Accessibility links

'الاستبدال الكبير': حاصل الآن وفي كل آن


ورورد إحياء لذكرى ضحايا المسجدين في نيوزيلندا

حسن منيمنة/

وصل القاتل المعتدي على المسجدين في نيوزيلندا إلى مراده. قالها صراحة في بيانه المسهب، والذي استعار له عنوان "الاستبدال الكبير" من أحد أصحاب الآراء التسطيحية، بأنه لا يكن للمسلمين البغض ما لم يأتوا غزاة إلى بلاده، وإن قتله للمصلين هو عمل إرهابي متعمد يريد من خلاله إفهام من أقدم على الغزو، من المسلمين خاصة، وجميع من لا ينتمي إلى العرق الأبيض عامة، بأنهم ليسوا بمأمن البتّة إذ هم حلّوا في دياره، كما يأمل بأن يؤدي فعله هذا إلى الشقاق والفتنة في مجتمعاته، بقصد التمحيص، عسى أن تتخلص هذه المجتمعات من آفة التعددية ولعنة التسامح، لتعود إلى الوعي العرقي المطلوب وتنقذ البيض ممّا يتربّص بهم من زوال.

فأنْ تتناقل وسائل التواصل الاجتماعي بمئات الآلاف من المرّات التسجيل المرئي لحصده أرواح الرجال والنساء والأطفال في المسجدين، ثم أن تستعرض الصحف والمواقع، كما هو الحال هنا، مضمون بيانه الطويل رغم طابعه الارتجالي، فتسعى إلى تفنيده، فيما هي تضاعف من نشره، كما أن يقف الرجل أمام المحكمة وعلى وجهه ابتسامة عريضة متهكمة ومطمئنة في آن واحد، إزاء قضاء أقصى ما بوسعه أن يفعله هو أن يضعه خلف القضبان ويكرّسه بطلا لمريديه، كل هذا دليل انتصار وغلبة.

أصالة قاتل نيوزيلندا تضرب في عمق قراءته السطحية الأهوائية للتاريخ إلى أن تبلغ موقع جهله

قد يطيب للبعض وصف هذا القاتل بالمريض النفسي. ويكاد البعض الآخر، في خضم المأساة أن ينشغل بمحاولة استثمار الجريمة لتسجيل النقاط. فكما أن "الإسلام" متّهم بالإرهاب، فليجرِ إطلاق الوشوم والتغريدات التي تنسب القاتل وجريمته للمسيحية، للإمعان بوازرة تزر وزر أخرى.

لا بد في هذا الصدد وإن استطرادا من وضع النقاط على الحروف، بما لا يطيب لمن أراد المعادلة. ثمة مسؤولية إسلامية في إجرام الجماعات الجهادية والتكفيرية، نابعة من استغلال هذه الأطراف للنص الديني مع قصور أولياء هذا النص من العلماء عن تحصينه. لا مسؤولية مسيحية في جريمة نيوزيلندا ولا غيرها عن جرائم دعاة القومية البيضاء، حيث أن هؤلاء لا يزعمون العودة إلى المسيحية لتأطير قناعاتهم، بل جلّهم يعتبرها نتاج يهودي مرفوض، كما أن أحبار المسيحية قد تطرّقوا بإمعان إلى المضمون الإقصائي في ديانتهم لغرض تجاوزه، وسجّل رجال الدين الكاثوليك منهم، وهم القائمون على أكبر الطوائف المسيحية والضالعون تاريخيا في الممارسات المنفّرة بمعايير اليوم، خلال المجمع الفاتيكاني الثاني، قبل أكثر من خمسين عاما، تبديلا جوهريا في عقيدتهم باتجاه قبول ديانات غير المسيحيين.

هذا القاتل ليس مريضا بقدر ما هو يكشف عن الحالة الخطيرة التي أصابت المجتمع الدولي مع التراجع إلى حد الانهيار للمنظومة المعنوية التي تأسست في أعقاب الحرب العالمية الثانية والقائمة على القيم العالمية وحقوق الإنسان. الخطر ليس في جريمة أو جريمتين، بل في الانسجام، مع الاختلاف بالأساليب، في القناعات بين هذا القاتل ومن سبقه ومن سيليه من القتلة من جهة، وبين جمهور لا يستهان به في البلاد الغربية، يضمّ في صفوفه رئيس الولايات المتحدة دون الخوض بتفاصيل ما إذا كان يتفق مع كامل الطرح أو بعضه، حول أن التفاعل والتداخل بين الشعوب، والهجرة تحديدا، عدوان وغزو، وأنه ثمة تراتبية عضوية بين الشعوب، وأن العرق الأبيض مهدّد بالفناء.

مقولة "الاستبدال الكبير" والتي تحمّس لها قاتل نيوزيلندا تتحدث عن خطورة التفاوت في نسب النسل بين البيض، بصفتهم السكان الأصليين لأوروبا والدول المشتقة منها، وبين القادمين إلى أوروبا من غير البيض، أي الأفارقة والمغاربة والعرب والآسيويين وغيرهم.

ففي حين أن خصوبة الأوروبيين قد هبطت إلى أقل من مستوى المحافظة على عدد السكان، فإن خصوبة الوافدين تبقى مرتفعة جدا. وحتى مع افتراض إمكانية نجاح استيعاب هؤلاء الوافدين، رغم أن قاتل نيوزيلندا والعديد ممن يشاطره الرأي لا يرون أن هذا الاستيعاب ممكن أساسا، فإن حاصل التفاوت في نسب النسل هو استبدال الأمة البيضاء بأخرى هجينة دخيلة تصل في نهاية المطاف إلى استبدالها.

فإذا كانت الحاجة الاقتصادية الفورية تقتضي استقدام المهاجرين للعمل، فإن الحتمية المترتبة عن هذا الاستقدام تصل إلى ما يقارب ارتكاب العرق الأبيض للانتحار. فالرجل، انطلاقا من شعوره بالحمية والعصبية لأمّته مستعد أن يَقتُل وأن يُقتَل، لنيل إحدى الحسنيين، إما الشهادة وإما النصر، في سعيه لتحقيق الوعي العرقي.

الخبر السيء لهذا القاتل، ولمن يشاطره قناعاته، هي أنه لا يبدو أنه ثمة سبيل لعرقهم الأبيض المزعوم من النجاة من الأفول. فكل القراءات البيانية تفيد بأن أعداد هذا العرق المفترض تتضاءل نسبيا وإطلاقا، فيما الأعراق الملونة، على حد توصيفهم، تزداد عددا وانتشارا.

مشكلة هذا القاتل، وكل من يسعى إلى بناء الجدران بوجه الهجرة، ليست في عرقه وأعراق الآخرين، بل في محدودية قراءته التي ترى في هذا العرق ثباتا، وتنسب إليه أزلية متحققة وأبدية مهددة تحتاج إلى من يدافع عنها لصون سرمديتها المتوَهمة.

فإذا كانت الأصالة هي الاعتزاز بصفاء الأصل، فإن الصفاء الصادق غير متحقق إلا في عالم المثل. وكل أصالة تقوم حكما على الجهل بأصول أصلها، أو على التجاهل والتطويع لهذه الأصول الأولى طلبا للتفرّد.

أما الاستقراء الوقائعي، في الحضارات والأديان واللغات كما في الأعراق، فيشير إلى خلاف ذلك من التواصل في التلاقح والمزج والجمع والتلفيق. بل إن استعراض أشكال التعبير الإنسانية هذه يشير إلى أن التلفيق المتعمد والانسجام التلقائي هما أساس حركة التاريخ والحضارة.

منطق هذا القاتل، وكل القوميين البيض، لا يستقيم. هو يمتشق أوروبا البيضاء، فيما هو من أصول بريطانية، ويحمل جنسية أسترالية، وارتكب جريمته في نيوزيلندا. أي صفاء فيها جميعا؟ ليس في هذا السؤال طعن ولا استخفاف، بل محاكاة للأوهام القومية لغرض تفنيدها، وما يصحّ على القوميين البيض ينطبق كذلك على الإسلاميين وغيرهم.

هل الصفاء في أوروبا المفترضة، والتي لا يعود تصوّرها كوحدة إلا إلى أمس قريب، وهي التي سكنتها شعوب ضاع تاريخها، ليبقى منها شعب الباسك على الأقل، قبل قدوم الغزوات من موطن "الهندو-أوروبيين" خارجها، وإن كان الخلاف لا يزال مقترنا بموقعه؟ أم هل الصفاء بأن اسم أوروبا نفسه من اللغة الكنعانية، قريبة العربية، وقد يكون قرينا لـ "عرفة"؟ أم هل أن الدين الأوروبي الأول نفسه، أي المسيحية، هو وليد المشرق، والحضارات التي تزعم أوروبا اليوم البناء عليها، اليونان والرومان، عاشت وتفاعلت حول المتوسط مع هذا المشرق وذاك المغرب، في حين كان أجداد قاتل نيوزيلندا وكافة القبائل التي أصيحت بريطانيا ومن ثم مستعمراتها لا تزال من الرحّل؟ ألم يلحظ الرجل أن أستراليا بلاده قامت على أنقاض حضارات ومجتمعات هي اليوم في أول الطريق للإقرار بحقوقها و... "أصالتها" في الهوية الأسترالية؟ وكذلك حال نيوزيلندا التي حاول قتلها عند قتل المسلمين فيها. هذه الدولة الراقية التي يدرك جلّ أهلها أنها ابنة موجات من الهجرة، الماورية قبل ألف عام، الأوروبية قبل بضع مئات، والمعاصرة المتواصلة، ليأتي هذا المتطفل ويقرّر بأنه، للتماهي الواهم مع بعض أهلها، من شأنه اختزال تاريخها، أمسها وغدها؟

الخبر السيء لهذا القاتل، ولمن يشاطره قناعاته، هي أنه لا يبدو أنه ثمة سبيل لعرقهم الأبيض المزعوم من النجاة من الأفول

ثم أن هذا القاتل، ولا من اتفق معه بأن عقيدته تزخر بالصواب، لا يبدو مطلعا على علم تحليل الأصول النسلية، والذي، على حداثة عهده، في حين يشير إلى تضافر مجموعات هذه الأصول في مجتمعات محددة، يكشف بوضوح على أنه لكل أصل على حدة توزيع مختلف على مستوى الكوكب، لتصبح الإنسانية كافة نسيجا متداخلا من الأصول، لا تنتفي معه الخصوصيات المحلية، بل تنكشف على أنها وليدة اختلاف في أشكال الجمع بين المشترك، والذي بكامله يرسم معالم الإنسانية.

فالإنسانية ليست مياها آسنة، بل هي بحر نشط تتبدل أمواجه في كل آن، فمن تعلّق بموجة من هذه الأمواج، كما قاتل نيوزيلندا، خائب لا محالة. ومن فهم بأن الموجة إذ تزول لا يضيع ماؤها ولا زخمها، يدرك أن البحر بكامله هو الذي يستحق أن يكون له الانتماء. شعب أجداد هذا القاتل ليس أول من وضع اللبنات لبناء أوروبا، وسنّة التاريخ أن تتبدل الشعوب والمجتمعات واللغات والمعتقدات.

أصالة قاتل نيوزيلندا تضرب في عمق قراءته السطحية الأهوائية للتاريخ إلى أن تبلغ موقع جهله. وهو في هذا لا يختلف عن غيره من الاختزاليين، شرّقوا أو غرّبوا. وهو كما هم، جاءت جريمته على قدر طاقته، فلو استطاع أن يضاعفها لفعل دون تردد. وهكذا هو حال نظرائه في جماعات الجهاد. الخشية هنا هي أن يصل من يشاطره الوهم بأن القوة هي سبيل الدفاع القاتل عن عرقه المهدد، إلى موقع التحكم بأقدار من القوة الضاربة يزيد عدد ضحاياها العتيدين عن الخمسين بأشواط.

اقرأ للكاتب أيضا: إسرائيل 'دولة يهودية'، ولكن...

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG