Accessibility links

الأويغور: عذاب من جوف الآلة


تظاهرة في هونغ كونغ تضامنا مع الأويغور

مالك العثامنة/

في الخمسينيات، حيث لا ثورة تكنولوجيا معلومات، كانت ثورة ماو تسي تونغ "التحررية" تمسك بقبضتها الفولاذية على البشر والأرض والأرواح، فاستباحت الصين هضبة التبت بشعبها ذي الثقافة المستقلة به، وضربت "تحررية" الماوية بعرض الحائط حق الشعب التبتي بتقرير مصيره، وقررت الصين الشيوعية أن مصير التبت النهائي والحتمي أن تكون صينية بلون أحمر.

حينها، حيث لا ثورة تكنولوجيا معلومات ولا إنترنت ولا هاتف بحجم راحة اليد قادر على أن ينقل بالصوت والصورة كل شيء في بث حي أو مسجل حتى، خضعت التبت وقد انسحق كثير من البشر وكانت الإبادة والتطهير العرقي ثم التذويب الوجودي في جوف الآلة الصينية.

(تقريبا نفس الحكاية في الثمانينيات حدثت في حماة السورية، فلم يكن هناك ثورة تكنولوجيا لتوثق إنجازات الحركة التصحيحية).

تجاوز الإعلام المصري كل حدود المنطق حين عمل على تجريم "الضحية"

الحيلة اللفظية موجودة دوما لتشريع جرائم الإبادة والتطهير والمجازر، كل ما عليك أن تفعله هو أن تستخدم ألفاظا براقة مثل "تحرير الإنسان"، "مكافحة التطرف"، "حرب على الإرهاب" أو في الحالة الصينية الأحدث عبارة مثل "إعادة تأهيل.."، وبمساندة باقي أجزاء الآلة الضخمة الصماء التي تلبس لباس الدولة، من إعلام وتسويق وترويج ومال وتجارة واقتصاد، فإن باقي العالم مستعد أن يغض البصر عن أكبر آلة موت على صيغة دولة، تعمل على تهديد البشرية في توسعها الدائم والمستمر والدموي.

♦♦♦

في آخر نسخ الإبادة الشيوعية ـ الصينية للشعوب، فإن ورثة ثورة ماو تسي تونغ "التحررية" تقاطعت في القرن الواحد والعشرين مع ثورة تكنولوجيا المعلومات، والمفارقة أن ثورة ماو "التحررية" هي من أكبر منتجي صناعات تلك الثورة التكنولوجية ونسخها وتزويرها بجودة فائقة ومدهشة.

ثورة الصين "التحررية" هذه المرة تستخدم نفس أدوات الثورة التكنولوجية التي تفضحها بالصوت والصورة، لتقمع الإنسان بأبشع ما يمكن تخيله من أدوات إبادة عصرية، فتصبح منطقة "شينغيانغ"، أو تركمانستان الشرقية حسب تسمية شعبها من "الأويغور" المضطهدين، فضاء واسعا لتجارب الدولة في الرقابة التكنولوجية والبيانات الأمنية الضخمة.

يعود تاريخ وجود شعب الأويغور أو تركستان الشرقية بشكلها الحالي إلى ما قبل الميلاد، فهم أقليات من الصين وباكستان ومنغوليا والأتراك التتر وبلاد القوقاز سافرت وارتحلت كثيرا حتى بدأت الاستقرار في المنطقة قبل 4000 عام حسب ما يقوله مؤتمر الأويغور العالمي.

لكن رؤية الصين "التحررية" بنسختها الحمراء ترى غير ذلك، وبدون كثير من التوضيحات تقرر الآلة الصينية، التي بلا قلب ولا ضمير، أن تنهي فكرة وجود طموحات تقرير مصير لأقلية "مليونية" تعيش على جغرافيتها الخاصة بها، فالآلة الضخمة لا تتحمل شروخا كتلك على الجوانب.

خلقت الصين من جغرافية شاسعة "ليست لها" سجنا كبيرا

عام 2009، تمّ تطوير نظام واسع للمراقبة بالفيديو مع خاصية التعرّف على الوجوه، كما وُضعت رموز للاستجابة السريعة (ما يُعرف بـQR codes) على مداخل المنازل من أجل وصول أفضل إلى معلومات سكانها.

أما السيارات فيجب أن تكون مجهزة بنظام GPS ما يجعل تحديد موقعها ممكنا، وتقوم أنظمة التعرف الأوتوماتيكية على لوحات السيارات بالمسح الضوئي للسيارات على الطرق.

ومنذ بضعة أشهر، مكنت حملة صحية واسعة في المنطقة من تصنيف بيانات الحمض النووي لأكثر من 19 مليون شخص. هذه الحملة تمضي بالتوازي مع مسح القرنيات وأخذ البصمات وحتى التسجيلات الصوتية.

لقد خلقت الصين من جغرافية شاسعة "ليست لها" سجنا كبيرا محكوما بأحدث تقنيات الرقابة وعد الأنفاس، وتمارس بالموازاة، حملة إبادة وتطهير عرقي ممزوج بجرائم قتل واغتصاب وإخفاء قسري وعمليات غسل جماعي للأدمغة فقط لأن شعبا يبحث عن حقه في تقرير مصيره وشاء سوء حظه أن تكون جغرافيته على خاصرة الآلة الفولاذية التي لا ترحم.

لم يعد بالإمكان إخفاء الأمر، رغم كل النفي الصيني الممزوج بحيل لغوية واصطلاحية، إلا ان ما يحدث هو ما كان يحدث دوما، جرائم ضد الإنسانية تنافس جرائم النازية وأفران الإبادة.

♦♦♦

طبعا، مثل أي أزمة تتحول إلى عمليات حسابية في المصالح الدولية، يكون حاصل الجمع والفرق والقسمة فيها هم البشر أنفسهم، تم توظيف ما يحدث في الصين من إبادة لشعب الأويغور سياسيا وضمن معادلات مصالح بشعة.

تركيا التي بدأت الاستثمار في تلك الإبادة دفاعا عن الأويغور، وراحت تأخذ القصة بمنحى "ديني" يعزز خطابها الإردوغاني "الموجه للعالم العربي تحديدا" توقفت عن ذلك ضمن ذات رؤية المصالح مع الصين، وبحسابات الربح والخسارة فإن العملاق الصيني "الآلة الباردة والمنتجة بغزارة" ليس من السهل مقاطعتها.

طبعا، حسابات التواصل الاجتماعي العربية التقطت "البعد الديني" لمأساة شعب الأويغور، فأسقطت الإنسان في التعاطف وتشبثت بالأخوة الدينية، وهو ما يجعل القضية خاسرة منذ البداية لأن الصين واقعيا وفعليا لا تستهدف دينا محددا ولا عقيدة محددة، هي تستهدف الإنسان برمته.

صمت إردوغان المفاجئ التقطته معارضته التي في تركيا فاستخدمت هذا الصمت على المجازر لإدانة إردوغان وحزبه بتغليب المصالح على القيم "التي يدعيها إردوغان ـ حسب المعارضة التركية".

طبعا، بكل الأحوال سيكون التصدي للمجازر بحق الإنسانية في الصين من أنقرة مجروحا وخاضعا للشبهات، ما دامت أنقرة نفسها لا تعترف بمجازرها التاريخية بحق كثير من الأقليات ليس بدءا من الأرمن أو انتهاء بالأكراد.

لكن المفارقة الأكثر فداحة وبشاعة تكمن في توظيف الهجوم على أنقرة، من قبل الإعلام المصري "الممسوك" من السلطة الحاكمة في مصر.

صمت إردوغان التقطته معارضته التي في تركيا فاستخدمته لإدانة إردوغان وحزبه

لقد تجاوز الإعلام المصري "الذي لا ينطق خارج هوى النظام الحاكم" كل حدود المنطق حين عمل على تجريم "الضحية" وهم هنا الشعب الأويغوري فقط لحسابات مصلحية بمناكفة أنقرة وتيار الإخوان المسلمين، ذات التيار بكل أسلحة تواصله الاجتماعي والإعلامي الذي يدافع عن "الأويغور" لأنهم مسلمون فقط، ويتجاهل باقي الأقليات المضطهدة في الصين وبنفس المستوى من الوحشية.

هي ذات لعبة المناكفة بين المتدينين الذين يتعاطفون مع الأويغور بمنطق العصبوية الدينية، ويدينون الجرائم التي ترتكبها الدولة الصينية التي هي بدورها تحتال لفظيا على منطق القوة المتغطرسة فتسميها تحريرا للإنسان.

أليس هذا قريب نوعا ما من ذات الحيلة اللغوية حين يبرر البعض الاحتلال بأنه يخرج الناس من الظلمات إلى النور؟ ويتلاعب أكثر فيسمي ذات الاحتلال "فتوحات"؟

في المحصلة، تعلمنا قصة اضطهاد "الأويغور" وطريقة التعاطي الدولي معها أن الكل ينسى في انغماسه الأعمى بما يعتقد ويرتبط بمصالح، أصول الفكرة الأولى والأنقى للوجود، وهو الإنسان.

اقرأ للكاتب أيضا: عالم تحكمه استراتيجية "ما قيل في الكتب"

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG