Accessibility links

الأردن .. فضيحة 'مصنع الدخان' تهرب جمركي أم فساد يحميه رجال السياسة؟


متظاهر أردني يحمل لافتة تنتقد الحكومة-أرشيف

بقلم نضال منصور/

بعد أقل من يوم على حصول رئيس الحكومة الأردنية عمر الرزاز على ثقة مجلس النواب، تفجرت فضيحة ما عُرف "بمصنع الدخان"، وفرار المتهم الأول عوني مطيع إلى لبنان قبل المداهمات الأمنية للمصنع، ومقرات التخزين، وصدور قرارات منع السفر بحق مجموعة من المشتبه بتورطهم.

تفجر هذه القضية في هذا التوقيت اعتبره مراقبون اختبارا لرئيس الحكومة الرزاز، وجديته في التصدي للفساد وفرض سيادة القانون، خاصة أن إشاعات جرى تداولها بأن مغادرة المتهم الأول للأردن قبل يوم من الإجراءات القانونية والأمنية المتخذة يشير إلى تسريب المعلومات له حتى يتمكن من الهرب.

والأكثر إثارة للجدل في "صالونات عمان" تداول صور لرئيس مجلس النواب وزملاء له بصحبة المتهم الأول، ما سمح بحملة انتقادات وتشهير بحق هؤلاء، وهو ما دفع رئيس مجلس النواب عاطف الطراونة للتنديد "باغتيال الشخصيات" العامة في الأردن، ومطالبة الحكومة بالكشف عن تفاصيل القضية، ودفع آخرين للتنصل من العلاقة مع المتهم الأول بالقضية.

فضيحة "مصنع الدخان" التي لم تكشف تفاصيلها الكاملة حتى الآن، يتردد بأن المالكين للمصنع يقومون بتصنيع الدخان دون رقابة وترخيص، واستخدام علامات تجارية لأبرز شركات التبغ دون موافقات أو حقوق ملكية، ويبيعون في السوق الأردنية الدخان بتهرب ضريبي كامل، وأكثر من ذلك يقومون بالتصدير لأسواق خارجية.

النائب مصلح الطراونة الذي كشف عن القضية بجلسات الثقة، أكد أن مستثمرين أبلغوه بوجود مصنع ينتج الدخان بصورة غير قانونية ومخالفة للمواصفات، وأن هناك رؤوسا كبيرة بالقضية، واعتبرها قضية أمن وطني، وفيها فساد سياسي ورشى ومتنفذون.

وذهب الصحافي الإسرائيلي إيدي كوهين لإثارة البلبلة بالقول "إنه ليس مصنعا للدخان بل مصنع لإنتاج المخدرات، وتم كشفه بتعاون استخباري".

هذه الفضيحة يتعامل معها الشارع باعتبارها قضية فساد كبرى، في حين يعتبرها قانونيون قضية تهرب ضريبي جمركي، وكشفت وثائق صادرة عن وزير المالية الأسبق عمر ملحس مطالبات للشركة من الجمارك لتسوية أوضاعها بـ 55 مليون دينار، وأكدت وزيرة الدولة لشؤون الإعلام جمانة غنيمات لوسائل الإعلام أنه لا يوجد تسوية لهذه القضية، ولا تزال عالقة عند الضريبة.

وفي الاتجاه الآخر فإن وسائل إعلام أردنية اتصلت مع المتهم الأول عوني مطيع في لبنان، فنفى بدوره كل هذه الاتهامات، واعتبر الهجمة عليه تصفية حسابات من شركات السجائر التي لا تريد منافسين لها بعد أن بدأ بزراعة التبغ بالأغوار.

يتحدث الناس في الأردن دائما عن الفساد وانتشاره لكنهم يتندرون بالقول: "هناك فساد ولا يوجد فاسدون تطالهم يد الدولة"، وهو ما يرسخ القناعات بأن الفساد بالأردن أصبح ممنهجا ومؤسسيا، والأخطر هو الإشاعات عن الغطاء والحماية السياسية للفاسدين، وبهذا يشيرون إلى اختراق رجال الأعمال لرجال السلطة السياسية (وزراء، نواب، كبار الموظفين).

رئيس الحكومة عمر الرزاز أظهر حزما في مواجهة هذه القضية ليرسل إشارة واضحة بأن الحكومة لن تتهاون في مواجهة الفساد والتعدي على سيادة القانون.

وأطلق الرئيس الرزاز تصريحات أكد فيها أنه أخذ "الضوء الأخضر" من الملك لفتح ملفات الفساد، وملاحقة المتورطين أيا كانت أسماؤهم.

وتابع قوله: لا يجوز أن نطالب المواطنين بضرائب، ونحن لم نفتح ملفات الفساد، مؤكدا أن عناوين الفساد واضحة، ولا حصانة لفاسد.

يصيب الرزاز جوهر المشكلة حين يتحدث عن ملاحقة المتورطين مهما كانت أسماؤهم، فالمشكلة الأساسية التي يدركها أن الأردن مجتمع عشائري متماسك يحابي أبناءه، حتى لو كانوا متهمين ومتورطين في تجاوزات على القانون، ولذلك كان الملك قد وجه حديثه سابقا للنواب بقوله "إن سيادة القانون في المجتمع أساسها تطبيق العقوبات، لكن المشكلة أن البعض يدعو للالتزام بالقانون وعندما يتعلق الأمر بالأقارب يتغير الأمر".

تراجع ترتيب الأردن في مؤشر مدركات الفساد لعام 2017 الذي تشرف عليه منظمة الشفافية الدولية، وكشفت منظمة "رشيد" للشفافية الدولية فرع الأردن بأن ترتيب الأردن تراجع ليحل بالمركز (59) عالميا في حين كان بالمركز (57) عام 2016.

وأشار تقرير "رشيد" للشفافية إلى أن الأردن يحافظ على درجة (48) من (100)، وأنه تراجع عربياً ليحتل المرتبة الرابعة بعد الإمارات وقطر والسعودية.

وأعاد تقرير "رشيد" للشفافية تراجع الأردن لمجموعة من الأسباب أبرزها عدم تنفيذه التزاماته بقمة مكافحة الفساد، وافتقار الشركات التي تملكها الدولة لمبادئ الشفافية، وعدم الشفافية في التعيينات بالمناصب العليا بالقطاع العام، والضغط الذي تمارسه الحكومة على مؤسسات المجتمع المدني والإعلام، وتعتبر من الضغوط على أدوات المساءلة المجتمعية، وعدم الالتزام بتعديل قانون حق الحصول على المعلومات لضمان الإفصاح المسبق عن المعلومات.

لا جدل بأنه كلما تحسنت مبادئ الحكم الديمقراطي، وقواعد الحوكمة الرشيدة، كلما تحسن واقع الشفافية، وتقدمت الجهود في مكافحة الفساد.

هذه الفرضية تعيد التذكير بأن الإصلاح السياسي ربما شرط أساسي وقاعدة لمحاربة الفساد والحد منه، وهذا يعيد التذكير بأن الأردن شن حملة لمكافحة الفساد بعد ما سمي "الربيع العربي"، وفُتحت ملفات فساد كبرى اتهمت فيها رؤوس سياسية واقتصادية وأمنية صاحبة نفوذ، وعلى سبيل المثال لا الحصر قضية "غسيل الأموال" التي أدانت مدير المخابرات الأسبق محمد الذهبي، وما زال حتى الآن يقضي عقوبته في السجن.

وفي هذا السياق، يمكن الإشارة أيضا إلى ما سمي قضية "كازينو البحر الميت" التي اتهم بها وزير السياحة الأسبق أسامة الدباس وبرأته المحكمة، واستدعي خلالها للشهادة رئيس الوزراء الأسبق معروف البخيت، كما تحضر بالذاكرة قضية اتهام رجل الأعمال خالد شاهين بجرم الرشوة، والأبرز "قضية الفوسفات" الذي أدين بها وليد الكردي زوج الأميرة بسمة المطلوب للعدالة والمقيم في لندن، وغيرها الكثير.

اللافت والثابت أن قضايا الفساد الكبرى تزاوج فيها المتهمون بين رجال الأعمال ورجال السلطة السياسية والأمنية، وهو ما يؤكد الفرضية الشائعة بأن الفساد يحتاج الى حماية سياسية حتى يستمر ويصبح ممنهجا ومؤسسيا.

السؤال المهم؛ إذا كان الإصلاح السياسي مقدمة لمحاربة الفساد فهل ما حدث في قضية "مصنع الدخان" سيكون الرافعة السياسية لحكومة الرزاز، لتكتسب المزيد من الدعم الشعبي، عبر بوابة البدء بحملة لمحاربة الفساد، ما يعيد الاطمئنان للمواطنين الذين خرجوا للشوارع محتجين، ويرسخ استقرار النظام السياسي في الأردن الذي يواجه أزمة اقتصادية مستفحلة؟!

هذا سيناريو مفترض وقائم لحكومة الرزاز، في حين يرى مراقبون أن المبالغة في قضية "مصنع الدخان" لغم وضع للانفجار في طريق الحكومة التي تسعى لاستعادة ولايتها العامة وشق طريقها بشكل مستقل؟!

في كل الأحوال، قصة مكافحة الفساد ليست طريقاً معبداً بالورود، ومن يقرر المواجهة عليه أن يتوقع الصعاب، فما زالت الذاكرة تحتفظ بصورة النائب السابق أحمد الشقران رئيس لجنة التحقيق في ملف بيع عوائد الفوسفات حين بكى في مجلس النواب حين قرروا إغلاق ملف التحقيق بالفوسفات. وما زال كلام عضو هيئة مكافحة الفساد السابق عبد الرزاق بني هاني مسموعا حين أعلن أنه استقال بسبب ضغوط من مرجعيات عليا لوقف التحقيق في ملفات فساد، وهذا الأمر حاضر قريبا جدا حين أشيع بأن مدير مؤسسة المواصفات والمقاييس حيدر الزبن أقيل لأنه أصر على محاربة الفساد وتطبيق القانون، وهو ما دفع رئيس الحكومة الرزاز لاستدعائه إلى منزله قبل أيام للاستماع منه إلى المعلومات كافة حول قضايا وملفات الفساد التي يعرفها، ومن بينها قضية "مصنع الدخان" الذي يشار إلى أنها كانت السبب للإطاحة به إبان حكومة الرئيس السابق هاني الملقي.

قضية "مصنع الدخان" اختبار حقيقي بالذخيرة الحية لحكومة الرزاز بالأردن، فمن جهة يريد الرئيس الاحتكام للقانون، وقيم العدالة، وأبرزها أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، والى مبدأ فصل السلطات، واستقلالية القضاء، وسرية التحقيق، ومن جهة أخرى يواجه بضغط هائل من الشارع الذي يصدر أحكام الإدانة الفورية، وتغرقه منصات "السوشل ميديا" بآلاف المعلومات والصور التي تحمل اتهامات وإدانات لشخصيات معروفة وتطالبه بالتحرك ضدها.

ورطة الحكومة الأردنية صعبة، فثقة الشارع بالحكومات منعدمة، وهم على ثقة بأن ثروات الأردن سرقت، والحكومات تتسلط على جيوبهم، في حين من يسمونهم "الحرامية" يصولون ويجولون بالبلاد.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG