Accessibility links

"الإخوان المسلمون": الثورة المضادة لأحلام الشباب العربي


سيارة شرطة مصرية تحترق بعد اشتباكات مع مناصري الإخوان المسلمين (أرشيف)

بقلم هديل عويس/

درج مؤخرا استخدام مصطلح الثورات المضادة. أتى هذا الاستخدام بعد مغالطة تاريخية ارتكبت بحق الشباب العربي وهي نسب تحركاتهم العادلة إلى تنظيم "الإخوان المسلمين" المتطرف. فهل لعاقل أن يصدق أن سورية التي كادت أن تسبق كوريا الشمالية في طقوس عبادة الفرد، خرجت فيها كل هذه التحركات بسبب تنظيم "الإخوان" الذي كان في سبات لعقود؟ ومن سيصدق أن أحياء سورية التي لم يقل فيها إنسان كلمة "لا" في وجه الظالم لعقود طويلة، خرجت بفعل الدولة الصغيرة قطر!

لم تكن الانتفاضات الشبابية التي انطلقت في العام 2011 انتفاضات إخوانية، لأن "الإخوان" عجزوا لعقود عن تحريك أي تأييد شعبي لهم، ولم نكن نسمع بنشاطاتهم إلا تلك المرتبطة بافتعال هجمات إرهابية مسلحة في مصر ضد الأقباط أو ما شابه من تحركات عنفية لا تمت بصلة لما رأيناه في الأيام الأولى من الربيع العربي في كل بلد اندلعت فيه الاحتجاجات.

حرياتنا لا تنتقص إذا تم تحييد جماعة "الإخوان"، حريتنا وقضايانا وأحلامنا قد ترى النور لأول مرة مع إبعاد هذه الجماعة

أما من تولى القيادة السياسية، ولاحقا المسلحة، للانتفاضات العربية التي خرج بها شباب دون خبرة سياسية، أو دعم مالي وحتى إعلامي، فكانت جماعة "الإخوان" المخضرمة في استغلال عواطف الشباب واللعب عليها. تسلق صقور "الإخوان" الثورات ونصبوا أنفسهم متحدثين باسمها لتحقيق غاية الوصول إلى كراسي الحكم واستبدال الديكتاتوريات بما هو أسوأ؛ فكانت النتيجة أن فضل العالم الديكتاتور على شاب بدون خبرة، حالم بالتغيير، ويتحكم بخيوط لعبته تنظيم مشبوه.

لا ينطبق مصطلح "ثورة مضادة" إلا على حقيقة تسلق "الإخوان" الثورات وسرقتها وإفشالها. فمن المنظور والتقييم السياسي والشعبي لم يخرج "الإخوان" في بداية كل الانتفاضات، بل طمعوا في البدايات بصفقات مع الحكام لتقاسم الحكم، بينما كان الشباب يصل ليله بنهاره في ميادين الاعتصامات، حتى أدرك الإخوان أن ما يحدث من تغيير هذه المرة عظيم وجدي حيث وصلت صيحات الشباب إلى كل العالم؛ ولأول مرة منذ أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، تحدثت الصحافة العالمية بإعجاب وإيجابية عن تحركات عربية سلمية وحضارية ومحقة.

بعد التأكد من أن الانتفاضات باتت يقينا، انسل "الإخوان" وعملوا بدأب على اعتبار هذه الثورات خاصتهم. هكذا ببساطة، وعبر رشى بسيطة، أخذت شكل الوعود الكاذبة للشباب، بات الإخوان سادة الثورات التي لم يصنعوها أبدا.

في ماضينا العربي غير البعيد، نجحت منظمة التحرير الفلسطينية، رغم أخطائها الكثيرة، بتحويل هواجس الفلسطينيين في منتصف القرن الماضي إلى قضية حقيقية عابرة للطوائف والأديان والقوميات، الأمر الذي فشلت بتحقيقه معظم الشعوب العربية الأخرى.

على الرغم طبيعة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي الذي كان من السهل تصويره على أنه صراع مسلمين في مواجهة يهود، لم يكن للسلطة الفلسطينية أي طابع ديني بل كان المسيحيون العرب العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية فكان نايف حواتمة وجورج حبش أهم وجوه القضية الفلسطينية، كما كان المقاتلون اليساريون من مختلف أنحاء العالم أول من حمل البندقية لأجل فلسطين.

في ثورة سورية، التي قامت في ذروة جشع "الإخوان المسلمين" وتطلعهم للوصول إلى السلطة وكان عمودها الفقري شباب مدني من مختلف الشعوب السورية المتنوعة، تم تحويل حراك ديموقراطي بدأه شباب وشابات من أروقة الجامعات طالبوا بـ"الحرية"، إلى تجمعات كان يزداد نفسها الطائفي في كل يوم، لتدخل تباعا مفردات جديدة على المجتمع السوري مثل "الرافضة والنصيرية والمجوس"، لتصبح القضية هي مقاتلة "النصيري" بشعارات طائفية وبندقية متطرفة مشبوهة.

كان نفس "الإخوان" قصيرا في التعامل مع حراك كان اندلاعه أصلا ضربا من المستحيل في بلد يحكمه نظام قمعي كالنظام السوري. بدأت جماعة "الإخوان المسلمين"، التي كانت الجماعة الوحيدة المنظمة سياسيا في الخارج في ظل أربعة عقود من كتم الأنفاس، بتنصيب نفسها متحدثا حصريا باسم الشباب وأحلامهم وتطلعهم للتغيير عبر حراك بدأ بصيحات "سلمية" و"حرية"، لتنحرف الأفكار والرغبات والمطالب وتسيطر المزاودة باسم الدين.

منذ مؤتمر أنطاليا العقيم كغيره من مؤتمرات المعارضة، وعين إخوان سورية على مناصب غير موجودة. منذ أول مؤتمر حتى فعاليات الجماعات السورية المعارضة في أميركا، معظم من مثل الثورة السورية كان "إخوانيا"، ليس لأن "الإخوان" فائقي الذكاء، لكن بسبب الدعم والتوجيه التركي والقطري غير المحدود.

لم يؤذ هذا التماهي مع "الإخوان" الثورة مع أصدقائها العرب والغربيين فقط، بل أسقطها من قلوب غالبية السوريين وأولهم سنة سورية؛ وهذا ما يسقط النظرية الطائفية، خاصة المجتمع السني المدني في دمشق وحلب، الذي لم ينتفض بطبيعة الحال وقرر أن يختار النظام على مضض لأنه اعتاد على قمع حرياتهم السياسية مقابل ثورة تولتها جماعة تريد حصر التوجه السياسي في بوتقة ضيقة محدودة لا يوجد أدنى شك بأنها طائفية، ولا تحرم المرء من حقوقه وحرياته السياسية فحسب بل الاجتماعية أيضا.

في المقابل؛ كان التنوع والانفتاح الذي حظيت به منظمة التحرير الفلسطينية خدمة كبرى أسديت إلى القضية الفلسطينية، لم تحظ بها القضايا التي ولدت في أزمنة النفاق باسم الدين والطائفة والعشيرة والذي ظهر مع ظهور تنظيم "الإخوان" وتعزز مع ولادة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران.

على الرغم من مكتسبات القضية الفلسطينية والدعم العربي والدولي لها والمسؤولية الأخلاقية التي تحملها العالم اتجاهها، فاز الفساد وفازت الشيخوخة التي تعاني منها السلطة الفلسطينية، والتمسك بالمناصب على مكتسبات القضية في الماضي، ليتراجع دور السلطة الفلسطينية ويصبح الجناح الفاعل والمؤثر والمحرك للقضية الفلسطينية هو "حماس" التي قدمت نفسها كجماعة إسلام سياسي مسلحة تختار استخدام كل الأساليب من الطعن إلى النحر إلى التفجير العشوائي لتحقيق أهدافها "الإخوانية".

عوامل مثل تراجع دور السلطة وإضاعتها لسنوات طويلة دون البحث عن سلام جدي وفعلي يأخذ بعين الاعتبار الواقعية السياسية، كانت أهم ما وضع "حماس" في المقدمة.

بعد أن تصدرت "حماس" المشهد، وبنت تحالفاتها مع قطر وإيران في فترة حساسة للغاية، تم إطلاق رصاصة الرحمة على ما كان اسمه يوما "قضية فلسطين" والتي كان يحب بعض الفلسطينيين تسميتها "قضية العرب". فـ"حماس" اختارت التماهي مع "إيران"، عدوة العرب، في الوقت الذي كانت فيها البنادق الإيرانية مصوبة نحو العرب وعبر شباب عربي قابع تحت تأثير المخدر الطائفي.

فبينما كان السوريون يطالبون الجن والإنس للتدخل لإنقاذهم من المواد الحارقة والبراميل المتفجرة التي أحرق الأسد فيها شعبه وأحلامهم، كانت قيادات "حماس" تشيد بإيران وتسميها "الحصن الأمين المدافع عن عرين المقاومة في غزة"؛ بالتالي كانت "حماس" توجه الصفعة تلو الأخرى لأطفال سورية عبر شكرها لإيران على الصواريخ الرديئة التي ترسلها لغزة.

في هذه الأثناء، تتحول القضية الفلسطينية إلى أداة بيد المشروعات الفاشلة القائمة على الخطابات والشعارات الرنانة، وأولها مشروع النظام الايراني الذي بات يحرص على أن يكون المتعهد الحصري لـ"القضية الفلسطينية".

لم يعد الحال في العالم العربي كما كان. تغيرت الأولويات في ظل الفوضى والتحديات. أفقد الإسلام السياسي الفلسطينيين الكثير من مكتسباتهم، كما فقدت الثورة السورية ألقها بعد أن كانت قضية محقة، والفارق بين الفقدين لصالح الثورة السورية، لأن عدو السوريين "إيران" بات عدوا للعالم برمته وبالتالي قد يكون هناك بصيص أمل في استعادة الحلم السوري أو جزءا منه.

المواقف العربية الحازمة اليوم في مواجهة "الإخوان" ليست ثورة مضادة، بل سلاح معنوي بيدنا كشباب عربي وليس علينا

ما يحتاجه الفلسطينيون اليوم هو إدراك الواقع الجديد المفروض والتحرك بتعقل وحكمة بإرجاع القضية الفلسطينية إلى روحها الأولى، روح العمل الدبلوماسي والنفس الطويل.

هذه لحظات تاريخية استثنائية، كل انحياز فلسطيني لإيران يعني المزيد من الطعن بكرامة القضية الفلسطينية. فلتعد القضية إلى طاولة المرجعيات العربية، ولينبذ قادتها العنف والتحريض، وليدركوا أن الرهان على التماهي مع إيران هو جريمة تاريخية كبرى.

المواقف العربية الحازمة اليوم في مواجهة "الإخوان" ليست ثورة مضادة، بل سلاح معنوي بيدنا كشباب عربي وليس علينا؛ سيمكننا من بتر أذرع منظمات خبيثة تتحضر منذ عقود للانقضاض على لحظة التغيير التاريخية لاختطاف انتفاضاتنا من التغيير بعيدا عمن يملي علينا ما هي مطالبنا.

حرياتنا لا تنتقص إذا تم تحييد جماعة "الإخوان"، حريتنا وقضايانا وأحلامنا قد ترى النور لأول مرة مع إبعاد الجماعة التي قضت على كل مبادرة تغيير ومطلب محق حلم به الشباب العربي.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG