Accessibility links

البعث ما يزال 'يُحطم' السُنة العراقيين


يلهوان خلال عيد الفطر في مدينة الموصل

رستم محمود/

أن يتابع المرء يوميا تفاصيل أعمال وقرارات وتوجهات وتحالفات النخب السياسية السُنية العراقية، ومن طرف آخر يعيش كل تفاصيل القواعد الاجتماعية لنفس الجماعة، الاقتصادية والتعليمية والصحية والعُمرانية والثقافية، فإنه سيصاب أغلب الظن بطاقة غير قليلة من العدمية، المتأتية من تراكب سوء الأحوال المُريع لأبناء هذه الجماعة، مع الكثير من فقدان الأمل بالنُخب السياسية المُمثلة لها.

تشبه المتابعة اليومية لتفاصيل أعمال السياسيين السُنة في العراق محاولة مسك السراب. يسعى المرء لأن يخط شجرة أو سياقا ما لأحوال وتحالفات وتوجهات واستراتيجيات هذه القوى السياسية، فلا يلقى إلا مزيجا مُسطحا من تهافت هؤلاء لعقد صفقات شخصية وتجارية ومالية وسياسية بالغة الصِغر، مُقارنة بما هو مأمول منهم.

يقفزون من تحالف سياسي لآخر، دون أي وجاهة عقلية وسياسية لذلك الانتقال؛ يُبدلون ولاءاتهم وارتباطاتهم مع القوى الإقليمية، تبعا لمصالحهم الشخصية والمالية؛ يسيّرون أكثر من خطاب سياسي في الوقت عينيه؛ لا يملكون أية استراتيجية لتوجهاتهم السياسية؛ وطبعا شديدو التنازع الشخصي فيما بينهم.

حطم البعث الطبقات الموضوعية التي تُنتج النُخب السياسية عادة، في أوساط العرب السُنة

التراجيدي في المسألة، أن نفس هذه النُخبة المُتسمة بكُل هذه الصفات، من المُفترض أن تُعبر عن جماعة أهلية وسياسية ومناطقية ـ العرب السُنة العراقيون ـ تحيا أوضاعا شديدة البؤس.

يعيش الملايين من هذه الجماعة خارج مناطقهم، فارين ونازحين ولاجئين، في مخيمات وظروف تعيسة. وحسب تقديرات مؤسسات إقليم كُردستان، فإنه ثمة 1.8 مليون عربي سُني نازح يعيشون في إقليم كُردستان، يُضاف لهم قرابة نصف مليون نازح في دول الجوار، ويوازيهم قُرابة نصف مليون آخر في باقي مناطق العراق. أي أن ما يقارب من ثلاثة ملايين نازح عربي سُني قد صاروا خارج بيئتهم، وليس ثمة أي أفق لإمكانية عودتهم عما قريب.

في نفس الوقت، فإن غالبية المناطق السُنية الشاسعة تعرضت لتدمير هائل في معارك القضاء على تنظيم داعش، دون أن يتحمل أحد ما مسؤولية إعادة إعمار هذه المناطق. فالعشرات من المُدن والبلدات ليس بها مواصلات وخدمات عامة صحية وتعليمية، خلا عن افتقاد الأمن وشح الموارد والاستثمارات العامة.

على سبيل المثال، تُشير تقديرات برنامج الأمم المُتحدة الإنمائي في العراق، وكذلك الصور المأخوذة من الأقمار الصناعية، إلى أن 15 منطقة/حيّ سُكاني من غرب مدينة الموصل، من أصل 54 منطقة، باتت مُدمرة بشكل كامل، و23 منطقة بحُكم المعطوبة، فيما 15 منطقة مُصابة بأضرار طفيفة.

♦♦♦

هذه النُخب السياسية السُنية العراقية هي الحصيلة الموضوعية للأرض البور التي تركتها الأنظمة البعثية العراقية، بالذات منها المرحلة الصدامية. فقادة البعث العراقيون، بالذات بعد انقلاب عام 1968 الشهير، اختصروا هذه الجماعة بذواتهم. فحسبهم، وطالما هُم يتزعمون العراق ويتحكمون به، فإن ذلك يعني بأن العرب السُنة هم حكام هذه البلاد، وفي جميع المستويات، فما حاجتهم إلى نُخب سياسية ذات توجهات أيديولوجية وسياسية وثقافية واجتماعية مُختلفة، طالما أن مسار وتوجهات البعث يوفر لهم سُدرة ما يتطلعون إليه.

امتلك البعثيون العراقيون حساسية خاصة من مُجتمعاتهم المحلية، من إمكانية تمكن نُخبة سياسية ما من جذب ولاء هذا المُجتمع. فالعرب السُنة فيما لو اصطفوا وراء أية نُخبة أو تنظيم ما، ستكون محاولة الانقلاب على الحاكمين جاهزة الأركان، وهو ما جرى فعليا طوال تاريخ العراق الحديث، منذ انقلاب عبد الكريم قاسم الشهير وحتى سقوط نظام صدام حسين.

كان البعثيون العراقيون متأكدين من قُدرتهم على محق أية مُعارضة سياسية عراقية من خارج بيئتهم، شيعية كانت أم كُردية، يسارية كانت أو إسلامية، عبر أفظع المجازر والجرائم إن لزم الأمر. لكنهم في الوقت عينه كانوا متأكدين من استحالة فعل ذلك ضد البيئة العربية السُنية فيما لو اصطفت ضدهم. فمن طرف لن يتمكنوا التعبئة ضد البيئة التي ينحدر منها أغلب ضباطهم وقادتهم العسكريون، ومن طرف آخر لا يستطيعون تشييد عصبية طائفية وقومية مُناهضة لها، مثلما تمكنوا بسهولة من فعل ذلك في مواجهة الكُرد والشيعة أكثر من مرة.

لأجل ذلك، فإن تصحير البيئة السُنية العراقية كان الحل المثالي بالنسبة لهم. وطوال عقود، إما أن تكون بعثيا ومُلتزما بخيارات النظام الحاكم، أو أن تُمحق. ولعقود كثيرة، خلت البيئة السُنية من أية نزعات أو تنظيمات سياسية، ولو بحدودها الجنينية، لا يسار ولا إسلام سياسي ولا ليبرالية ولا زعامات محلية ولا وجهاء قديرون، ولا حتى قوميون غير بعثيين.

ساعد البعث في ذلك، صعوبة بناء عصبية سُنية عراقية مناهضة للبعث، مثلما كان مُتاحا وسهلا في البيئتين الشيعية والكُردية. فنسبة غير قليلة من القوى الاجتماعية والاقتصادية والبيروقراطية السُنية العراقية كانت تُبادل البعث تواطؤه وحساسياته، كانت تعتبر النظام الحاكم إنما هو نظامها، الذي يوفر لها مكانة متمايزة عن باقي العراقيين، وأن أية محاولة لمُناهضة نظام الحكم، من قبل قوى سياسية ما، وبالذات ضمن مجتمعها السُني، إنما هي تستهدفها أولا.

♦♦♦

الخطاب البعثي العمومي، كان عمرانا غولا من الأساطير وقصائد الجماعات المُتخيلة وأوهام الماضي التليد، مع إغراء الوعود الخلّبية، ذلك المزيج من القومية التي لها رسالة خالدة والقائد البطل والطائفة/السيّدة والجماعة المركزية وذاكرة متخمة باعتزاز واعتداد الجماعة الفائق بنفسها.

قضى ذلك الخطاب، على إمكانية توطين الجماعة السُنية العراقية لنفسها، أو تعريقها لنفسها بمعنى ما. خلق صعوبة أولية وتأسيسية لأن تندمج هذه الجماعة وترضى بعالمها الموضوعي ضمن الدولة والمجال السياسي العراقي، في قُدرتها على التحول من جماعة خُرافية إلى تشكيل سياسي، حسب معايير بنديكت أندرسون.

عراقية مع ولديها في المدينة القديمة في الموصل
عراقية مع ولديها في المدينة القديمة في الموصل

إذ يُمكن رسم خط مشترك وواضح بين منطق وتوجهات واستراتيجيات ساطع الحُصري، الذي أسس النظام التربوي والهوياتي الأول للدولة العراقية الأولى في أوائل عهد الملكية العراقية، الذي كرس تمايز الجماعة العربية السُنية العراقية وأسطرها في النُظم التربوية والعقائدية والسُلطوية العراقية، ويصل ذلك الخط لأيديولوجية وسياسات وتوجهات مُطابقة سار عليها البعث طوال عقود حُكمه الكثيرة، وأن يصل ذلك الخط للخطابات والفضاءات العمومية التي مشت عليها المُخيلة الداعشية فيما بعد.

في جميع تلك المراحل، كان ثمة ما هو أكبر من العراق وأكثر أهمية، حسب رؤية الأطراف التي بثت ذلك الخط جيلا بعد جيل. كان التشييد للذات العُظمى يسير على قدم وساق، مقابل الاستخفاف والشعور بدونية الجماعات والتكوينات العراقية الأخرى، باعتبارها ما دون الجماعة الرئيسية المركزية، مكانة ودورا ومهام تاريخية.

فعل ذلك التأسيس البعثي الكثير من الأشياء بالجماعة العربية السُنية، لكنه بالدرجة الأولى أفقد نُخبتهم السياسية القدرة على القبول والاعتراف والتعامل الوقائع والحقائق الموضوعية، العراقية منها أولا، خصائصها وتوازناتها وتحولاتها.

تصحير البيئة السُنية العراقية كان الحل المثالي بالنسبة للبعثيين

هذه الخرافة الأيديولوجية البعثية حول مكانة العرب السُنة العراقيين، أفقدت نُخبهم السياسية القدرة المنطقية على تحديد منبع مُشكلتهم ودروب حلها الموضوعية. فمن انسياق تام وراء عبارة عدمية بعد العام 2003 تقول "كُل ما بُني على باطل فهو باطل"، إلى عدم اعتراف مقيت بأهوال وحقائق زمن حُكم البعث أثناء مُحاكمة صدام حسين، مرورا بثقة عمياء بقدرة النظام السوري على دعمهم لاستعادة ما فقدوه من سلطة وحكم بعد العام 2003، وإن عبر العمليات الانتحارية والعصابات الإرهابية، وليس انتهاء بأوهام قدرة داعش على خلق توازن مع قوى الإسلام الشيعية. عبرت كُل تلك المراحل والأحداث وتفاعلات النُخب السياسية السُنية العراقية معها، عبرت عن مدى تدهور منطق هذه النُخب السُنية للتعامل الموضوعي والعقلاني مع مُجريات الحياة السياسية ووقائعها.

عاش الأكراد والشيعة العراقيون أحوالا أفظع مما عاشها العرب السُنة العراقيون بعد العام 2003، لكن نُخبهم السياسية لم تنجر يوما إلى أشكال الجنون السياسي التي مثل تلك، والسبب الأساس وراء ذلك، كان غياب أساطير البعث المهولة حول الذات لدى هذه الجماعات، كما للعرب السُنة العراقيين.

♦♦♦

أخيرا، فإن البعث حطم الطبقات الموضوعية التي تُنتج النُخب السياسية عادة، في أوساط العرب السُنة.

فطوال عقود، طيّف البعث العرب السُنة العراقيين إلى ثلاث مجموعات مُترابطة، واحد متمركز حول الجيش، حيث كان ينحدر مئات الآلاف من الضُباط وصف الضباط وعناصر أجهزة الاستخبارات من تلك البيئة، كانت الخيار الأول والأسهل والأكثر رحابة وجذبا لغالبية أبناء المُجتمعات السُنية، الريفيين منهم بالذات. يوازيهم عدد مُشابه من الذين كانوا ينخرطون ويحتكرون الجهاز البيروقراطي للدولة العراقية، خصوصا في المؤسسات والقطاعات الأعلى مدخولا، مثل النفط والتجارة العامة. وكان ثمة حيز ثالث كان يشتغل في عالم حزب البعث، الذي كان جهازا ضخما بمئات الآلاف من الأعضاء الموثوقين من تلك البيئة، شُغلها الشغال هو احتلال ومُراقبة الفضاء العام في مُختلف مناطق العراق.

كانت تلك الطبقات الثلاث العصب الرئيسي والأكثر حيوية ضمن المُجتمع السُني العراقي، لكنها كانت بشرط أولي ومُطلق، ألا وهو التخلي عن الحيوية والفاعلية. فهذه الأحياز كانت مُتمركزة حول الدولة، أو بمعنى أدق حول السُلطة. لأجل ذلك بالضبط، فإنها انهارت تماما في لحظة انهيار هذه السُلطة/الدولة بعد العام 2003، ولنفس السبب، فإنها كانت جاهزة لأن تكون طيعة وراغبة بتلقي التعليمات من أية سُلطة أخرى، سواء كانت دول وأنظمة إقليمية تُتاجر بها، أو قوى مُتطرفة أو حتى أحزاب غير مُنبعثة من بيئتها.

اقرأ للكاتب أيضا: الساروت وسيرة مُغادري الثورة السورية، أو مغادرتها لهم

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG