Accessibility links

الأزهر وعيد الميلاد ودواعش التواصل الاجتماعي!


يضيء شموعا احتفالا بعيد الميلاد في كنائس القاهرة

ماهر جبره/

ليلة عيد الميلاد في 25 ديسمبر نشرت صفحة الأزهر على موقع فيسبوك بوستا يهنئ فيه الأزهر، البابا فرنسيس (بابا الكاثوليك) والمسيحيين عموما بالعيد. وهي خطوة تدعم قيم التعايش بين الأديان وتستحق الإشادة. لكن للأسف القصة لم تنته نهاية سعيدة. فالبوست الذي يهدف إلى تهنئة المسيحيين حصل على 14 ألف تفاعل منها، 9 آلاف علامة "أغضبني"، أي أن حوالي ثلثي من تفاعلوا مع البوست استنكروا وانزعجوا من تهنئة المسيحيين بالعيد!

الملفت والمؤسف في نفس اللحظة أن هناك مئات التعليقات التي تهاجم الأزهر، أو بمعنى آخر يزايد فيها المعلقون على إسلام الأزهر؛ فقد تراوحت ما بين تعليقات تناقش العقيدة المسيحية وتصفها بالكفر، وبين استنكار التهنئة. بل إنها وصلت إلى حد أن يدعو البعض لشيوخ الأزهر بالهداية، باعتبارهم ضلوا الطريق الصحيح للإسلام.

وقد اخترت بعض التعليقات بعناية، فكثير منها يصعب أن أشاركه هنا. روبا محمد قالت: "ميلاد مين؟ وابن مين؟ استغفر الله العظيم لم يلد ولم يولد". أما أسماء بنت خالد فقالت: "دا المسيح الدجال مش هيحتاج يعمل حاجه 🙂 ها يا أزهر يا حبي هنرجع لعبادة الأصنام امتى؟ ". أما منة فرج فكتبت "هو احنا اللي هنعلمكوا الدين ولا ايه!". ورد محمد جمال وقال "لا حول ولا قوة الا بالله والله بقينا في ذل لا مثيل له".

اعتقاد الآخر وعلاقته بربه من عدمها هي شأنه الخاص، وليس شأنا عاما

أما أسماء سلطان فعلقت "هو مش كان الأزهر قادم؟ هو رجع ف كلامه ولا ايه؟ ما تشرحلنا عقيدة الولاء والبراء يا مولانا؟". ثم تابع محمد حجازي وكتب "رغم حزني وألمي مما وصل إليه الأزهر إلا أن ردود الناس أفرحتني اللهم ثبتنا على دينك".

ومن ناحية أخرى فقد تعرض محمد صلاح، نجم كرة القدم المصري الشهير، لموقف مشابه. عندما وضع صورة له هو وزوجته ماجي وابنته الصغيرة مكة، وخلفهم شجرة الميلاد احتفالا بالعيد. وبالرغم من أن الصورة حصدت حوالي 4 مليون إعجاب على موقع انستغرام، إلا أن التعليقات لم تخل من استنكار وهجوم على صلاح باعتباره مسلم ولا يصح له أن يحتفل بعيد الميلاد.

فصهيب خضر قال "ارحم الطفلة الصغيرة اللي تُعلمها الاحتفال مع الكفار". أما محمود عبد العزيز فقال: "احنا كمسلمين كنا مستنيين منك حاجة تنصر بها الاسلام مش الكريسمس بس الايام بتبين حقيقة الواحد".

إن المغالطة الفكرية التي يقع فيها هؤلاء هي أن التهنئة بعيد الميلاد تساوي الاعتراف بالعقيدة المسيحية، وبالتالي تخلي المسلم عن عقيدته. كما لو كانت تهنئة زميلك المسيحي في العمل بعيد الميلاد تعني تركك للإسلام ودخولك المسيحية!

وبناء على هذا الفرضية فبدلا من أن يحتفلوا مع جيرانهم وزملائهم أو على الأقل يهنئونهم بالعيد ببساطة، فهم يندفعون لمناقشة قضايا عقائدية ومحاولة إثبات اختلاف العقيدة المسيحية عن الإسلامية.

بينما الحقيقة هي أن تهنئة الآخرين بأعيادهم لا علاقة لها بموافقتك على عقيدة هذا الآخر من عدمها، فهو من الأصل لم يطلب منك تأييد إيمانه! بل هي مجرد تعبير بسيط جدا عن مشاركتك لفرحة جيرانك وزملائك بالعيد لا أكثر ولا أقل.

فأنت عندما تهنئ جارك مثلا بزواجه الجديد، لا يعني ذلك أنك درست علاقته بخطيبته وقررت إنها ستكون علاقة جيدة. ببساطة لأن هذا ليس من شأنك، ولكنك تبارك له على أية حال كنوع من مشاركته فرحته. فزواجه يخصه ولا يخصك، وكذلك الاعتقاد فهو شأن شخصي جدا.

وفي الحقيقة، لا أعرف إلى متى سنحتاج أن نقول إن اعتقاد الآخر وعلاقته بربه من عدمها هي شأنه الخاص، وليس شأنا عاما. فالتعليقات تكشف مدى توغل التطرف والفكر الداعشي في مجتمعاتنا، فنحن ندفع ثمنا لعقود من نشر ثقافة احتقار الآخر ورفض أبسط ملامح التعايش معه.

المحزن أننا لا نخشى من إظهار العداء والكره ورفض التعايش المشترك علنا

ومن ناحية أخرى، هل سألت نفسك يوما لماذا لا نرى أصحاب العقائد الأخرى يتجادلون في جواز تهنئة المسلمين بعيد الأضحى أو الفطر. فهل عمرك سمعت عن قس مسيحي يقول لو قلت لجارك "رمضان كريم" مثلا فأنت لست مسيحيا؟ أنا شخصيا لم أسمع بذلك مطلقا.

وهل سألت نفسك كيف يشعر المسيحيون كأقلية، حيث لا يمر عليهم عيدا واحدا دون الهجوم على عقيدتهم باعتبارها "كُفر" في مجتمع تحمل فيه كلمة "كُفر" الكثير من الوصم، والكثير من التبعات السلبية الخطيرة؟

المحزن واللافت للانتباه أننا لا نخشى من إظهار العداء والكره ورفض التعايش المشترك علنا، ثم بعد ذلك نتساءل بمنتهى البراءة، لماذا يخاف العالم منا؟ فنحن فقط نكره المختلف، ونستنكر أبسط قواعد التعايش المشترك معه، بل ونهاجم وربما نكفّر من يقوم بها، حتى لو كان الأزهر ذاته!

اقرأ المقال أيضا: شيطنة العلمانية.. هواية الإسلاميين المفضلة!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG