Accessibility links

الإنقاذ الموهوم في لبنان المأزوم


مناصرات لـ"حزب الله" يرفعن في بيروت صور سليماني بعد مقتله

فارس خشّان/

اللبنانيون والسوريون والعراقيون واليمنيون والإيرانيون، في مأزق وجودي واحد. جميعهم يواجه شبح الجوع.

المفارقة أن هذه الشعوب تعيش في دول، بعضها غني وبعضها الآخر لم يكن يوما فقيرا.

ما الذي أوصل هذه الشعوب إلى الجحيم؟

بالتفتيش عن القاسم المشترك بين هؤلاء نجد تنامي النفوذ الإيراني.

تنامي هذا النفوذ يُحدث شرخا كبيرا في المجتمع، فيُسيّد فئة ويهمّش فئات فاعلة. يتسبب باضطرابات أهلية خطرة وينتج مشكلات عميقة مع الجوار. يطوّع الاقتصاد لخدمة السياسة بدل أن تكون السياسة في خدمة الاقتصاد. يُعلي من شأن الهامشيين الذين يسهل استخدامهم ويُقصي الكفاءات التي تطمح حصرا إلى الإنجاز.

وهكذا، تترنّح الدولة، وتسقط المؤسسات، وينهار الاقتصاد، ويجوع الشعب. الأخطر أنه يجري سد فسحة الأمل بالإكثار من الشعارات الطنّانة التي تقرع طبول الحرب.

المعيطات السياسية التي تتحكم بلبنان، لن تسمح بإدخال قرش واحد من وعود مؤتمر "سيدر"

المفارقة هنا أن الدول التي تُستدعى هذه الشعوب إلى محاربتها تعيش، بالمقارنة، في "النعيم" الاقتصادي. هذه حال الولايات المتحدة الأميركية بالمقارنة مع إيران، وإسرائيل بالمقارنة مع لبنان، والإمارات العربية المتحدة بالمقارنة مع اليمن، والمملكة العربية السعودية بالمقارنة مع العراق، وتركيا بالمقارنة مع سوريا.

النفوذ الإيراني يبشّر اللبنانيين والسوريين والعراقيين واليمنيين والإيرانيين بالنعيم ولكن بعد... الموت. لسان حاله أن الحياة على هذه الأرض هي بلاء وألم وعذاب. الموت هو الخلاص.

ولكن ليس ثمة من يسأل هؤلاء الذين يستخدمون البُعد الديني لأهداف سياسية، لماذا، والحالة هذه، تريدون السيطرة على الأرض والهيمنة على القرار، والاستئثار بالسلطة والتحكم بالبشر؟

في ضوء هذه المعطيات، يسعى لبنان إلى تشكيل حكومة تكثر الألقاب الجميلة التي يُسقطها عليها المعنيون بها، وتتنوّع السيناريوهات التي تتحكم بها، فهناك من يريدها للم الشمل، وهناك من يريدها لإخراج لبنان من الهاوية الاقتصادية ـ المالية ـ الاجتماعية التي وقع فيها، وهناك من يطمح إلى أن تكون قادرة على المواجهة في ظل تدهور الأوضاع الإقليمية.

ولكن الجميع يتغاضى، مثلا، عن تداعيات إعلان "حزب الله"، بعيد قتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، دخوله في حرب "إنهاء الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط مما يمهّد لفرار الصهاينة من فلسطين المحتلة"، بعدما كان قد تعهّد بإشعال المنطقة في حال تعرّضت إيران لأي "عدوان".

يحصل ذلك، على الرغم من أن المسؤولين اللبنانيين كانوا قد أدركوا، بالملموس، الكلفة الكبرى التي يتكبدها لبنان بسبب عجزه عن تشريف وعده بأن ينأى بنفسه عن الصراعات الإقليمية.

وكان انخراط "حزب الله" في الصراعات الإقليمية، وفق أجندة "فيلق القدس" الإيراني قد تسبب ببداية انهيار لبنان، فمصارفه وضعت تحت الرقابة الشديدة مما أفقدها الجاذبية، والسياحة الموفّرة للعملة النادرة أصيبت بكبرى نكساتها، والمساعدات الخارجية تحوّلت إلى وعود استثمارية لها شروطها الطبيعية، وخزينة الدولة نهشها فساد من يريدون تمويل تياراتهم الحزبية وأنفسهم، وانتفاضة الشعب اللبناني الهادفة إلى تغيير الطبقة السياسية واجهها "حزب الله" الذي كان مرتاحا للخدمات التي تؤديها له هذه الطبقة ترسيخا لنفوذه.

الآن، وفي ظل انخراط "حزب الله" في "الحرب الخيالية" ضد الولايات المتحدة الأميركية التي ـ أي الولايات المتحدة ـ تحظى بدعم كل الدول التي تشكل العمود الفقري للأموال الموعودة في مؤتمر "سيدر" الباريسي، يبيع المسؤولون الشعب أوهام العمل على تشكيل حكومة "إنقاذ" و"كفاءات" و"اختصاصيين".

وعلى ذمة أحد كبار السياسيين اللبنانيين، فإنه لو أقمنا ألبرت آينشتاين من قبره وأدخلناه إلى الحكومة فسيهرب بعد أيام، حين يكتشف أن عبقريته كلها لا قيمة لها لإنقاذ بلد صغير يُصر فصيل فيه على إقحامه في حروب كبرى.

وعلى ذمة سياسي آخر، فإن المعيطات السياسية التي تتحكم بلبنان، لن تسمح بإدخال قرش واحد من وعود مؤتمر "سيدر" التي لم تعد تكفي، في ظل تسارع وتيرة الانهيار.

تنامي النفوذ الإيراني يُحدث شرخا كبيرا في المجتمع، فيُسيّد فئة ويهمّش فئات فاعلة

وفي اعتقاد كثيرين أن وقوع لبنان تحت سطوة "حزب الله"، سواء باستسلام البعض أم بتواطؤ البعض الآخر، لن يسمح بإيجاد أي مخرج للأزمة الوجودية التي يمر بها.

يستنتج من ذلك أنه إذا كان صحيحا أن لبنان بحاجة الى أهل الكفاءة والاختصاص في السلطة التنفيذية، إلا أن الصحيح أكثر أنه يحتاج، بادئ ذي بدء، إلى معادلات سياسية جديدة تبدأ بموقع "حزب الله" بالتحديد، الأمر الذي يحسّن علاقاته بدول الخليج تتقدمها المملكة العربية السعودية، ويعطي مصداقية للدور الفرنسي المتعاطف مع لبنان في الاتحاد الأوروبي الذي أدرجت ألمانيا، وهي من أهم مكوّناته، الحزب، بجناحيه السياسي والعسكري، على قائمة الإرهاب، ويسقط البطاقة الحمراء التي ترفعها الولايات المتحدة في وجهه.

هل هذا التغيير في المعادلة لتوفير فرص الإنقاذ ممكن؟

ابتسامة صفراء ترتسم على كل الوجوه وبعض الألسن يقول: نحن في دولة لم تُمنع فيها الأحلام حتى الآن.

اقرأ للكاتب أيضا: جثّة سليماني ومخالب "النسر الأميركي" التي "نسيناها"

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG