Accessibility links

اسطنبول ـ بيروت ـ الرياض.. خط درامي مفتوح


تقلا شمعون التي تلعب دور ليلى الضاهر في المسلسل (من حساب المسلسل على تويتر)

كوليت بهنا/

منذ أكثر من عشر سنوات تقريبا، تعرف العالم العربي على أعمال الدراما التركية التي قدمت لهم مدبلجة إلى العاميّة السورية بشكل خاص، في انطلاقة لاقت قبولا وإعجابا كبيرين من المشاهدين العرب، وتزامنت مع الانفتاح السياسي بين تركيا والعديد من الدول العربية، وساهمت بتحقيق عدد من الأهداف الإيجابية لجميع الأطراف، ابتداء من الشركات التركية التي حققت العديد من المكاسب عبر بيع أعمالها وتنشيط إنتاجاتها، والترويج للسياحة التركية، وهو ما اعتبرته السلطات التركية أكبر مكاسبها.

في الوقت عينه، حققت الشركات العربية المدبلجة لهذه الدراما والمحطات العارضة لها مكاسب ضخمة جاءت عبر سيل الإعلانات المتدفق، التي أعيد تدويرها لصالح إنتاجات عربية، كما انتفع العديد من الممثلين بسبب أعمال الدبلجة.

تنتصر الدراما وهي ترفع صوتها الإبداعي بين أصوات الحروب

ورغم الاستياء الذي أبداه بعض صناع الدراما العرب اتجاه الدراما "العثملية" الوافدة واعتبارها "سطحية وذات أهداف خبيثة"، إلا أن هذه المنافسة كانت محرضة من الناحية الإيجابية، ودفعت لتنشيط الحافز الدرامي العربي وإنتاج أعمال متفوقة نسبيا جربت استعادة مشاهدها إلى حضن الدراما العربية.

سنوات "العسل" بين تركيا والعديد من الدول العربية تبدلت مع التبدلات السياسية بداية ثورات الربيع العربي 2010، بل يمكن القول إنها انقلبت واتخذت شكلا عدائيا متبادلا، وحلت المقاطعة الدرامية جنبا إلى جنب المقاطعتين الاقتصادية والسياسية الحادتين، والسياحية بشكل أخف، واستبدلت الدراما التركية وأعمال الدبلجة بأخرى صديقة "إسبانية" تارة، أو "آسيوية متنوعة"، لم تستطع أن تسرق المشاهد العربي بسبب إحساسه بغربة البيئة الوافدة من هذه الدول وعدم توافقها مع العادات والأعراف والتقاليد العربية والاسلامية، وهي أهم ركائز الدراما التركية التي كانت أحد أسباب قبولها في الشارع العربي.

اليوم، تشهد العلاقات السياسية شبه المستمرة في توترها حينا أو تأزمها في كثير من الأحيان بين تركيا وعدد من الدول العربية، انعطافة درامية يمكن أن نسميها بـ"المواربة" عبر عودة واحدة من أكبر المحطات السعودية عبر البوابة اللبنانية إلى الإنتاج التركي وليس الدبلجة، متمثلا بمسلسل "عروس بيروت" الذي يعرض منذ شهرين على قنوات المحطة السعودية وإحدى المحطات اللبنانية، ومن بطولة مشتركة لنجوم لبنانيين وتونسي وسوريين مخضرمين، ومشاركة بعض الممثلين الأتراك بأصوات مدبلجة للعربية.

"عروس بيروت" 2019، دراما اجتماعية استنسخ عن المسلسل التركي (عروس اسطنبول) 2017، الذي لاقى شهرة ونجاحا كبيرين حال عرضه في تركيا ثم ترجمته للعربية وبثه على "يوتيوب"، وهو من إنتاج المحطة السعودية ذاتها التي أنتجت وتعرض "عروس بيروت" باعتباره الطبعة العربية لتوأمه التركي، وبسبب هذه التوأمة الدرامية، ستبدو كل التفاصيل شبه متطابقة في العملين، ابتداء من مواقع تصوير النسخة العربية ومعظمها تم في تركيا، وصولا إلى قيادة الإخراج لتركي مع فريقه الفني، باستثناء النص الدرامي الذي تم إعداد السيناريو له من قبل سيناريست لبنانية وسيناريست سوري.

تتلخص قصة المسلسل بعروسيه الاسطنبولية والبيروتية، حول الصراع التقليدي بين العادات والأعراف العائلية والاجتماعية المحافظة، وبين الحداثة والجيل الشاب وتطلعاته نحو حياة أكثر انعتاقا. ويمكن تفسيره سياسيا لو شئنا كصراع أزلي بين المحافظين والليبيراليين.

ولأن الأحداث تدور في الطبعة التركية بين "مدينتي بورصا وإسطنبول"، وفي الطبعة العربية بين "مدينتي بيروت وجبيل"، يمكن الحديث عن صراع بين العاصمة أو المدن الكبرى التي تمثل الانفتاح والحداثة في العموم، وبين الريف أو الضواحي التي تبدي في ضيقها الاجتماعي ميلا أكبر نحو المحافظة والتشبث بالتقاليد.

ستترجم أحد تجليات هذا الصراع عبر ثيمة كلاسيكية ومكررة من خلال أم الزوج "الحماة" التقليدية والمتسلطة وذات النفوذ المالي والاجتماعي الكبيرين، و"الكنّة" الشابة المتعلمة والقادمة من عوالم العاصمة المنفتحة والحديثة وذات المستوى الاجتماعي العادي.

في متابعة حلقات من "العروسين" لا بد من عقد مقارنة بينهما، مع الانحياز دراميا للطبعة التركية

بين هاتين السيدتين التي تنتمي كل منهما إلى جيلها بإخلاص شديد، يحاول أن يوازن الزوج بمحبة وتفهّم قدر ما أمكنه كمهمة دائمة ومرهقة، تؤرجحه مرة وتشده إلى عالم التقاليد واحترامها، ومرات أكثر إلى الحداثة والشباب، ومن خلال هذا المثلث بأبعاده الأخلاقية والاجتماعية، تتسرب خطوط درامية عدة تطال الجميع وتنسج فيما بينهم خيوطا تبدو كشبكة عنكبوت، تلتهم أي" غريب" يقتحم هذه الشبكة المحكمة محاولا سلّ أحد خيوطها المغرقة في تجذرها التقليدي والعائلي وزعزة استقراره، وبالتالي ستلتهم ذاتها في صراعها مع ذاتها، ومع تحديات الزمن المعاصر الذي سيعرّي شخوصها في مواجهة التحديات الطارئة التي ستكشف عن عيوب ونقاط سوداء لدى جميع الأطراف التي تدعي طهرا مطلقا تحصنت خلفه لسنوات.

في متابعة حلقات من "العروسين" لا بد من عقد مقارنة بينهما، مع الانحياز دراميا للطبعة التركية لأسباب في مقدمها التماسك الشديد للعمل المستريح للغاية في بيئته، فيما الطبعة العربية شابتها "غربة" سببتها عوامل عدة، أهمها قيادة الإخراج التركي لنجوم عرب رغم جماليات المشهدية العامة، إلا أن هذه المشهدية لم تستطع تحقيق هوية عربية خالصة للعمل المفترض أن حيثياته وأحداثه وجميع تفاصيله تنطلق من بيئة لبنانية، ورغم الجهود الواضحة من قبل كبار نجوم العمل لتطبيعه بثقلهم الدرامي وجاذبيتهم وحرفيتهم ورفعه على "أكتافهم" وفي مقدمهم النجمة اللبنانية تقلا شمعون والتونسي ظافر العابدين والسورية لينا حوارنة.

رغم ما تقدم، تبقى التجربة جديدة وجيدة وذات بعد إيجابي في المدى الطويل، بل إنها تحظى بمتابعة عربية كبيرة وتستقطب الكبار والشباب معا بما يحمله العمل من تماهي مع جيلين في صراعهما الأزلي، لتتقدم الدراما وتنتصر وهي ترفع صوتها الإبداعي بين أصوات الحروب، في محاولة حسنة النوايا للفنون لإصلاح ما أفسدته السياسة وساستها.

اقرأ للكاتبة أيضا: تمثال الحرية الصيني

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG