Accessibility links

التعليم المختلط.. لمعالجة المجتمعات من أمراضها


تظاهرة للمطالبة بحماية النساء في الأراضي الفلسطينية

د. عماد بوظو/

أول خطوة في معالجة أي مرض هي الاعتراف بوجوده، ولذلك لا بد بداية من الإقرار بأن وضع المرأة في المجتمعات العربية لم يعد مقبولا في عالم اليوم. ففي شهر سبتمبر الماضي قال تقرير الطب الشرعي إن الشابة الفلسطينية إسراء غريب (21 عاما) قد توفيت نتيجة مضاعفات لإصابات متعددة تعرضت لها بعد ضرب مبرح. وأوقفت الشرطة أفرادا من عائلتها للتحقيق معهم في هذه الجريمة.

وسبق أن تحوّل مقتلها إلى قضية رأي عام قد أحبط محاولات بعض الأطراف التستر على الجريمة واختلاق أسباب أخرى للوفاة تراوحت بين الذبحة القلبية ومسّ من الجن!

جريمة قتل إسراء غريب ليست سوى مثال لسلسلة طويلة من عمليات قتل للنساء تحدث في البلاد العربية، وتتواطأ المجتمعات على إخفائها بحيث لا يصل منها للرأي العام سوى نسبة بسيطة. وسبق أن ذكرت صحيفة الإندبندت البريطانية إن 20 ألف امرأة تقتل سنويا تحت مسمى جرائم الشرف أغلبيتهم في الشرق الأوسط وآسيا.

يطالب رجال الدين بمنع الإختلاط في الجامعات

وعرض تحقيق أجرته شبكة نيريج العراقية للصحافة الاستقصائية صورة عما يحدث في المجتمعات العربية، عرضت فيه كيف يتم تزوير شهادات وفاة لفتيات مقتولات بالرصاص يدوّن فيها بأن سبب الوفاة أزمة قلبية، وكيف يتواطأ الجميع لمنع "الفضيحة".

ونقل عن أحد عناصر الشرطة: "في الكثير من حالات هذه الجرائم لا يدوّن مسؤولو الطب العدلي في شهادة الوفاة تعرض المرأة للرمي بالرصاص أو الحرق بسبب حساسية الموضوع الذي قد يعرّض سمعة الأهل للتشويه وخشية من رد الفعل العشائري".

كما تتخوّف الشرطة من فتح تحقيقات في هذه الحوادث أو البحث عن الفاعلين، ونفى مدير الطب العدلي في العراق زيد علي عباس وجود تلاعب بشهادات وفاة الجثث مجهولة الهوية التي يتم العثور عليها، لكنه لم ينف أن الطب العدلي يتسلم جثة أو جثتين في اليوم بعضهن لنساء تم قتلهن تحت مسمى "غسل العار".

وبالإجمال فإن معظم حوادث قتل النساء لا تصل للطب العدلي ولا للرأي العام، بل يتم استخراج شهادات الوفاة فيها من أطباء محليين، وقال المحامي دلير حسن: "أرقام ضحايا العنف من النساء كبير جدا وهو في تصاعد مع ظروف العنف والأزمة الاقتصادية رغم محاولة الحكومات إخفاءها".

ويظهر بعد آخر للمشكلة التي تعاني منها المجتمعات العربية في تبرير نسبة كبيرة من الشباب لهذه الجرائم، ففي دراسة أجرتها جامعة كامبردج على 856 طالبا في الأردن قال 46 في المئة من الأولاد و22 في المئة من البنات إنهم يؤيدون أو يؤيدون بشدة قتل الابنة أو الأخت أو الزوجة التي ألحقت "العار" بالعائلة.

التعليم المختلط يردم الهوّة وانعدام المساواة بين الذكور والإناث

كما أن عمليات قتل النساء لا تقتصر على ما يسمى جرائم الشرف، بل تم قتل عدة نساء في العراق لمجرد نجاحهن في عملهن واستقلاليتهن بينهن ناشطات مجتمع مدني وخبيرات تجميل وسيدات أعمال، كما كشفت حالات فرار فتيات خليجيات من بلادهن وطلبهن اللجوء الإنساني في الغرب والشرق عن جانب آخر للمشكلة، وهي عدم رضا نسبة من النساء عن حياتهن في تلك المجتمعات.

إذا هناك مشكلة اجتماعية لم يعد من الممكن تجاهلها، وعلى الحكومات المسؤولة عن شعبها البحث عن حلول لها، وبما أن المفاهيم والاعتبارات الاجتماعية لا يمكن تغييرها عبر إصدار قوانين ومراسيم أو تشديد العقوبات، فلا بد من العمل على إحداث تغيير في طريقة تفكير الأجيال الجديدة لبناء مجتمع مختلف، وحسب العديد من الدراسات يعتبر التعليم المختلط الذي تتبعه جميع شعوب العالم باستثناء عدد من الدول الإسلامية خطوة أولى في هذا الطريق.

لأنه، وبحسب تلك الدراسات، يجعل الذكور والإناث أكثر استعدادا للحياة الحقيقية، فالأسرة والعائلة الأوسع والمجتمع جميعها مختلطة، والتعليم المختلط يفتح الباب أمام التأقلم مع هذا التنوع في بيئة آمنة هي المدرسة، ويعزز الانفتاح الاجتماعي ويساعد الطلاب على تأسيس مستقبل مهني واجتماعي نتيجة معرفة طريقة التعامل مع الجنس الآخر، كما يطوّر بشكل أفضل شخصية ومهارات التواصل والثقة عند الطالب، ويشبع حاجاته النفسية ويساعده على التغلب على الخجل، بينما يكون الطالب في التعليم المنعزل أكثر عصبية وغير مستقر، لأن بيئته أحادية كمجتمع أنثوي أو ذكوري فقط.

ويبذل الطلاب في المدارس المختلطة جهدا أكبر للمنافسة وترتفع عندهم نسبة الحضور فتصبح درجاتهم أفضل، ويرفع التعليم المختلط من المستوى الروحي والأخلاقي والفكري في المدرسة، ويزيد من أناقة الذكور ويقلل من الفظاظة والميل للعدوان عندهم، وفي المقابل يعزز من الاستقلال والقوة عند الإناث، وهذه المميزات الاجتماعية والثقافية التي يكتسبها الطالب تبقى معه طوال حياته.

والأهم من كل ذلك أن التعليم المختلط يردم الهوّة وانعدام المساواة بين الذكور والإناث، فالاختلاط من الصغر يؤكّد على حقيقة أن الجميع بشر، وليس لأي منهم أفضلية اعتمادا على هويته الجندرية، ويجعل الطالب أكثر فهما لنقاط التشابه والاختلاف بين البشر ويقلل من الأفكار الخاطئة عن الجنس الآخر، لأنه كلما تعرض الإنسان لثقافات وأعراق وأنماط تفكير مختلفة خلال سنوات تطوره ونموه، كلما توسع أفقه بحيث لا يبدو أحد غريبا عنه.

يرفع التعليم المختلط من المستوى الروحي والأخلاقي والفكري في المدرسة

كما أن الحاجات التنموية والمعيشية في الدول العربية جعلت نزول المرأة لميدان العمل ومشاركتها في كافة النشاطات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والسياسية وإختلاطها مع الرجل أمرا لا مفر منه، ويكون هذا الإختلاط أكثر عفوية وتلقائية وبراءة عندما يكون مألوفا منذ الطفولة، وفوق كل ذلك فإن التعليم المختلط أوفر إقتصاديا، حيث تحل مدرسة مختلطة مكان مدرستين واحدة للذكور وإخرى للإناث ولكل منها طاقم تدريسي خاص، ولهذا الجانب أهمية خاصة في الدول الفقيرة.

رغم كل ذلك فقد رفضت أغلب المرجعيات الإسلامية التعليم المختلط، لأنها لا تعترف بالأساس بوجود مشكلة في وضع المرأة في البلاد العربية، وتريد أن تستمر المجتمعات العربية والإسلامية في سياسة التستر على ما يحدث فيها من فضائح، كما حصل قبل أيام من إعتداءات جسدية وجنسية على أطفال في مدرسة إسلامية لتحفيظ القرآن في نيجيريا، وإستخدم رجال الدين هؤلاء لتأكيد وجهات نظرهم أبحاثا من علماء في الغرب تحدثت عن وجود بعض المميزات "الأكاديمية" للتعليم المنفصل، مثل ميل الذكور لبعض مجالات العلوم وميل الإناث لمجالات أخرى، وإعتبروا ذلك دليلا على صحة مواقفهم، وكمثال حمل أحد كتبهم عنوان "الغرب يتراجع عن التعليم المختلط"، وتضمنت محتوياته عبارات من نوع ظهر الحق وأثبتت الأيام صواب آراء رجال الدين، رغم أن هذا بعيد عن الحقيقة فالمجتمعات تتطور للأمام ومن غير الوارد العودة لفصل التعليم.

بل يطالب رجال الدين بمنع الإختلاط في الجامعات، ومنع النساء من التدريس في المدارس الإبتدائية إذا كان فيها طلاب ذكور تحت عنوان سد الذرائع ومنع الإنحرافات، ولكن في عالم اليوم لم يعد من الممكن الخضوع إلى ما تقوله هذه المراكز والقبول بإستمرار المجتمعات العربية في تخلفها عن ركب الحضارة، وإحتجاز نصف المجتمع العربي كرهينة لتقاليد العشيرة وفتاوى رجال دين العصور الوسطى.

اقرأ للكاتب أيضا: الهجوم التركي والسيادة الوطنية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG