Accessibility links

التداعيات المقلقة للتحولات في الكسب المعرفي (3): التسطيح في التاريخ، مادة ومنهجا


العودة إلى اللسانيات تأتي في سياق دعم الاكتشافات التنقيبية

بقلم حسن منيمنة/

التواجد الواسع النطاق لجميع المواد العلمية على الشبكة العالمية يضع المعرفة في متناول الجميع، ولكنه كذلك يسطّحها ويساوي فيها بين الغثّ والسمين. وفي حين أن الفائدة هنا تتجاوز الضرر، فإن الحاجة ماسة إلى تطوير أدوات الاستهلاك المعرفي، بما يجلب المصلحة ويدفع المفسدة في المواضيع التي كانت إلى أمس قريب تشكل أساسا مشتركا للخطاب الجامع، وفي التاريخ خاصة.

ليس أن التوافق كان متحققا في القراءات التاريخية، بل هي كانت كما هي عليه اليوم متعددة بحكم التباعد العقائدي والاختلاف بالمنطلقات. على أن طبيعة الدورة المعرفية لدى التوجهات الفكرية، على تباعدها كانت بالأمس عالية التجانس في اقتصارها شبه الكامل على مرجعية النص التاريخي.

السعي إلى تغليب قراءة تاريخية، وما يؤسس عليها من مواقف سياسية وعقائدية، لا يتم من خلال حرمان ما ينافسها من إمكانية الإفصاح والإشهار

ولا يزال التاريخ، كمادة بحث ودراسة، في عموم المحيط العربي إلى اليوم، خاضعا لسطوة النص. بل يبدو، في الاستعمال المعتمد، وكأن التسليم بتبعية التاريخ للنص من باب تحصيل الحاصل. فمهمة المؤرخ، كما هي راسخة في الفكر الشائع، هي جمع النصوص والتوفيق بها وتهذيب رواياتها، أو ربما، في إطار الارتقاء بالعلم وعصرنته، نقدها وتفنيدها، بل البناء على غريبها لتقديم قراءات "انقلابية" لها.

في ما يتعدى الطروحات العقائدية الفجة، والتي تقدم بلهجة التقرير القطعي (مثل إسقاط صفة العربية على العديد من شعوب المشرق، الكنعانيين والآراميين والآشوريين)، فإن أبرز المحاولات "الانقلابية" الجدية التي شهدتها الساحة العربية قد تكون مشروع المؤرخ الراحل كمال الصليبي تحدي مسلمات "الكتاب المقدس" في كتابه "التوراة جاءت من جزيرة العرب" وما تلاه من أبحاث توالت في ثمانينيات القرن الماضي، إذ تضع الأسفار والأخبار الكتابية في سياق مكاني وزماني جديدين، خارج المشرق، في منطقة عسير الواقعة اليوم في الجنوب الغربي السعودي.

اقرأ للكاتب أيضا: التداعيات المقلقة للتحولات في الكسب المعرفي (2): ضياع المرجعية العالمية السياسية

تضمن منهج الصليبي في مشروعه هذا أقصى الاجتهاد في القراءة، ولكنه لم يخرج عن إطار التسليم بسلطان النص في استشفاف الحقيقة التاريخية، وإن اعتمد إعادة قراءته. أي أن الصليبي لم يسائل النص، بل ساءل قراء هذا النص السابقين. وفي حين أن مقولته قد حازت على الاستحسان في بعض الأوساط، وجرت محاكاتها وتوسيعها خارج إطار القواعد التي حاول هو نفسه إرساءها، فإنها لاقت الإهمال خارج الإطار العربي. ليس لأنها تنقض الطرح الصهيوني، كما يصر المتحمسون لها، بل لأنها تندرج ضمن مجموعة واسعة من المحاولات الانقلابية في قراءة التاريخ موجهة، بصيغة تتراوح من الترفيه إلى التلويح بالمؤامرة، إلى عموم الجمهور القارئ في الغرب خارج الضوابط والمعايير العلمية التي رست عليها الدراسات التاريخية.

فسوق الكتب في الغرب متخمة بالمؤلفات ذات الطابع الفكري الانقلابي، والتي تتوسع دون قيد في سبر مفترض لأغوار التاريخ للكشف عن حضارات عظيمة مجهولة، وعن قارات كانت تملأ هذا المحيط أو ذاك قبل أن تغرقها الزلازل والكوارث، وعن كائنات فضائية وفدت إلى الأرض واستعمرتها وتوهم الإنسان البدائي أنها آلهة. بل إن "الكتاب المقدس"، على أهميته المركزية في البنية الفكرية الغربية، هو مصدر استلهام رئيسي لهذه التأملات التي تعفي نفسها من الحاجة إلى الدليل الجدي.

فالتاريخ كمادة للبحث في الغرب، تدرّج من سابق الاعتماد المطلق على النص في اتجاهين، كلاهما "نقدي"، أي مسائل للمسلمات؛ أولهما، والمشار إليه أعلاه، يساير الرغبات العقائدية والأهوائية في سوقه أو مجتمعه، والثاني، وهو الصارم في جديته، يحاور النص بما هو خارجه وفق أساليب محكمة متدرجة.

وكان الاعتماد في المراحل الماضية، ضمن هذا الاتجاه المحكم، على التقدم الحاصل في التنقيب على الآثار، والذي أصبح من الممكن معه التحقق من صحة بعض تفاصيل الروايات النصية من جهة، وإعادة رسم أوجه عديدة من الحياة اليومية الغابرة والتي لم تحظَ بالتدوين من جهة أخرى. كما برزت منهجيات التاريخ الشفهي والتي تحاول ملء الفجوات، الطارئة والمتعمدة، في الرواية النصية من خلال استدعاء الذاكرة الفردية والجماعية، مع الإقرار بصعوبة فرزها وموازنتها.

وانضم إلى ذلك في العقود القليلة الماضية تثمين اللسانيات كمستودع ضخم للمادة التاريخية الخفية، والتي يمكن عبر الجهود الدقيقة الاستفادة منها لتوضيح المسار المكاني والزماني والإطار البيئي والاقتصادي للمجتمعات المتتالية. وآخر الأدوات الرئيسية التي تضيف إلى البحث التاريخي كمّا ونوعا هي تضافر البيانات الناتجة عن تقصي الأنساب الوراثية، من خلال تحليل الحمض النووي للأفراد، بما يفتح إمكانيات واسعة لاستقراء تاريخي بأعماق زمنية لم تكن واردة من قبل.

كي لا تمسي نعمة الاختلاف نقمة خلاف، لا بد من السعي إلى انتشال التاريخ من مصابه الحالي في التسطيح مادة ومنهجا

لم يشهد السياق العربي تدرجا في استيعاب هذه المنهجيات، بل بقيت غائبة بالكامل تقريبا عن الجهد التأريخي المحكم. وباستثناءات قليلة من الأبحاث الجامعية الرصينة، على ندرتها، فإن أوجه الاستفادة من التقدم في هذه المجالات الإضافية في البحث التاريخي لم تجد سبيلها من خلال الممارسة المنتجة إلى التداول الفكري العربي. غير أنها اليوم، وبفعل توفرها الآني عبر الشبكة العالمية، متاحة للاستعمال الفوري، مع غياب المعايير.

فهذه الأدوات المستحدثة، في منشئها الغربي، تبقى ابتدائية في تفاصيلها، ظنّية في أحكامها بأحسن الأحوال. فالعودة إلى اللسانيات مثلا تأتي في سياق دعم الاكتشافات التنقيبية، إذ هذه بدورها تساند فرضية تاريخية ما، وتدرج جميعا على أنها تفيد الظن وحسب. أما في السياق العربي، فيميل استعمالها الطارئ إلى إعلان مطلق علميتها، واعتبار مجرد استدعائها حجة وافية يتحقق معها اليقين.

والمسألة هنا تتجاوز الأبعاد الفكرية والنظرية. فالاتهامات في موضوع الأزمة الخليجية مثلا تشمل مسعى أحد الحكام إلى زعم الأفضلية لقبيلته من خلال جمع بيانات الأنساب الوراثية، الناتجة عن تحليل للبيانات الفردية للحمض النووي لأفرادها وغيرهم في محيطها، وذلك في ترقب لتبديلات مستقبلية في تشكيلة الأسر الحاكمة. يذكر هنا أن جهودا مماثلة كانت قد بذلت لاستشفاف الارتباط الوراثي وبالتالي التاريخي لليهود المعاصرين ببعضهم البعض وبالمنطقة المشرقية. على أن الإقرار بأن النتائج هنا لم تأتِ موافقة للفرضية بالكامل كان ممكنا ضمن هذه الجهود الأخيرة، لاعتمادها المنهجيات العلمية الصادقة.

فالفكر النقدي وجد سبيله إلى القراءات التاريخية في الوسط العربي، ولكن من باب الفعل الفكري غير المقيّد، لا في إطار المنهجيات المحكمة. أي أن الصيغة القديمة كانت نصا ومعالجة فكرية تنطلق على الغالب من تصديقه، فيما الصيغة الجديدة هي النص عينه، ولكن مع معالجة فكرية تميل إلى التشكيك به أو تكذيبه.

سلطان النص، والذي فرضته الظروف على الغرب قبل أن تسائله المنهجيات الجديدة، يبقى في الإطار العربي سيدا، يحبّذه من يخشى أن تطال المنهجيات النقدية الأساس النصي الديني، ومن يسعى إلى نقد هذا الأساس على حد سواء.

وإذ ليس ما يدعو، من حيث مبدأ حرية البحث والتقصي، إلى تجنيب المادة النصية الدينية المتابعة والتمحيص، فلا بد من الإقرار بأن بعض النقد الموجّه للنصوص الدينية، كما بعض مساعي إعادة قراءتها، يندرج في إطار المجادلات السجالية. ثمة تكافؤ حاصل هنا، في الأدوات والأساليب والمنهجيات بين الجانبين، والنتيجة هي القليل النادر من تبديل وجهات النظر والكثير الوفير من تعميق الهوة وتشديد الاصطفافات.

مع الواقع الحالي لتوفر المادة المعرفية، لا عودة البتة إلى إمكانية الإرهاب والإخراس

يستطيع نقّاد الفكر الديني المتشدد أن يشيروا إلى أهمية النجاح المتحقق من انفتاح وسائل الكسب المعرفي، والذي حرم خصومهم من قدرتهم السابقة على التكميم والإسكات.

ولا شك أن الإرهاب الفكري كان عاملا على سبيل المثال في لجوء الأب يوسف القزي إلى الاسم المستعار حين أقدم قبل بضعة عقود على سلسلة من المساءلات للمرحلة التأسيسية للإسلام، رغم ان اختياره يعرّضه للتشكيك إذ يبدي الجهد وكأنه لمسلم يبحث عن الحقيقة، ولكن المادة نفسها اعتمدها المفكر اللبناني مصطفى جحا، ناقدا ومفنّدا ومتحديا. وكان بالإمكان مواجهة مقولات كل من القزي وجحا بالحجة، ولا سيما أنهما معا بقيا أسيرين للنص ولم يخرجا عن إطلاقيته، كما فعل الصليبي. ولكن بدلا من أن يكون الرد على التحدي الفكري بالطرح المضاد، كان الطعن بالرجل دون الطروحات من نصيب القزّي، وكان على مصطفى حجا أن يقضي شهيدا لحرية الفكر والقول.

اقرأ للكاتب أيضا: التداعيات المقلقة للتحولات في الكسب المعرفي (1): ما هو مصير الكتاب العربي؟

أما اليوم فالمساحة المتوفرة لحرية القول أوسع دون شك. ولكن السؤال هنا حول الجدوى من مواجهة فكرية تبقى عند حدود النص والرأي. ربما أن وفرة المادة على الشبكة العالمية قد أسقط كهنوت البحث العلمي، ولكنه كذلك سطّح المضمون وقضى على المرجعيات المعتمدة. أي أنه أتاح المجال لتقوقع فكري ينتج عن مضاعفة الاصطفافات. وكل من القبائل الفكرية المتشكلة يركن إلى فضائه الخاص للاستزادة من المادة التي ترضيه، ثم يعمد إلى الإغارة على القبيلة الأخرى في موقع التواصل الاجتماعي. الحجة والإقناع ليست العملة المتداولة هنا، بل البلاغة في الطعن وتسجيل النقاط. والنتيجة ليست وحسب اختلاف في وجهات النظر وتباعد في القراءات، بل انتفاء المادة المشتركة التي تشكل أساس القراءة.

مع الواقع الحالي لتوفر المادة المعرفية، لا عودة البتة إلى إمكانية الإرهاب والإخراس. والسعي إلى تغليب قراءة تاريخية، وما يؤسس عليها من مواقف سياسية وعقائدية، لا يتم من خلال حرمان ما ينافسها من إمكانية الإفصاح والإشهار. ولكن، كي لا تمسي نعمة الاختلاف نقمة خلاف، لا بد من السعي إلى انتشال التاريخ من مصابه الحالي في التسطيح مادة ومنهجا عبر الاستفادة من الأدوات والوسائل المتوفرة خارج إطار المبارزة الشكلية.

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG