Accessibility links

التقدم في العمر لا يمنح صكوك براءة


المبررات العاطفية ونداءات الرحمة حول التقدم في السن، كثيرا ما طرحت في السنوات الأخيرة وطالبت بها بعض الأصوات عقب اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير والرئيس المصري حسني مبارك

كوليت بهنا/

"من يرغب في الحياة حتى المئة عام؟.. إنه بالتأكيد عجوز في التاسعة والتسعين".

جملة حوارية يمكن وصفها بالبديعة وردت في أحد مشاهد فيلم "The Mule" المترجم تحت عنوان "المهرّب" الصادر نهاية 2018 للمنتج والمخرج كلينت إيستوود مع مؤلف السيناريو نيك شينك Nick Schenk.

كلينت إيستوود، الاستثنائي ومتعدد المواهب، الذي عمل ـ بحسب ويكيبيديا ـ كممثل سينمائي وتلفزيوني وممثل تعبيري، ومنتج ومخرج أفلام، وصاحب مطعم، وطيار، وعازف جاز، وكاتب سيناريو، وكاتب أغاني، وملحن ومؤلف موسيقى تصويرية، وناشط سلام، ومغني، يبدو أنه يتبنى تماما الحكمة التي حملتها الجملة أعلاه فيما يتعلق بحياته الشخصية من الناحية المعنوية والمهنية، والجسدية أيضا.

حتى اليوم، لم نسمع من أحد المسؤولين العرب اعترافا مباشرا وجليا بالذنب

فهو الذي يتم في نهاية شهر مايو القادم التسعين من عمره، لا يفكر بالتقاعد، ولا يتوقف حتى هذا السن عن شغفه بالفن الذي يمنحه كل أسباب مقاومة الاستسلام للشيخوخة، ويتمنى كإنسان ومبدع ما زال سوي التفكير وصحيح البنية، المزيد من هبة الحياة للمتابعة، وكأن كل ما أتيح له خلال رحلة عمر طويل وغني، مُنح فيه فيضا من الفرص والجوائز الذهبية التي استحقها عن جدارة، لم تشبع توقه أو تشفي طموحه لإنجاز المزيد بعد.

إيستوود المدهش دوما، المعروف بتبنيه لقصص واقعية تحمل صفة الديمومة وذات تأثير إنساني بالغ ينتقيها بعناية، ويحيكها بهدوء وصبر حرفي يدوي، من مثل رائعتيه "غراند تورينو" و"وان مليون دولار بيبي"، يتابع هدفه مع آخر إنتاجاته في فيلم "المهرب" برسالة مماثلة قادرة على التأثير الشديد ذاته، لكنها أكثر بعدا وأوسع شمولا وكونية، يمكن أن توصف بأنها خلاصة الحكمة والنضوج، ودعوة لمراجعة ومحاسبة الذات مهما طال الزمن.

في "المهرب" يلعب إيستوود الدور الرئيس فيه باسم "إيرل ستون"، وقد استند على قصة حقيقية نُسج بناؤها الدرامي بإلهام من قصاصات صحفية نشرت عن أحد المحاربين القدماء (ليو شارب) ممن شاركوا في الحرب على كوريا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي وانتهى به الأمر ليصبح مهرب مخدرات.

إيرل ستون ليس مجرما بالفطرة، بالعكس تماما، هو رجل تقليدي الأهواء، رقيق المعشر يزرع الزنابق، ومحارب قديم يُجّل تاريخه كثيرا، تكمن معضلته الرئيسة في سوء تقديره لمعنى الزواج وواجباته، ومفهوم الأسرة والأولاد وتقصيره المؤسف والمزمن مع عائلته، في الوقت الذي يطرح نفسه خارج المنزل كرجل محبوب وناجح اجتماعيا، ذي كاريزما ملفتة وسجل عدلي ناصع، عاشق للحياة وملذاتها، يُعنى بالآخرين كما يُعنى بزنابقه.

وستدفعه ضائقته المالية إلى العمل في نقل البضائع لحساب الآخرين مقابل أجر كبير، وحال اكتشافه لحقيقة تهريبه للمخدرات، لن يتوقف أو يتراجع أو يبلغ عن الأمر، بل سيزداد تورطا وتواطئا مع مهمته، طالما أنها تدر الكثير من الإثارة والمال الذي ينقذ به الآخرين، ومن بينهم نادي المحاربين القدماء، ويحظى بإعجابهم وتقديرهم.

موت زوجته المحبّة المفاجئ، سيوقظه مثل صفعة متأخرة، وسيكتشف بعد فقدانها والتقاطه بالجرم المشهود وفوات الأوان، معنى وقيمة السنوات التي أضاعها مهتما بعمله وأهوائه على حساب أسرته، وسيرفض محاولة محامي الدفاع كسب تعاطف القضاء لصالحه لكونه رجلا مسنا لن يحتمل صحيا قسوة السجن، وسيعترف بشجاعة وأخلاق الفرسان كمحارب قديم، بهول جرمه ووجوب قصاصه، وهو ما سيحدث.

المبررات العاطفية ونداءات الرحمة حول التقدم في السن، كثيرا ما طرحت في السنوات الأخيرة

كان يمكن لهذا المسنّ نيل الاستعطاف أو تخفيف الجرم، لكن إصراره على الاعتراف الشجاع بالذنب، كمحاولة أخيرة للتكفير عن الذات، هو المعنى الجلي الذي أراد إيستوود إيصاله بشكل مباشر، فالتقدم في العمر أو أية مبررات مواربة أخرى، لا تمنح صك البراءة أو تعفي مذنبا من نيل قصاصه العادل بالسجن أو الاعدام إن استحقه.

المبررات العاطفية ونداءات الرحمة حول التقدم في السن، كثيرا ما طرحت في السنوات الأخيرة وطالبت بها بعض الأصوات عقب اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير قبل عام، وقبله بعشر سنوات صدحت أصوات مماثلة بعد اعتقال الرئيس المصري حسني مبارك، وغيرهما من بعض الساسة أو أصحاب السلطة والنفوذ من المذنبين كبار السن حول العالم.

حتى اليوم، لم نسمع من أحدهم اعترافا مباشرا وجليا بالذنب حتى لو صار خلف الأقفاص، أو الإقرار بشجاعة بتحمل المسؤولية الكاملة عن جرائم حدثت في عهده. استمرار النكران هو خشبة الخلاص أمام الرأي العام والتاريخ، وبعضهم يموت وهو مستغرق في نكرانه، حتى إن بعض ورثتهم يهددون باللجوء للقضاء في حال تحدث أحدهم، ولو بعد خمسين عاما، عن تورطهم وذنوبهم، ليستمر النكران المتوارث، والكذب في سجلات التاريخ، جيلا بعد جيل.

اقرأ للكاتبة أيضا: شعوب الظل

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG