Accessibility links

الاكتئاب.. كارثة جديدة تصيب المنطقة العربية


تتراوح أنواع مرض الاكتئاب بين الخفيف والشديد، وتقود إلى الإصابة به مجموعة عوامل اجتماعية ونفسية وعضوية، وتحرّض الأزمات المعيشية والبطالة والصدمات النفسية على قدوم هجماته

د. عماد بوظو/

انشغلت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي مؤخرا في الحديث عن عدة حالات انتحار في لبنان ومصر لأسباب اقتصادية واجتماعية. وحسب إحصائيات الدرك المغربي في عام 2014 فإن 2134 شخصا قد انتحروا خلال السنوات الخمس السابقة. وحسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية عام 2016 احتلال مصر المركز الأول بين الدول العربية من حيث معدلات الانتحار، يليها السودان واليمن والجزائر والعراق.

رافق معدلات الانتحار المتزايدة انتشار نمط غير مألوف من الجرائم، مثل إقدام رجل في بلدة سطيف في الجزائر على خنق زوجته وأطفاله الثلاثة، أو أب تونسي على قتل أولاده بإلقائهم في بئر، أو قتل أب يمني من محافظة رداع لأولاده رميا بالرصاص وهم نائمين، أو قتل الأم المصرية "إيمان" أطفالها الثلاثة، أو إقدام المصرية لمياء قبل أيام على قتل طفليها حتى تتمكن من الطلاق، وهذه ليست سوى أمثلة بسيطة عن نوع جديد من الجرائم يحدث في المنطقة العربية ويستهدف أقرب وأعز الأشخاص.

وأغلبية هذه الجرائم وعمليات الانتحار ليست سوى آثارا جانبية لمرض الاكتئاب الذي انتشر بشكل واسع في المنطقة العربية دون أن ينال ما يستحقه من الاهتمام. الاكتئاب هو اضطراب نفسي يصيب عالميا بين 3 و4 في المئة من البشر ويتمظهر بنقص القدرة على الاهتمام أو الاستمتاع بالأشياء، وهبوط في الحيوية والطاقة والنشاط والقدرة على التركيز، ويترافق في كثير من الحالات مع القلق واضطرابات في النوم والشهية، وأحيانا مع إحساس بالذنب والدونية.

تضافرت جميع العوامل ليصل الإنسان العربي إلى هذه الحالة

تتراوح أنواع مرض الاكتئاب بين الخفيف والشديد، وتقود إلى الإصابة به مجموعة عوامل اجتماعية ونفسية وعضوية، وتحرّض الأزمات المعيشية والبطالة والصدمات النفسية على قدوم هجماته.

تقول بعض الدراسات إن المجتمعات الحرّة الأكثر عدلا ومساواة تكون أقل تعرّضا للاكتئاب؛ وبما أن البلدان العربية ليست من تلك الدول فقد انتشر الاكتئاب فيها، حتى وصلت نسبة الإصابة به إلى أضعاف المعدلات الدولية.

وذكرت منظمة الصحة العالمية أن 210 آلاف شخص في قطاع غزة يعانون من اضطرابات نفسية وخيمة أو متوسطة، أي أكثر من 10 في المئة من السكان. وأظهرت دراسة في لبنان عام 2008 أن 9.9 في المئة من السكان قد عانوا من الاكتئاب خلال حياتهم. وفي المسح القومي للصحة النفسية في مصر عام 2017 تبين أن 25 في المئة من المصريين لديهم أحد الاضطرابات النفسية، وشكّل الاكتئاب 43.7 في المئة منهم، أي أكثر من عشرة في المئة من مجمل الشعب المصري.

وفي دراسة ميدانية لائتلاف الجمعية العاملة للصحة النفسية في المغرب عام 2016 تبين أن 48.9 في المئة من المغاربة عانوا من اضطرابات نفسية. وقال وزير الصحة السابق الحسين الوردي إن هناك ثمانية ملايين شخص يعانون من الاكتئاب في المغرب بما يعادل 22 في المئة من السكان. وفي عام 2009 قال الدكتور عبد الحميد الحبيب مدير الصحة النفسية في السعودية أن نحو 15 في المئة من السعوديين مصابون بالاكتئاب.

ورغم أن هذه النسب بالغة الارتفاع ولكنها أقل من الواقع، لأن التركيبة الاجتماعية في المنطقة العربية تتجنب التبليغ عن الأمراض النفسية مثل الاكتئاب لأنه يتحول إلى وصمة تلتصق بالشخص لبقية حياته، ويحاول المريض وأسرته عدم توثيقها في سجله الطبي. لكن انتشار الاكتئاب بهذا الشكل الواسع جعلت من السهولة ملاحظته في وجوه الكثير من أبناء المجتمعات العربية في الشوارع والأماكن العامة.

تنتشر في المجتمعات العربية ثقافة الكراهية تجاه كل ما هو مختلف قوميا أو دينيا أو ثقافيا

وهذا ليس مستغربا، فقد تضافرت جميع العوامل ليصل الإنسان العربي إلى هذه الحالة.. فعلى المستوى الاقتصادي تعاني أغلب البلاد العربية من انخفاض حاد في مستوى المعيشة وارتفاع غير مسبوق في نسبة المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر.

وقال تقرير البنك الدولي لعام 2018 إن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي المنطقة الوحيدة في العالم التي ارتفع فيها معدل الفقر المدقع بين عامي 2011 و2015.

وذكر التقرير العربي حول الفقر متعدد الأبعاد لعام 2017 والذي شمل عشر دول عربية لا تتضمن سوريا وليبيا ودول الخليج، أنه من بين 286 مليون هم سكان تلك الدول هناك 116.1 مليون "40.6 في المئة" يقعون في تصنيف الأسر الفقيرة، بينهم 38.2 مليون 13.4 في المئة في فقر مدقع "دون 1.90 دولار في اليوم"، وبذلك يقدم الوضع الاقتصادي سببا أوليّا للاكتئاب.

أما من الناحية السياسية فتقع الدول العربية، باستثناء تونس، تحت تصنيف الأنظمة التسلطية والهجينة. ويقع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في أسفل قائمة مؤشّر الديمقراطية عالميا، وفي هذا النوع من الدول لا قيمة للإنسان، ويشعر المواطن دوما بأنه مهمّش ولا أهميّة لرأيه، ويخضع للتضييق والمراقبة ويتعرض للإذلال في مختلف مراحل حياته لتعطيه هذه الأنظمة السياسية سببا آخر للاكتئاب.

ومن دون أن نتجاهل التركيبة الاجتماعية المغلقة، حيث تخنق الثقافة الدينية والتقاليد العشائرية الإنسان العربي، وتجعل كل هواية أو نشاط يدخل البهجة إلى القلب ممنوعا، فالرسم والنحت حرام، والسينما والمسرح انحلال، والرياضة غير مستحبّة والحب كبيرة الكبائر، وتضغط القيود الاجتماعية على المرأة أضعاف الرجل مما يجعل إصابتها بالاكتئاب أكثر حدوثا.

تعاني أغلب البلاد العربية من انخفاض حاد في مستوى المعيشة

كذلك تنتشر في المجتمعات العربية ثقافة الكراهية تجاه كل ما هو مختلف قوميا أو دينيا أو ثقافيا، وتجعل مناهج التعليم ووسائل الإعلام نظرية المؤامرة من المسلّمات، بحيث تتعاون العوامل الاجتماعية والثقافية لجعل الإنسان العربي غاضبا على الدوام ومهيئا للإصابة بالاكتئاب.

قد تكون الكثير من دول أميركا اللاتينية وأفريقيا ـ جنوب الصحراء فقيرة، ولكن الحرية الاجتماعية ووجود ثقافة تشجع على حب الحياة وتوفّر إمكانية للحب والإشباع العاطفي تترك للإنسان هامشا معينا من السعادة يستطيع التخفيف من ظروف حياته الصعبة؛ وقد تغيب الديمقراطية في الصين وروسيا، ولكن مواطنيها إذا ابتعدوا عن الأمور السياسية قد يجدوا أوقاتا من السعادة، فبإمكانهم ممارسة الكثير من الهوايات والاستمتاع بالحب الذي يعطيهم شعورا بالرضى.

حتى البلاد العربية نفسها لم يكن هذا حالها قبل بضعة عقود، قبل أن تتضافر جميع العوامل التي حرمت الإنسان العربي من كل شيء ولم تترك أمامه سوى الاكتئاب، من الانغلاق الاجتماعي والتزمت الديني إلى الانهيار الاقتصادي والحكم التسلّطي، ومع انتشار الاكتئاب إلى هذا المستوى الخطير وما نتج عنه من جرائم بحق النفس والآخرين أصبح عدم القيام بشيء جدّي وحقيقي لمعالجته بمثابة جريمة بحق مجتمع كامل، فالعلاج الدوائي لا يفيد في مثل تلك الحالات ولا بد من معالجة جذور المشكلة.

اقرأ للكاتب أيضا: قانون سيزر يفتح بابا للأمل

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG