Accessibility links

اختبارٌ لمصداقية العلاقات الدفاعية بين الولايات المتحدة والسعودية ولقوة الردع ضد إيران


بقايا الصواريخ التي استخدمت في الهجوم على المنشآت النفطية السعودية، كما عرضتها وزارة الدفاع السعودي

مايكل نايتس/

من شأن الهجوم الذي وقع في 14 سبتمبر وضرب أهدافا سعودية في بقيق وخريص ـ اللذين هما أحد أكبر مجمّعات مصافي النفط في العالم وثالث أكبر حقل نفطي في المملكة على التوالي ـ أن يُفقِد السوق العالمية ما يصل إلى 5,7 مليون برميل من النفط يوميا خلال الأشهر القليلة المقبلة.

وهذا الهجوم يجعل الضربة أكثر شمولية على قطاع الطاقة العالمي منذ استيلاء العراق على الكويت عام 1990 والتدمير اللاحق للبنية التحتية للطاقة في كلا البلدين. والآن، كما هو الحال في ذلك الحين، يجري اختبار الالتزام الأميركي والدولي بأمن إمدادات الطاقة العالمية.

تحليل الهجوم

اتّسمت الضربة بفعالية بالغة من الناحية العسكرية. فقد نُفِّذت حوالي الساعة الرابعة صباحا بالتوقيت المحلي، ويبدو أنها انطلقت من وجهة واقعة إلى الشمال أو الشمال الغربي. وتتناسب هذه المعطيات مع سلسلة من التقارير التي تشير إلى أن تحذيرات الدفاع الجوي وأصوات المحركات المرتبطة بالضربة كانت مركزة في مناطق واقعة شمال الخليج العربي، وليس في طريق داخل من اليمن.

كما أصرّت الحكومة الأميركية في بياناتها القوية على استبعاد اليمن (في 14 سبتمبر) والعراق (في 16 سبتمبر) [من مصدر الهجوم]، وبالتالي ينحصر التركيز حاليا على ضربة مباشرة من إيران.

تُعتبر ضربة بقيق إخفاقا مهينا لنظام الدفاع الجوي السعودي

وتشير هذه العوامل ـ بالإضافة إلى عدم وجود محاولة اعتراض للدفاع الجوي من قبل العديد من البطاريات المتداخلة لصواريخ هوك وباتريوت ـ إلى تنفيذ الهجوم بواسطة صواريخ جوالة متدنية المستوى حلّقت على ارتفاع أقل من 300 قدم. وتُظهر اللقطات التي شوهدت حتى الآن تحطّم صاروخ واحد فقط، مما يدل على ارتفاع معدل الوصول إلى نسبة قد تبلغ 95 في المئة، فضلا على التخطيط المتأني للمسارات المتاحة من أجل تفادي أي عوائق قد تعترض طريق الصاروخ كخطوط الكهرباء وأبراج الاتصالات.

وفي منشأة بقيق، ضُربت 17 نقطة تصادم فردية، بينما كان عددها أقل (ربما يصل إلى اثنين) في خريص. وكانت الأسلحة دقيقة للغاية ـ على سبيل المثال، ضُربت جميع خزانات فصل المازوت شبه الكروية البالغ عددها 12 خزانا وعرضها 30 مترا والمتواجدة في منشأة بقيق في وسطها تقريبا. وحتى أبراج التركيز الأقل عرضا بكثير استُهدفت بدقّة.

وثمة أيضا دلالات على البراعة في "تصميم الهجوم بالأسلحة"، وهذا مصطلح تقني يعني اختيار الذخائر وتعديلها. فمن الواضح أن بعض "نقاط التسديد" ضُربت بحمولات متفجرة ضخمة تتسق مع الصواريخ الجوالة الإيرانية كصاروخ "يا علي" البالغ مداه 700 كلم. ومع ذلك، يبدو أن خزانات فصل المازوت ضُربت بقوة حركية عالية السرعة ولكن بدون متفجرات، مما يشير إلى أن الهدف كان إلحاق الضرر بها من دون تدميرها نهائيا. ولوحظت براعة مماثلة في الهجمات التي نفّذتها إيران في 12 مايو على ميناء الفجيرة قبالة سواحل الإمارات، حيث تم بمهارة إحداث فجوة في هيكل أربع سفن دون التسبب بتسرّب النفط من السفن، أو غرقها، أو تعرضها لحرائق هائلة.

وبينما لا يزال المستوى الكامل من الأضرار التي لحقت يوم السبت المنصرم مجهولا حتى الآن، إلا أنه استنادا إلى نطاق المنشآت المستهدفة وفترة الإنتاج الطويلة اللازمة لتصنيع مثل تلك المعدات المتخصصة، فإنّ وقع هذه الضربات على قدرات معالجة النفط السعودية قد يمتد إلى أربعة أو ستة أشهر أو حتى اثني عشر شهرا، مما سيجبر المملكة على وقف إمداداتها من نوعَي "النفط العربي الخفيف" و"العربي الخفيف جدا".

وسوف تسبب هذه الحصيلة المفاجئة صدمة عميقة لأسواق النفط والقيادات السعودية ككل. ومن الناحية العسكرية، لم يتم ضرب أي قطاع للطاقة بمثل هذه القوة منذ القصف الدقيق الذي قام به التحالف الأميركي على العراق عام 1991.

التغلب على أهداف إيران

من الصعب دائما قراءة نوايا إيران نظرا لتعدد الأطراف الفاعلة في مؤسستها الأمنية والدبلوماسية وتنوعها. ومع ذلك، إذا افترضنا ثبوت صحة الدلالات الأولية على حدوث الهجوم بواسطة صواريخ جوالة تم إطلاقها من الأراضي الإيرانية، فإن الضربة تشكّل مجازفة جريئة للغاية من قبل القيادات الإيرانية.

ويمكن لإيران أن تعتمد على شكوك الرأي العام لإنكار مسؤوليتها إلى حد ما مهما كانت الظروف، لكن أي هجوم بهذه الضخامة قادر بدرجة أكبر بكثير على إثارة عواقب دبلوماسية وعسكرية شديدة الخطورة.

لم تجابَه الضربات التي وجّهها النظام الإيراني بوتيرة تصاعدية بأي رد انتقامي حقيقي

وإذا خلصت نسبة كبيرة من أجهزة الاستخبارات إلى أن أهم موقع للطاقة في العالم تعرّض لضربة بواسطة أسلحة متقدمة على نحو غير مسبوق وتم إطلاقها مباشرة من إيران أو من قبل وكلاء النظام الإيراني، سيشكّل هذا الاستنتاج تحديا ليس للرياض وواشنطن فحسب، بل لمجتمع الطاقة العالمي بأكمله، بما في ذلك الصين أيضا.

وأحد الاحتمالات في هذا السياق هو أن مسؤولي الأمن الإيرانيين قرروا أن بإمكانهم مواصلة اختبار العزم الأميركي والسعودي دون معاناة عواقب وخيمة، ربما بهدف زعزعة أو إبطال ثقة أحدهما بالآخر أو عزمهم على مجابهة طهران.

وفي النهاية، لم تجابَه جميع الضربات التي وجّهها النظام بوتيرة تصاعدية بأي ردٍّ انتقامي حقيقي، بدءا من هجمات الفجيرة في 12 مايو وضربة 14 مايو على خط أنابيب شرق ـ غرب في السعودية، مرورا بالهجوم الذي استهدف ناقلتَي نفط في مضيق هرمز في وضح النهار يوم 14 يونيو، وصولا إلى إسقاط طائرة أميركية بدون طيار في 20 يونيو.

وقد تحاول طهران عاجلا إجبار الغرب على تخفيف العقوبات عليها مقابل الحد من هذه الهجمات وتجميد أنشطتها النووية التي تسارعت وتيرتها في الآونة الأخيرة. وإذا كان الأمر كذلك، فقد تعتبر إيران أن حادثة بقيق لن تقوم سوى بتعزيز نفوذها بدلا من قلب موازين اللعبة برمّتها.

ضرورة مواجهة عواقب ذات مغزى

حتى إذا كانت إيران غير مهتمة بإجراء محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة في الوقت الحالي، إلا أنها تبدو تائقة إلى تخفيف العقوبات عليها والحصول على تسهيلات ائتمانية على المدى القريب، ولذلك قد تكون قابلة للتأثر بحملة ضغط دبلوماسي حاد.

وثمة مبرر آخر لاتخاذ إجراء دولي كبير يكمن في نطاق الهجوم الأخير ـ فقد تعمّدت إيران أن تتجاوز بكثير حدود استفزازاتها السابقة، ولذلك إذا تجنبت العواقب مرة أخرى، فقد ترتئي أنها تملك الحرية المطلقة للذهاب في تحركاتها إلى أبعد من ذلك، سواء ضد السعودية أو إسرائيل أو غيرهما من شركاء الولايات المتحدة.

إذا تمكّنت السعودية من ضم الصين إلى صفّها، فستجد روسيا نفسها معزولة عن القضايا المتعلقة بإيران

وعلى الصعيد الجيوسياسي الأوسع، ستراقب دول استفزازية أخرى في العالم ردّ واشنطن ـ من بينها روسيا (التي تتربص لأوكرانيا وللعمليات الانتخابية في مختلف أنحاء العالم) والصين (التي تضع تايوان نصب أعينها) وكوريا الشمالية (التي تدرس العزم الأميركي حول اختبارات الأسلحة والقضايا الأمنية الأخرى).

من هنا، وحرصا على إعادة ترسيخ قوة الردع، يجب ألا يغفل هذا الهجوم أو يبقى بلا ردّ. وفي الوقت نفسه، يجب على واشنطن أن تنظر إليه على أنه فرصة لتحسين النظرة المتداولة حول سياسة واشنطن تجاه إيران.

وإذا لم ترغب الولايات المتحدة أو السعودية في اتخاذ خطوة عسكرية فورية وفق ما تشير إليه الاحتمالات (على سبيل المثال، توجيه ضربة مماثلة على مرافق تصدير جزيرة خرج الإيرانية)، ثمة أساليب أخرى للإشارة إلى ترتّب عواقب وخيمة على المدى القريب مع الحفاظ في الوقت نفسه على خيار الرد العسكري في المستقبل، ومنها:

إثبات الرابط بين الحادثة وإيران: يتعين على واشنطن والرياض الكشف أولا وبسرعة عن أي أدلة واضحة في حوزتهما تثبت أن إيران هي مصدر الضربة الأخيرة، وخاصة البيانات المتعلقة بإطلاق الصاروخ والمعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالأسلحة.

ويجب مشاركة هذه الأدلة أولا مع مجموعة من أعضاء الأمم المتحدة (بريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول "الناتو"/مجموعة الدول العشرين الأخرى)، ثم الإفصاح عنها علنا بعد التوصل إلى إجماع داخلي بهذا الشأن.

ينبغي على فرنسا أن تتصرف كناطقة رسمية باسم التحالف

ووفقا لبعض التقارير، قد يتم تكليف فريق خبراء الأمم المتحدة بمراجعة هذه المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالأسلحة؛ وإذا كان الأمر كذلك، يجب أن يكون المسؤولون الأميركيون والسعوديون على استعداد للكشف عن البيانات ذات الصلة بعلنية وسرعة أكبر من أي وقت مضى، بينما يجدر بالأمم المتحدة أن تخطط للتوصل إلى قرار بهذا الشأن في غضون أسابيع وليس أشهر.

فضلا عن ذلك، يجب على أعضاء مجلس الأمن الدولي الالتزام بالتعامل مع هذه المراجعة على أنها رسمية، بخلاف الاستنتاجات السابقة التي توصلت إليها "هيئة الخبراء" بشأن تهريب الأسلحة الإيرانية، والتي لم تستند إليها المواقف اللاحقة الصادرة عن الأمين العام للأمم المتحدة.

بناء التحالفات: على الرغم من تأييد بعض السياسيين الأميركيين للفكرة القائلة بأن السعودية استحقت هذه الضربة بسبب عملياتها في اليمن، إلا أن لدى واشنطن كل الأسباب ـ استراتيجيا ومعنويا ـ للعمل مع شركائها الآخرين لإظهار وحدة الصف بوجه هذا الهجوم العسكري الذي تعرضت له دولة عضو في الأمم المتحدة ومنتجة رئيسية للطاقة.

أما الرياض، فينبغي تشجيعها على مطالبة كل الأطراف المدينة لها بردّ الجميل لكي تواجَه إيران بوابل من الإدانات من خلال البيانات الدبلوماسية الثنائية وإجراءات الأمم المتحدة. إنّ قدرة إيران المروّعة على تجاوز الحدود والوصول إلى بقيق ما هي إلا فرصة للحد من العزلة الدبلوماسية الحالية لواشنطن والرياض، في حين أن الجلسات المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة تشكل خير مكان لبذل مثل هذه الجهود.

يجب أن تستهدف هذه الإجراءات أنشطة تهريب الأسلحة وبرامج تطوير الصواريخ

وإذا تمكّنت التوسّلات السعودية من استعطاف الصين وضمّها إلى صفّها، فستجد روسيا نفسها معزولة عن القضايا المتعلقة بإيران. ولكن، بغض النظر عن التحالف الذي قد ينشأ في هذا الإطار، ينبغي على فرنسا أن تتصرف كناطقة رسمية باسمه.

إصدار لوم دبلوماسي مدعوم بسلطة رسمية نافذة: يجب تشجيع السعودية على استخدام نفوذها مع روسيا والصين للمطالبة بانعقاد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، ولضمان إصدار الاجتماع قرارا لا يدين فقط سلوك إيران، بل يتخذ أيضا المزيد من الإجراءات لتعزيز التدابير الدولية المتعلقة بتنفيذ العقوبات على الجمهورية الإسلامية.

يجب أن تستهدف هذه الإجراءات أنشطة تهريب الأسلحة وبرامج تطوير الصواريخ التي يقوم بها النظام الإيراني، وأن تتضمن آلية متابعة لحظر مبيعات الأسلحة الإيرانية بمجرد انتهاء صلاحية قرار مجلس الأمن رقم 2231 عام 2021.

ويمكن للولايات المتحدة أيضا فسح المجال بصورة أكبر أمام التوجيهات الأوروبية بشأن أمن الطاقة والحركة البحرية في الخليج، وأن تنشئ فرق عمل تركّز على توسيع "خطة العمل الشاملة المشتركة" لتشمل جميع جوانب الأنشطة الإقليمية الإيرانية.

اتخاذ إجراءات سرية تحمي مصالح الولايات المتحدة وحلفاءها: تملك إيران ووكلاؤها العديد من المرافق والعاملين في المنطقة الذين يشكلون تهديدا للمصالح الأميركية ولأمن شركاء الولايات المتحدة، بما في ذلك إسرائيل.

وقد يكون الآن هو الوقت المناسب لاتخاذ خطوات أكثر صرامة ضد تلك الإمكانيات للإظهار للمتشددين الإيرانيين أن استفزازاتهم في الخليج ستتم مواجهتها بآثار سلبية مباشرة. ويمكن أن يشمل هذا الرد برنامج عمل سري يتضمن ردودا انتقامية سيبرانية سريعة واستخبارات مالية وأعمال تخريب وأنشطة حركية.

التخطيط لتدابير دفاعية جماعية: تُعتبر ضربة بقيق إخفاقا مهينا لنظام الدفاع الجوي السعودي. فهناك العديد من المكونات اللازمة للوقاية من وابل صواريخ جوالة ـ من الرادارات وبطاريات الصواريخ ومدافع مضادة للطائرات ـ ولكن، من الواضح أن هذه المكوّنات لم تكن في حالة تأهب كافية أو أنها لم تُستخدم بجرأة كافية لدرء تلك الضربة.

حرصا على إعادة ترسيخ قوة الردع، يجب ألا يغفل هذا الهجوم أو يبقى بلا ردّ

لذلك ينبغي على الولايات المتحدة والشركاء الآخرين تزويد الرياض بمشورة عملية طارئة في مجال الدفاع الجوي، مع التركيز على التدابير العملية والقريبة المدى التي يمكن أن تعزز من قدرة المملكة على مقاومة هجمات الصواريخ الجوالة.

وتشمل هذه الإجراءات إدارة التشغيل السريع للأنظمة الدفاعية المعنية، وزيادة تبادل المعلومات الاستخبارية، وبذل جهود لبناء الثقة التي تركز على التشغيل الآمن لمعدات الدفاع الجوي شبه الآلية بالقرب من البنى التحتية والمدن الرئيسية، بالإضافة إلى بعض التعزيز الرمزي بواسطة بطاريات الصواريخ وسفن الدفاع الجوي من قبل الولايات المتحدة وغيرها من الشركاء.

وأخيرا، يجب على إدارة الرئيس ترامب والكونغرس الأميركي التعجيل بإجراء التحديثات اللازمة لجعل أنظمة "باتريوت" السعودية متماشية مع معيار "باك ـ 3"، وعرض تسريع عملية بيع البطاريات الدفاعية المصممة جزئيا لمواجهة الذخائر دقيقة التوجيه على غرار أنظمة أسلحة القتال القريب من نوع "أفنجر" و"فلانكس/سنتوريون".

مايكل نايتس، هو زميل أقدم في معهد واشنطن، وعمل في الشؤون العسكرية لدول الخليج وديناميات الردع لفترة دامت أكثر من عشرين عاما.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG