Accessibility links

الأردن .. 'القصر' عنوان الاحتجاجات


عاشت عمان يوما صعبا بعد أمطار غزيرة وغير مسبوقة تسببت بنكبة لوسط البلد بعد غرقها بالمياه

نضال منصور/

قبل أيام عاشت عمان يوما صعبا بعد أمطار غزيرة وغير مسبوقة تسببت بنكبة لوسط البلد بعد غرقها بالمياه، ومداهمة الأمطار لكثير من المحلات التجارية بعد أن عجزت شبكات تصريف المياه عن استيعاب هذا التدفق الهائل.

عاشت عمان عاصفة جوية، قابلتها عاصفة سياسية لا تقل وطأة؛ فتحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي "النار" على أمانة عمان (بلدية عمان) وعلى الحكومة بتهمة التقصير، وهو ما دفع رئيس الحكومة عمر الرزاز إلى المسارعة للعودة إلى عمان رغم انشغاله بمؤتمر لندن لدعم اقتصاد الأردن، والتوجه مباشرة من المطار إلى وسط البلد للاستماع لشكاوى المتضررين وطمأنتهم.

لم تكن سيول الأمطار والأضرار التي خلفتها وحدها السبب في الضباب الكثيف الذي يعوق الرؤية السياسية في عمان، وإنما الانطباع السائد في الصالونات السياسية، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي أن الغطاء السياسي قد رُفع عن حكومة الرزاز، وأن تغييرها بات مسألة وقت ليس أكثر، وهذا ما ساهم أيضا في عرض "بورصة" لأسماء شخصيات مرشحة لتولي رئاسة الوزراء، بدءا من رئيس الوزراء الأسبق عبد الكريم الكباريتي الذي شغل منصب أول رئيس ديوان ملكي في عهد الملك عبد الله الثاني، مرورا بالسياسي والاقتصادي المخضرم ووزير الخارجية الأسبق عبد الإله الخطيب، وليس انتهاء بإعادة طرح اسم رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي، ووزير الداخلية الأسبق حسين المجالي.

مراجعات سياسية داخل بيت الحكومة تطالب بإطلاق برنامج سياسي حتى لا تتكرر الاحتجاجات

بورصة التكهنات برئيس الحكومة المقبل عادة أردنية تتجدد كلما واجهت أي حكومة مشكلات وتحديات، و"زاد الطين بلة" شجاعة غير معتادة للصحف اليومية المعروفة بارتباطها بالدولة بانتقادها للحكومة، الأمر الذي فُسر أن الجهات السيادية في الدولة "تغض النظر" عن مهاجمة الحكومة ورئيسها بشكل قاس، وتُظهر أنه لا كلفة سياسية ستدفعها جراء هذ الأفعال.

المشهد السياسي في الأردن مرتبك، والأوراق مختلطة ومتشابكة، وفي الأيام الماضية "اجتاح" وسائل التواصل الاجتماعي تسريب لوثائق تعيينات في الحكومة أثارت غضبا عند الشارع، في وقت يخرج العاطلين عن العمل في مسيرات على الأقدام من محافظات متعددة خاصة من جنوب الأردن متجهين إلى الديوان الملكي ـ مقر حُكم الملك ـ للمطالبة بتوظيفهم.

تسريب الوثائق أو ما سُمي "ويكيليكس الأردن" كان أمرا محرجا ومخجلا للحكومة، فماذا ستقول وتجيب المتعطلين الذين ينامون بالعراء للمطالبة بتوظيفهم، وكيف تُعين بعقود خارج معايير الشفافية والتنافسية وتكافؤ الفرص شباب وشابات برواتب مرتفعة جدا قياسا بمعدل رواتب الموظفين؟

الجانب السياسي من قصة تسريبات "ويكيليكس الأردن" مرتبط بسؤال: هل هذا التسريب للوثائق عرضي، وغير ممنهج، وجاء صدفة بتوقيت سيء وعاثر للحكومة، أم أن الأمر "مماحكات" وصراع داخل مؤسسات الدولة، جرى التعبير عنها بهذه الطريقة؟

الأمر المؤكد أن التسريبات أثارت غضب الملك، ولهذا كتب تغريدة جاء فيها "اغتيال الشخصية ونشر المعلومات المغلوطة هما تعدٍّ صارخ على الحياة الشخصية، وعلى الأعراف والقوانين، وهذا الأمر دخيل على مجتمعنا وقيمنا، أما تسريب المعلومات والوثائق الرسمية فهو أمر مرفوض ومناف للأخلاق ولن نسمح به، والقانون سيأخذ مجراه".

المشكلة في توصيف حالة الاشتباك بالأردن، أن عنوان الاحتجاجات أصبح موجها للقصر، فحين استقبل رئيس الديوان الملكي المتعطلين عن العمل القادمين سيرا على الأقدام من مدينة العقبة جنوبي الأردن قبل أسابيع ووعد بتوظيفهم، أصبح الديوان هو "المحج" لكل المعترضين، وهو ما تكرس بالفعل بعد ذلك في كل المسيرات، ولقطع الطريق على هذا التوجه لم يلتق رئيس الديوان بالمتعطلين من أهالي معان الذين ينامون بالعراء أمام الديوان الملكي.

تسريبات "ويكيليكس الأردن" للتعيينات كانت أمرا محرجا ومخجلا للحكومة

بالتزامن مع ذلك كان لافتا القلق والجدل الذي أحدثته بيانات منسوبة لعشائر عريقة حملت انتقادات تجاوزت الحكومة، واعتُبرت خرقا للخطوط الحمراء المتعارف عليها بأدبيات التخاطب مع "العرش".

أجندة حكومة عمر الرزاز منذ تشكيلها حتى الآن أصبحت مهمتها الرئيسية "إطفاء الحرائق" بدل صنع المبادرات، والتغيير والمضي في إنجاز برنامج للإصلاح السياسي، حتى لا يظل الاستغراق في معالجة الأزمات الاقتصادية هو العنوان الوحيد.

القلق داخل الفريق الوزاري يتزايد، ومع استمرار الاحتجاجات المطلبية فإن نقاشات مكتومة تبحث عن إجابات للتعامل مع حالة الشك والغضب والإحباط السياسي، وتتساءل ماذا سيحدث في رمضان المقبل؟ في إشارة وتذكير بالاحتجاجات العام الماضي التي استمرت لأيام عند رئاسة الوزراء كل ليلة بعد إفطار رمضان حتى أطاحت بحكومة هاني الملقي السابقة، وهل سيتكرر السيناريو؟

تشخيص التحولات والمتغيرات نقاش دائر داخل الحكومة، فهناك من يرى أن هناك تراجعا ملحوظا في قدرة المعادلة السياسية التقليدية على إدارة العلاقات والمصالح السياسية والاقتصادية في البلاد، مما حد من قدرة الحكومة على التعامل مع الأحداث والأزمات، وصارت وظيفتها "إطفائي حرائق"، وهذا خلق فراغا سياسيا خطيرا، ونجم عنه قفز شرائح اجتماعية كثيرة عن المؤسسات الدستورية "الحكومة ومجلس الأمة"، والانتقال مباشرة للتعامل مع العرش.

التشخيص للتحولات يطالب بفهم اللحظة الراهنة بوصفها "مرحلة انتقالية"، فالدور الاقتصادي للدولة تغير، والمعادلة التاريخية التي أطّرت علاقة الحكومات بالشارع وخاصة المحافظات باعتبارها المشغّل الأكبر والضامن للوظائف، معادلة في طور "التفكك"، وزاد من تعقيد المرحلة ضعف القطاع الخاص، وتزايد تأثير السوشيل ميديا في الرأي العام، وتراجع الثقة بالقيادات السياسية والاجتماعية التقليدية "حوائط الصد" التي كانت تعتمد عليها الدولة لامتصاص غضب الناس، وصاحب كل ذلك ضعف التمثيل السياسي في مؤسسات صنع القرار، ووجود شرائح اجتماعية واسعة خارج نطاق التمثيل السياسي.

قبل أن تضيع فرصة المعالجات فإن المراجعات السياسية داخل البيت الحكومي تدعو لإطلاق برنامج سياسي يركز على أهمية بناء التحول الديمقراطي وإنجاز الإصلاح السياسي، وعدم اختزال الأزمة بالجانب الاقتصادي والمالي، والاعتراف أن الحكومة فقدت الكثير من شعبيتها ومصداقيتها، وأنها تواجه مقدمات أزمة شبيهة بالأزمات التي تعرضت لها الحكومات السابقة، والمخاوف أن تتزايد الاحتجاجات مع اقتراب شهر رمضان، وربما تحدث تحولات شبيهة بـ "هبة نيسان" عام 1989، وإن اختلفت الظروف والمسببات، لكن الجوهر أزمة كبيرة بين الحكومة والمحافظات التي ما زالت تشتكي التهميش.

القناعات الراسخة في الأردن أن الأزمة "كرة ثلج" تتدحرج، تكبر وتتضخم وهي تسير، وأن تغيير الحكومات لعبة سياسية مُستهلَكة ما عادت تفيد في تجديد الحُكم، والسؤال المطروح لو استُبعد الرزاز الشخصية التي وجدت ترحيبا شعبيا في بداية الأمر، فماذا سيفعل الرئيس القادم ـ بغض النظر عن اسمه ـ وكيف سيصنع الحلول للأزمات إذا لم تتغير قواعد اللعبة والنهج السياسي؟

المفصل الأساسي هو إطلاق برنامج سياسي للحكومة أو الدولة يقتنع به الملك ويتبناه، وأن تتوافق المؤسسات السيادية ـ الديوان الملكي، ودائرة الاستخبارات ـ على التفاصيل وآليات الدعم، والتنازلات، والكُلف السياسية المطلوب تحملها لإنجاحه، وأن تخرج من الملك رسائل حاسمة لكافة التيارات المتصارعة ـ محافظين وليبراليين ـ أن زمن "الضرب من تحت الحزام" قد انتهى، وأن التغريد خارج السرب مرفوض مهما كانت المبررات.

اللحظة الراهنة "مرحلة انتقالية" والدور الاقتصادي للدولة تغير

المهمة المطلوبة في البرنامج السياسي هو تحضير البلاد لمرحلة سياسية جديدة عام 2020 عنوانها توسيع المشاركة السياسية، وتعزيز دور المؤسسات التمثيلية، وتطوير عملية تشكيل الحكومات وصنع القرار، وإدماج الشباب والقوى الاجتماعية في العمل السياسي والانتخابات القادمة، وبناء أدوات إعلامية جديدة يثق بها المجتمع وقادرة على التأثير به.

الاشتباكات والصراعات الداخلية في بنية الدولة أنهكتها، وكلما لاح في الأفق رهان على النجاح، استنزفتنا حروب "داحس والغبراء" الداخلية، وعمّ اليأس في قدرتنا على صناعة المستقبل والتغيير.

حكومة الدكتور عمر الرزاز لا تملك ترف الوقت، ولا تملك خيارات عديدة، وإن أرادت أن "تحفظ ماء وجهها" وتنقذ البلاد، فهي إما أن تضع بين يدي الملك برنامجها السياسي وتستعيد ولايتها، أو يبادر الرئيس لتقديم استقالته قبل أن يُطيح به الشارع ويخسر إرث عائلته أيضا.

اقرأ للكاتب أيضا: 'فريدم هاوس': الحريات في العالم إلى الخلف سر

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG