Accessibility links

بعد فيديو الطالبتين المثير للصدمة.. ما هي "البيزوطاج" في المغرب؟


تشمل طقوس البيزوطاج مقالب يجريها مع بداية كل موسم جامعي الطلاب القدامى على الملتحقين الجدد

فاصمة بوغنبور- الرباط

أثار مقطع فيديو من بضع ثوان يظهر تعرض طالبتين لعنف وضرب أسفر عن نقلهما لأقسام الطوارئ في أحد المستشفيات المغربية، جدلا وغضبا في المملكة.

الفيديو يوثق لتطور عنيف في ما يسمى البيزوطاج (bizutage)، وهي كلمة فرنسية لمجموعة من الممارسات والاختبارات التي ترمز إلى تكامل الشخص داخل مجموعة اجتماعية معينة مثل المدارس والجيش.

تلك الممارسات، تشمل أعمالا من المعاكسة والمشاكسة والمقالب يجريها مع بداية كل موسم جامعي، الطلاب القدامى لاستقبال الطلبة الجدد بهدف إدماجهم سريعا في أجواء الحياة الجامعية وإزالة مشاعر الرهبة والخوف من نفوسهم، بينها رشق بالبيض والدقيق وحفاظات وطلاء أظافر للذكور.

جواد فضلي طالب في أحد معاهد مدينة أغادير جنوبي المغرب، يقول إن طقوس البيزوطاج أو ما يسمى أيضا أسبوع التعارف، عبارة عن أنشطة فنية ورياضات لا يحدها خيال أو تفكير نحضر لها عادة طوال الفترة الصيفية عبر مجموعات مغلقة في مواقع التواصل الاجتماعي نطرح، فيها أفكارا مقالب وأنشطة طريفة بهدف الترفيه وبداية السنة الدراسية بطاقة إيجابية ومحو الحدود النفسية بين الطلبة الجدد والقدامى.

وقد تنظم مثلا مباراة كرة القدم أو كرة اليد يرتدي خلالها الطلبة الجدد ملابس نسائية أو حفاظات أطفال، ويرشقون بالدقيق والبيض وعصير الطماطم وتطلى وجوههم باللون الأحمر ويتعرضون لحلق قسري لشعرهم بأشكال مضحكة. أو يغرقون في برك من الوحل معصوبي الأعين وغير ذلك من أشكال البيزوطاج.

ضحية البيزوطاج

لكن هذه الممارسات تطورت في حالة الطالبتين اللتين ظهرتا في الفيديو المذكور ورفضتا أن يمارس عليهما البيزوطاج، إلى عراك وعنف.

طالبة هندسة في السنة الأولى بإحدى المدارس العليا في العاصمة، بثينة الفارسي، حكت للحرة ما جرى لها في اللقطات المصورة.

وقالت "حين عبرت عن رفضي المشاركة، انهالت علي الضربات وأصابني ضيق في التنفس وأغمي علي، وحين استفقت وجدت نفسي في المستشفى بكدمات وجروح".

وتابعت أن "والديّ أصيبا بحالة هلع لهذا لا أفهم كيف سيكون العنف وسيلة إدماج، جميل أن تكون هناك أنشطة فنية لاستقبال الطلبة الجدد فهو في حد ذاته هدف جميل ونبيل، لكن ينبغي تقنينه حتى لا يتحول إلى فرصة لأقلية تعبر فيه عن عقدها النفسية ومكبوتاتها بتخويف وضرب الأجيال الجديدة".

تحولات الظاهرة

تاريخ الظاهرة وتحولاتها تؤشر لاندحار في القيم، على حد وصف الخبير التربوي أحمد العمراوي، الذي قال للحرة إن البيزوطاج كانت ظاهرة صحية قبل سنوات، لكنها تحولت إلى عنف وعراك ومشادات.

وتابع أنها تاريخيا ظهرت بداية في الجيوش حيث يخضع الجنود القدامى الجدد لمقالب وطرائف وتمارين رياضية عنيفة بهدف إدماجهم في النظام العسكري وإكسابهم الجرأة والشجاعة والقدرة على المواجهة من دون خجل، ثم انتقل هذا الطقس إلى الجامعات والمدارس في أوروبا ووصل إلى المغرب مع فترة الاستعمار الفرنسي.

وأضاف الخبير التربوي أن جنوح هذا الطقس نحو العنف والمبالغة، مؤشر على اندحار في القيم وفشل المدرسة في دفع الطالب إلى استعراض عضلاته الفكرية في النقاش والمحاججة بدل استعراض العضلات على من يقل عنه بقليل سنا وتجربة.

مؤشرات هذا التحول، وفق العمراوي، توجد أيضا في مرحلة التعليم الثانوي في حالات عنف واعتداء على الأصغر سنا لكن بشكل فردي، إلا أنها أخذت في الجامعة والمدارس العليا شكلا جماعيا منظما يحمل اسم البيزوطاج.

الخبير التربوي في التعليم والباحث في المركز العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية في الرباط، رشيد أوراز، ربط خلال حديث مع الحرة، ما سجل من مشاهد عنف في بعض مقاطع فيديو البيزوطاج، بالعنف في المجتمع والأحياء والمدرسة وطقوس عاشوراء التي تستعمل فيها مفرقعات وألعاب على شكل سيوف وأسلحة، بل حتى إلى مخططات التعمير الحضرية ووجود أحياء عشوائية داخل المدن ولدت حقدا وعنفا وظواهر مثل الاعتداء بالسلاح الأبيض.

وأوضح أن كل ذلك انعكس على الأوساط الجامعية والمدرسية، معتبرا أن المخططات الحكومية الأخيرة انتبهت إلى أهمية الحد من العنف في الأوساط التعليمية في خطط إصلاح المنظومة التربوية، وتتجلى ذروة العنف الجامعي في نظره ليس في البيزوطاج بل في الصراع الأيديولوجي للفصائل الطلابية في الجامعات "إسلاميين ويساريين"، على حد تعبيره.

طلبة يدافعون عن طقسهم

جدل البيزوطاج الذي أسال مدادا كثيرا بعد انتشار فيديو الاعتداء على الطالبتين، عرف أيضا مدافعين عنه رفضوا اعتبار العنف قاعدة فيه. وقال نبيل النويني رئيس جمعية مهندسي المدرسة الوطنية للصناعة المعدنية، "علينا تغيير هذا الاسم والحديث عن إدماج طلبة السنة الأولى بصيغ وأشكال جديدة تضمن كرامة الطلبة ومن دون تجاوزات أو تعنيف".

المناوشات واردة جدا. هي فقط ثورة التكنلوجيا وشبكات التواصل الاجتماعي منحت الأمر أبعادا أخرى مبالغا فيها أحيانا وجدلا لم يتحقق فيه الرافضون من أهداف وأصل الفكرة التي تتطلب يسرا وليونة واحتراما للآخر دون تجاوزات، حسب النويني.

"مسرح الفيديو محط الجدل"

تنسيقية الطلبة المهندسين في المغرب، تفاعلت مع الجدل المثار حول البيزوطاج بعد أن تحول إلى قضية رأي عام.

وأصدرت بيانا تدين فيه كل أشكال العنف الجسدي والمعنوي، وجاء فيه "أن ما يقع يعطي انطباعا للمتتبع البعيد أن هذا هو الوضع الطبيعي للمعاهد والمدارس العليا لتكوين المهندسين بالمغرب، وأن الطلبة الجدد يُستقبلون بأبشع أنواع العذاب النفسي والجسدي، خاصة مع ما تم تداوله من معطيات نسبية عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الصحفية، وما تلى ذلك من استفسار مقدم من طرف إحدى الفرق النيابية بالبرلمان إلى وزير التربية الوطنية والتعليم العالي".

واستنكر البيان ما وصفه بـ"حملة التشويه التي تتعرض لها المدارس والمعاهد العليا لتكوين المهندسين، عبر اعتبار أن هذه الممارسات الطارئة هي الأصل وأنها طقوس ملزمة لكل الطلبة الجدد، وهذا مخالف للواقع".

وأكدت التنسيقية أن مدارس التكوين الهندسي تعرف قضايا أكثر إلحاحا وحاجة لاهتمام ممثلي الأمة، وعددت بعضا منها مثل "اختلالات البنى التحتية والحيوية بهذه المؤسسات، ونذكر على سبيل المثال الحريق الذي كاد أن يودي بحياة عشرات من الطالبات السنة الماضية بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، و التسمم الغذائي الذي راح ضحيته عشرات من الطلبة بالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي، أو غياب المطاعم الجامعية بالمدرسة الوطنية العليا للمعلوماتية، وتحليل النظم بالرباط والمدرسة الوطنية العليا لأساتذة التعليم التقني، أو الأسقف التي سقطت بمؤسسات أخرى ولولا الألطاف لكانت الكارثة".

XS
SM
MD
LG