Accessibility links

الأكراد والأثمان المهولة للحرب العالمية الأولى


تبكي ضحايا قصف تركي في بلدة راس العين

رستم محمود/

أنتجت الحرب العالمية الأولى انتصارا تاريخيا مفصليا للأمم المتحالفة الثلاث الكبرى، بريطانيا فرنسا وروسيا. وعلى أساسها شيّدت هياكل الاستعمار من طرف، والتجربة الشيوعية من طرف آخر.

نفس الحرب أنتجت في منطقتنا انتصارا تاريخيا للأمم "الكبرى"، نسبيا، غالبت بها نظيراتها من الأمم الأصغر حجما. فمُحقت الأمتان الأرمنية والآشورية/السريانية، وتشتت واقتلعت أمم الأذر واليونان والشركس، فيما حافظ الأكراد على وجودهم الديموغرافي، لكنهم لم يحصلوا على دولة، وواجهوا نكرانا سياسيا وثقافيا مطلقا، وعاشوا احتلالا ثنائيا في الآن عينه، من الإمبراطوريات العالمية المنتصرة دوليا كقوى استعمارية، ومن الدول القومية الإقليمية، حيث كان الفرس والترك والعرب قد حصلوا على دول وذوات كيانية مُعترف بها في المنظومة الدولية.

كان الكُرد يُصدمون كل مرة من حجم تداخل علاقات ومصالح وثقة القوى الكُبرى بنظيرتها الإقليمية

الطرفان المُنتصران في المستويين الإقليمي والعالمي، ولسوء حظ الأكراد، عاشا تحالفا تاريخيا موضوعيا فيما بينها. فأقوياء العالم، منذ قرن وحتى الآن، إنما كانوا على الدوام يعتبرون تحالفهم مع الأقوياء الإقليميين أحد أركان هيمنتهم العالمية. إذ يُمكن لأي باحث حصيف أن يُطابق بين خطابات ورسائل مصطفى كمال أتاتورك للاتحاد السوفياتي قبل قرن من الآن: "أما نحن أو حديثكم عن مجازر الأرمن"، أو خاطبه ورسائله لبريطانيا بعد سنوات قليلة: "أما نحن أو حقوق الأكراد واليونانيين في معاهدة سيفر"، وبين ما يقوله راهنا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للولايات المتحدة وباقي القوى العالمية، وبكل صراحة: "أما تركيا أو أكراد سوريا".

♦♦♦

خلال كامل هذا القرن، كانت الجماعة الكُردية في الدول الشرق أوسطية الأربع الرئيسية تدفع ثمن ديناميكيتين داخليتين حدثت في هذه المنطقة، كانت نتيجة لما رست عليه الحرب العالمية الأولى من نتائج وتوازنات.

إذ لم تتطور الحياة العامة والسياسية في أي من هذه الدول الإقليمية لأن تجترح وتحقق قطيعة مع الدولة/الأمة القومية. فجميع هذه الدول، بمؤسساتها وجيوشها ومواثيقها، وحتى عالمها الرمزي، واظبت على حفظ الهوية الكيانية القومية.

ويمكن القول إن هذا المنطق كان صحيحا إلى درجة كبيرة حتى بالنسبة لمجمل النخب السياسية والعسكرية والبيروقراطية العليا، التي حكمت أو عارضت في هذه الدول طوال ذلك الوقت المديد.

كان ذلك صحيحا أيضا بالنسبة للأحزاب السياسية والتيارات الأيديولوجية، السُلطوية والمُعارضة، والتي بالرغم من خلافاتها الجزئية والتفصيلية، إلا أنها بقيت ضمن مساحة الوعي القومي لهوية الذات الجمعية لهذه الجماعات الإقليمية المُنتصرة، ولكيانات دولها.

عاشت هذه الدول أنماطا من الحكم والدساتير القومية واليسارية والدينية والبرجوازية، هي وعسكرها ونخب حكمها، انقلبت مُعارضاتها على بعض حكامها، غيرت هذه الدول من تحالفاتها الإقليمية والدولية، إلا أنها جميعا، كانت وبقيت، مجبولة ومبنية على الجذر القومي لها، ووفية له.

عدم حدوث تلك القطيعة في هذه الدول مع النزعة القومية، أدى بالضرورة لأن تكون هذه الدول ذات غريزة للصهر القهري بحق غير المتطابقين مع وعيها القومي، بالذات الأكراد منهم، الذين كانوا أكبر جماعة/كتلة لا تتطابق مع وعي هذه الدول وجماعاتها لنفسها. غريزة الدول القومية تلك، بكل شراستها وأدواتها واحتكارها للعنف، واجهها الأكراد بيدين عاريتين، دفاعا عن الوجود فحسب.

الديناميكية الثانية كانت تتمثل في التعارض البنيوية والحتمي بين التطلعات أو "الحكايات الكُبرى" للجماعات الرئيسية القومية في هذه الدول، وبين التطلعات الكُردية النظيرة والندية لها.

ففيما كانت أمم الدول الشرق أوسطية المُنتصرة تستميت في سبيل استعادة أمجاد إمبراطورياتها القديمة، العربية والفارسية والعثمانية، في الوحدة بين عديد الدول وتحقيق النفوذ والهيمنة الإقليمية، كان الأكراد يستميتون في سبيل تفكيك هذه الدول، وإن بشكل نسبي، لتكون أصغر حجما وأقل مركزية وأضعف سطوة وأكثر رقة مما تتطلبه طموحات وسياسات ومساعي إعادة بناء الكيانات الكُبرى، التي ستكون دوما على حساب الاعتراف بهم ونسبتهم وشراكتهم ضمن هذه الكيانات التي يعيشون بها.

لقد كان إرث ما راكمته تلك المساعي نحو استعادة الأمجاد من قبل هذه الدول، لقد كان إرثا من الأحداث والتحولات والسياسات، الداخلية والخارجية، التي كانت كلها، وعلى الدوام، على حساب الأكراد، لأنهم ببساطة كانوا يملكون "حكاية كُبرى" أخرى تماما، معاكسة لمساعي هذه الأمم ودولها، حكايتهم التي كانت تتحقق فقط عبر تحطيم حكايات الآخرين.

♦♦♦

أدت الديناميكية الأولى لأن تكون محصلة الجهد السياسي والثقافي الجمعي الكردي ضمن هذه الدول صفرية تماما. فلم يتمكن الأكراد من إقناع أية كتلة مجتمعية أو سياسية ضمن هذه الدول لأن تُشارك الكُرد المطالبة بحقوقهم العادية ضمن هذه الدول. لأجل ذلك، كانت الوطنية والاندماج السياسي والصعود الثقافي والتنمية الاقتصادية، وإلى حد بعيد الاندماج الاجتماعي، كانت عوالم خارج القاموس الكُردي. وعاش الكُرد أشكالا من الاغتراب المُركبة في دولهم، وطبعا أنماطا من الاستبعاد عن المتن المركزي للفعل والمتن العام في هذه الدول.

لم تتطور الحياة العامة والسياسية في أي من هذه الدول الإقليمية لأن تجترح وتحقق قطيعة مع الدولة/الأمة القومية

الديناميكية الثانية خلقت توترا في العلاقة بين الأكراد ومُجتمعات الدول التي عاشوا فيها والقوى الدولية من طرف ثالث. فسعيا إلى تحقيق ولو شيء مما حرموا منه خلال الحرب العالمية الأولى، وثق الأكراد بالعديد من القوى الدولية، التي اعتقدوا وهما بأنها ربما تمد اليد للكُرد لإضعاف القوى الإقليمية، مثلما فعلت مع الأمم المنتصرة إقليميا خلال الحرب العالمية الأولى.

لكن الكُرد كانوا يُصدمون كل مرة من حجم تداخل علاقات ومصالح وثقة القوى الكُبرى بنظيرتها الإقليمية، وكيف أن ذلك سيكون على الدوام على حساب الكُرد، منذ جمهورية كُردستان في مدينة مهاباد وحتى أحداث سري كانية/رأس العين الأخيرة.

كانت الحرب العالمية الأولى حدثا مفصليا في تاريخ العالم، بالذات في منطقتنا، لأنها كانت أول تجاوز للثنائية القطبية لمجتمعاتنا، التي كانت تعيش بين سلطة العشائر والحارات من طرف، والإمبراطوريات من طرف آخر.

فتلك الحرب حطمت الثنائيتين تلك، وفاضت على مُجتمعاتنا بكائن "اسطوري" اسمه الدولة. شديدة الجبروت والسطوة والعنف على من امتلكها، فكيف بمن لم يمتلكها، كالأكراد والغجر مثلا.

اقرأ للكاتب أيضا: وداعا أميركا أيزنهاور

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG