Accessibility links

التعامل العربي مع مخطوطات البحر الميت: الإنكار (1/2)


تم اكتشاف بين 800 و900 مخطوطة يعود تاريخها إلى الفترة بين عام 150 قبل الميلاد و70 ميلادي

د. عماد بوظو/

في أوائل عام 1947 ألقى راعي بدوي، اسمه محمد التعامرة، حجرا على مغارة مرتفعة في منطقة قمران شمال غرب البحر الميت فسمع صوت تحطم وعاء فخّاري. عاد في اليوم التالي مع أحد أصدقائه وتسلّقا إلى المغارة ليجدا عددا من الأواني الفخارية في داخلها سبعين مخطوطة ملفوفة، منها سبع مخطوطات كاملة من الجلد وورق البردي وبعض القصاصات. وعند اهتمام المتعاملين بالآثار بهذه المكتشفات بدأ التنافس بين السكان المحليين وسلطات الآثار الأردنية للبحث في بقية المغارات، الذي انتهى باكتشاف بين 800 و900 مخطوطة يعود تاريخها إلى الفترة بين عام 150 قبل الميلاد و70 ميلادي.

تضمنت مخطوطات البحر الميت كافة أسفار العهد القديم باستثناء سفر إستير. وكان سفر أشعيا كاملا ضمن هذه اللفافات ويتطابق مع النسخة المازورية التي يعود تاريخها لأوائل القرن العاشر الميلادي، بما أكّد على الدقة التي تميز بها نسّاخ العهد القديم حتى تمكنوا من المحافظة على نصوصهم المقدسة دون تغيير لألف عام. كما تضمنت المخطوطات نصوصا دينية تقليدية من خارج الكتاب المقدس، وتفاسير للكتاب المقدس.

هذه الحقائق التي كشفتها مخطوطات البحر الميت لا تتناسب مع الخطاب القومي العربي السائد

كتبت 80 في المئة من مخطوطات البحر الميت باللغة العبرية و17 في المئة باللغة الآرامية اللغة الأم للعبرية والعربية وكتب قليل منها باليونانية، بما يوضح أن وقوع هذه المنطقة في قلب العالم القديم جعلها مكانا تتداخل فيه عدة شعوب، وما زال هذا التنوع مستمرا إلى اليوم ولا بد من القبول به كبديل عن الصراعات والحروب.

كتب لفافات البحر الميت طائفة يهودية تدعى "الأسينيين"، ظهرت بين القرن الثاني قبل الميلاد والأول الميلادي انشقت عن الطائفتين اليهوديتين الرئيسيتين: الصدوقيين وهم أصحاب الامتيازات والأكثر تعاونا مع الحكم الروماني، والفريسيين وهم المحافظين الأقرب إلى الشعب.

وعاشت جماعة الأسينيين حياة زهد وفقر طوعي وطهارة، وذكر المؤرخ يوسيفوس فلافيوس أنهم تواجدوا في تجمعات كبيرة وأن عددهم كان بالآلاف، وحدّد المؤرخ الروماني "بيليني الأكبر" أماكن تواجدهم في الصحراء شمال غرب البحر الميت مكان العثور على اللفائف.

ارتبط اسم الأسينيين بالتقوى والصمت والاغتسال كل صباح والتطهّر قبل الأكل، وكانوا يعيشون على ما ينتجونه بدون ملكية فردية، ويلبسون اللون الأبيض، في طريقة قريبة من نظام الرهبنة الذي انتشر فيما بعد في الديانة المسيحية.

وعندما حدث زلزال في منطقتهم عام 31 قبل الميلاد تفرق الأسينيون وذهب بعضهم إلى دمشق ثم عادوا بعد زمن، وعاشوا بانتظار قدوم "المسيّا"، واشترك الأسينيون في الثورة اليهودية ضد الرومان عام 66 ميلادي والتي انتهت بخراب الهيكل عام 70 ميلادي وزوال هذه الطائفة.

أحد المختصين يعمل على جزء من مخطوطات البحر الميت
أحد المختصين يعمل على جزء من مخطوطات البحر الميت

كما احتوت اللفافات على مجموعة نصوص خاصة بجماعة قمران، فيها شرح لعقيدتها وسلوكها وحياتها، وهي:

ـ ميثاق الجماعة، تضمّن شروط الانضمام إليها والاحتفال الذي يرافقه، وعقوبات من يخالف نظامها أو يفشي أسرارها، ثم الشرائع وأسس الدعوة ومبادئ التوبة وكيفية التخلي عن المال والشرور، وواجب الطاعة والدراسة الدائمة عند الأعضاء ونصاب الاجتماع، والمجتمع اليهودي المثالي.

ـ مخطوط حرب أبناء النور وأبناء الظلام، وجد بحالة ممتازة في المغارة الأولى وتكلّم عن حرب وشيكة سيخوضها أبناء الجماعة بعد عودتهم من صحراء الأمم في دمشق حيث سينصرهم الله بملائكته وجنده ليقضوا على أعدائهم من أبناء الظلام مع شرح تفصيلي للخطط والأسلحة والتعبئة.

ـ مخطوطة لامك: تبدأ بسماع لامك لأباه أخنوخ ينذر عشيرته بقرب نهاية العالم، وضم هذا المخطوط أيات من سفر التكوين كتبت بالأرامية التي كانت لغة اليهود وقتها، وتتضمن تكرارا لقصة الخلق مع إضافات مثل التساؤل حول ولادة نوح الإعجازية بتناسل البشر مع أنصاف الملائكة.

ـ مزامير التسبيح والشكر "هودايوت"، وجدت بحالة سيئة وهي قريبة جدا من مزامير التوراة وتتوافق مع عقيدته ويبدأ كل نشيد فيها بأني أمجدك أدوناي، وتتضمن محاولات مناوئي معلم الجماعة إثناؤه عن شريعة الرب.

ـ الوثيقة الدمشقية "سفر عهد دمشق"، عثر في قمران على 12 جزءا من سفر عهد دمشق القاهري الذي عثر عليه عام 1890 في معبد بن عزرا في القاهرة، تتحدث هذه الوثيقة عن مجموعة من كهنة أورشليم أسست حزبا في دمشق أطلقت فيه على رئيسها اسم المعلم البار، ثم عادت لأورشليم بالاتفاق مع نظرائها في قمران، وتضمّن عهدها نقدا للفرق الدينية التي انعزلت عنها الجماعة، وأطلقت الجماعة على نفسها في عهد دمشق اسم أبناء العهد الجديد، أو البناؤون الجدد، وتضمن عهد دمشق شرحا عن طريقة تدوين الأسفار المقدسة وكيف خصص لها الأسينيون قاعة وموائد ومقاعد محددة مزودة بمغاسل للتطهّر قبل أداء الشعائر وتدوين الأسفار بما فسّر سبب الدقّة التي ميزت عملهم.

هذه الكمية الكبيرة من المعلومات التي وفّرتها مخطوطات قمران جعلتها من أهم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين، فقد أكدت بالدليل التاريخي حقيقة وحجم الوجود اليهودي في البلاد المقدسة كمكون رئيسي في نسيج المنطقة، وأعطت صورة عن التطور التاريخي للديانة اليهودية عموما.

فجماعة قمران التي دوّنت هذه المخطوطات لم تكن سوى جزء بسيط من مجتمع يهودي كبير كانت أورشليم القدس مركزا رئيسيا لوجوده ومدينته المقدسة.

كما أكدت نهاية جماعة قمران على يد الرومان على أن محاولات إلغاء الوجود اليهودي في المنطقة كانت تتم عبر قوى أجنبية خارجية، من السبي البابلي إلى الرومان الذين كانت المذابح والتهجير هي ردّهم على الثورات اليهودية المتكررة ضدهم مثل الثورة التي أدت إلى تدمير الهيكل الثاني، وما تبعها من ثورات كان آخرها ثورة باركوخيا 132 ـ 136 ميلادي، إلى الحملات الصليبية التي طردت اليهود إلى أن أعادهم صلاح الدين بعد تحرير القدس.

تضمنت مخطوطات البحر الميت كافة أسفار العهد القديم باستثناء سفر إستير

هذه الحقائق التي كشفتها مخطوطات البحر الميت لا تتناسب مع الخطاب القومي العربي السائد الذي يرفض تقبّل فكرة وجود مجتمعات وممالك يهودية تاريخيا في المنطقة، لذلك تراوح موقفه منها بين التشكيك في صحتها إلى تكذيب ما وصلت إليه من نتائج، واعتبارها نتاج مؤامرة اشترك فيها التيار التوراتي والاستشراقي والصهيوني.

ومن الأمثلة على موقف القوميين من هذه المكتشفات بحث "أسرار الكهوف، الحلقة المفقودة من الكتاب المقدس العبري، من الشرنقة إلى الحبكة"، للدكتور عيسى بن ضيف الله حداد: "في سيناريو الحبكة الرومانسي، في صخب عام 1947 يشاء القدر الغريب أن تقود العنزة الضالة خطى راعيها ليدشّنا معا أعظم حدث أركيولوجي في القرن العشرين لمخطوطات بقيت جاثمة في كهوفها أكثر من 2000 من السنين؟.. أعقبها الإعلان في الصحف عن مخطوطات إنجيلية برسم البيع.. لتتبعها جملة من العمليات البوليسية نتج عنها مهاترات أكاديمية ودينية مارستها المؤسسات الدولية الكبرى بما فيها الفاتيكان ومؤسسات المنظومات الدينية والرسمية للصهيونية الدولية والأميركية.. وما رافق هذه الاكتشافات من تفاصيل وصراعات واتهامات وإقالات ومخطوطات مخبأة تتمتع بعناية فائقة، تصل قيمة استثمارها إلى ما يفوق البورصة النيويوركية"، ليصل الكاتب إلى أن قصة هذه الاكتشافات تصلح لتكون رواية بوليسية أو فيلم سينمائي!

ورغم هذا التشكيك الساخر بحقيقة وأهمية مخطوطات البحر الميت من قبل القوميين العرب، فإن تعاملهم معها يعتبر رصينا إذا ما تمّت مقارنتة مع موقف الإسلاميين منها.

الحلقة الثانية بعنوان: التعامل العربي مع مخطوطات البحر الميت: التلفيق

اقرأ للكاتب أيضا: إسلام دمشق كما عرفته

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG