟


عائلة باكستانية تلتقط السيلفي عند الغروب في آخر يوم من العام 2019

د. ابتهال الخطيب/

كتب صديقي الدكتور فهد راشد المطيري تغريدة يقول فيها "ذهب ذلك الزمن حين كان الأصدقاء يسألون أحد المارة لالتقاط صورة جماعية لهم، حتى إذا اصطفوا، شعروا بالخجل لمجرد النظر إلى الكاميرا وجموع الناس تمشي أمامهم! ذهب وحلّ مكانه زمن يقف المرء فيه بوضعية "ما أجملني" ليلتقط "سيلفي" أمام الجميع وكأنّه في غرفة نومه!".

تنتشر هذه الظاهرة جلية الآن في الأماكن العامة، إلا أنه ليس هناك مظهر تعبيري عن الإعجاب بالنفس هذا أقوى مما يظهر في حفلات الأعراس العربية، حيث تجد معظم الفتيات حاملات لهواتفهن ليلتقطن "سيلفي" أو حتى فيديو لذواتهن بينما هن يرقصن، من دون أدنى توجس من وجود مئات من الحاضرات اللواتي يشهدن محاولاتهن الحثيثة، توقفا ومشيا وانثناء وانحناء، للحصول على أفضل اللقطات وإعادة أخذها مرارا وتكرارا، وأحيانا من خلال التوقف فجأة في منتصف حلبة الرقص والتصادم مع أخريات بسبب من ارتفاع الهاتف أمام وجوههن لأخذ اللقطة الأجمل.

أثر صور السيلفي على مشاعر الثقة وعلى درجة المعنويات هو واضح جدا

أنا من جيل عرف زمن ما قبل "الموبايل"، وبالتأكيد عرف زمن ما قبل وسائل التواصل الاجتماعي، تلك التي أذاقت درجة من الشهرة للجميع، لذا، لا تتبدى هذه التصرفات طبيعية بالنسبة لي. أنا باستمرار، ورغما عني أحيانا واعية لغرابتها، لسذاجتها، لما تبديه من إلحاح في طلب الشهرة أو طلب إعجاب الناس أو ترجي الظهور المستمر بصورة مثالية لا يمكن أن تكون هي حياة أي منا.

وفيما يقول موقع Science Daily إن إحدى الدراسات أظهرت أن "هؤلاء الذين استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي بإفراط، من خلال النشر المرئي، قد أظهروا ما نسبته 25 في المئة ارتفاعا في مثل هذه الصفات النرجسية خلال أربعة شهور من مدة الدراسة" فإن موقع psychology Guide يجد أن هناك العديد من الفوائد النفسية والتحفيزية للصور الشخصية، والتي هي لربما نتاج للزمن الذي نعيشه وللطريقة التي تشكل بها وعي الجيل الذي عاصر ظهور وسائل التواصل هذه.

أحيانا، يلومني الأصدقاء على عدم وضع الكثير من الصور الشخصية في وسائل التواصل، يقولون إن هذا يحولني الى شخصية voyeuristic أو متلصصة النظر، أشاهد الآخرين ولا أشارك.

صرت أحاول أن أشارك بدرجة أكبر ببعض الصور، إلا أنني ما أن أنشر صورة لي، حتى أستشعر جرس الإنذار الداخلي يرن في أذني بسخافة التصرف وبعوزه، فأنا أختار أفضل اللقطات التي تظهرني بأفضل مظهر والتي تقول شيئا مثاليا عني حتى إذا ما كانت حياتي في اللحظة أبعد ما تكون عن المثالية.

كل مرة أضع صورة على موقع انستغرام، يؤرقني تماما علمي بظروفها وما كان قبلها وما أتى بعدها وأن كل ذلك لا يظهر فيها؛ أنها مجرد لحظة إعجاب بالشكل خاوية من الفحوى الحقيقي للحياة، هذا الفحوى غير المرئي، غير المصرح به، فما قيمتها وما معناها وما الدلالات النفسية لنشري لها؟

يقول موقع psychology Guide في مقال مخفف مبسط بأنه في مقابلة مع مدقق لموقع إلكتروني مهم علق الأخير بأن هناك سبب لمحبة الناس للصورة الشخصية لهم وللحيوانات معهم كذلك ذلك أنها "تظهر الجنس البشري في أفضل صوره".

يشير المقال كذلك، إلى أن سببا آخر لنشر الصور الشخصية هو "إرضاء النفس"، حيث أنه "فقط قبل عقدين من الزمان، الناس الذي كان لهم هذا القدر من الظهور كانوا يعتبرون مشاهير. العديد من الناس يؤمنون أن هذا الجيل قد كبر على فكرة أنهم كلهم مميزون، أنهم قادرون على تحقيق أي شيئ".

"سليفي والأمواج خلفي" في بيروت
"سليفي والأمواج خلفي" في بيروت

ولكن ما أن تخرج هذا الجيل من جامعاتهم حتى أدركوا، حسب المقال، بأن ذلك قد لا يكون صحيحا ولذا كان عليهم إيجاد الشهرة في مكان آخر. "إن ظهور مواقع التواصل الاجتماع" يقول المقال "أتى باتساق تام مع هذه الرغبات وعليه فقط أصبحت بوابة والتي من خلالها يستطيع الناس العاديون أن يحققوا غير العادي وبأقل مقدار من الجهد".

يؤكد المقال أن الناس تستخدم حجة أن هذا هو الغرض الرئيسي من وجود مواقع التواصل، ألا هو نشر الصور الشخصية بالدرجة الأولى، لنشر صورهم اليومية لكل شيء في حياتهم "بداية من زوج الأحذية الجديد الذي اشتروه إلى صور تخرجهم". إلا أن الناس تتفادى نشر الصور السيئة أو التي تظهرهم بصورة "أقل من الكمال"، فماذا يعني ذلك؟ "من المنظور السيكولوجي" يقول المقال "سريعا ما يتضح أن الأفراد يبحثون عن وسيلة لإشباع هذه الحاجة (إرضاء النفس) وقد وجدوها في صفحات مواقعهم الاجتماعية. كل إعجاب، مشاركة وتعليق إيجابي هو دعم لثقتهم، وهذا يعمل على تنشيط رغبتهم للمزيد من الصور الشخصية".

يؤكد المقال أن هذه الصور، رغم كل ما يحيط بها من معاني، ممكن أن تكون ذات تأثير إيجابي، فهي يمكن أن تؤثر إيجابيا في الرأي العام وتدفع الآخرين لمناصرة القضايا المهمة كما وأنها يمكن أن تكون ملهمة لأن يحقق الناس أشياء إيجابية في حياتهم اقتداء بالناشر.

من جانب آخر، يمكن لهذه الصور أن تساعد الناشر بحد ذاته لأن يمضي خلال أيامه الصعبة العسرة على التحمل. هذه الصور تدفع بالناس للشعور بأنهم جزء من منظومة كبيرة كذلك مثلما يحدث حين ينظم البعض حملات تتطلب نشر صور مشتركة المعنى، مما يوحد الناس، مرئيا، لمساندة القضية المعنية. هذا الشعور بالانتماء، يؤكد المقال، هو مصدر للشعور بالأمان، كما وأن هذه الصور قد تكون، عوضا عن كونها إشارة للنرجسية، "وسيلة لمعرفة النفس". إنها الطريقة التي "يضع بها الشخص علامته على عالم الذي غالبا ما يطلب الكثير ويعطي أقل القليل".

كل إعجاب، مشاركة وتعليق إيجابي هو دعم لثقتهم

مما لا شك فيه أن أثر هذه الصور على مشاعر الثقة وعلى درجة المعنويات هو واضح جدا، إلا أن هذا الأثر هو سلاح ذو حدين، فالهجمات الإلكترونية المنظمة يمكن لها أن تحطم الحياة كذلك وتهبط بالمعنويات الشخصية إلى درجات دنيا خطرة. إلا أن هذا موضوع آخر، ما يعنيني في هذا المقال هو المعنى والهدف المحرجين لنشر صورة لطيفة للذات من حيث أنها تبدو وكأنها توسل صريح للإطراء.

في الغالب أنا مخطئة في تقييمي، فكوني من جيل لم يولد لهذه التكنولوجيا بل هو طارئ عليها أو هي طارئة عليه، لربما تبدو لي هذه التكنولوجيا غير ذات هدف واضح عملي مفيد، حيث يعلو معناها النرجسي عندي فوق كل معنى، وعليه فإن حكمي هو حكم "القديم" الذي يحاول تقييم "الجديد" من خلال عدسته المتأخرة.

ورغم استيعابي لهذه النقطة، إلا أنني لا أستطيع طرد هذا الشعور الساخر الذي يقع في نفسي وتلك الابتسامة الملتوية التي تحط على شفتاي كلما رأيت محاولة مستميتة لأخذ أفضل "سلفي" ممكن وكلما رأيت هذه الصور تتوارد بكثافة على حسابي في انستغرام، حتى عندما تكون بينها الصور القليلة التي تظهر لي شخصيا. لربما أنا وصديقي الدكتور فهد أبناء الأمس..

اقرأ للكاتبة أيضا: سقطت التفاحة.. فكانت الفكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG