Accessibility links

"التيه" الفلسطيني... بالأرقام


الرئيس الفلسطيني أثناء لقاء مع صحفيين في مقر الرئاسة برام الله حيث قدم لهم إجابات على أسئلة حول الوضع الفلسطيني داخليا وخارجيا.

عريب الرنتاوي/

تُعطي أحدث استطلاعات الرأي العام في الضفة الغربية وقطاع غزة، صورة متشائمة عن حالة "التيه" التي يعيشها خمسة ملايين فلسطيني ... حالة "انعدام اليقين" حول الحاضر والمستقبل، تطغى على إجابات المستطلعة آراؤهم ... شعورٌ باليأس حيال فرص استعادة الوحدة وإنهاء الانقسام... تآكل الأمل بـ"حل الدولتين" وفرص قيام دولة مستقلة، هو التقدير المهيمن على آراءه الكتلة الأكبر من الفلسطينيين، من دون أن يتبلور إجماع أو أغلبية وازنة، حول أي من الخيارات البديلة ... والأهم من كل هذا وذاك وتلك، اتساع "فجوة الثقة" بالرئاسة والسلطة بمؤسساتها والفصائل والقوى السياسية سواء بسواء.

في الاستطلاع الأخير (أواسط أيلول/ سبتمبر الجاري) الذي أجراه مركز البحوث والدراسات المسحية الفلسطينية، يواصل المركز المرموق، بحثه واستطلاعه لاتجاهات الرأي العام الفلسطيني ومواقفه حيال أبرز التطورات المحلية والإقليمية والدولية المحيطة بالفلسطينيين وقضيتهم الوطنية، وسنختار من بين مختلف الموضوعات التي أثارها الاستطلاع، مواقف الرأي العام واتجاهاته، حيال عينة من أبرز هذه القضايا والموضوعات، للتعرف على ما وصفناه بـ"حالة التيه" التي يعيشها الشعب الفلسطيني:

أولاً: في المأزق والمخرج:

ثلثا المُستطلعة آرائهم تقريبا (63 بالمئة) باتوا على قناعة بأن الزحف الاستيطاني الإسرائيلي قد قضى على مشروع "حل الدولتين"، وجعل من المتعذر إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة ... أدى ذلك، إلى رفض 56 بالمئة منهم لفكرة "حل الدولتين" مقابل 42 بالمئة ما زالوا على تأييدهم لها ... ارتفاع الأصوات المؤيدة لحل السلطة الفلسطينية (40 بالمئة)، والمطالبة بحل "الدولة الواحدة ثنائية القومية (32 بالمئة).

ثمة غالبية ساحقة من الفلسطينيين ترفض مبادرة الرئيس الأميركي المعروفة باسم "صفقة القرن"، وتطالب السلطة برفضها حتى قبل تقديمها، باعتبار أن مضمونها "السيء" بات معروفا...83 بالمئة قالوا إنها لن تنهي النزاع...65 بالمئة قالوا أنها ستسمح لإسرائيل بضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية ... 69 بالمئة طالبوا القيادة الفلسطينية برفضها، مع أن أكثر من ثلثي العينة "67 بالمئة"، توقعوا أن يفضي رفض الصفقة إلى تعريض الفلسطينيين لمزيد من العقوبات الأميركية، مقابل 23 بالمئة فقط منهم، قالوا إن رفضها قد يملي على واشنطن تعديلها.

في السياق ذاته، عبر 81 بالمئة من الفلسطينيين عن رفضهم لمقترح صدر عن السفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، يقضي بمنح الفلسطينيين حكما ذاتيا بدل الاستقلال في دولة ... كما عبر 72 بالمئة منهم، عن رفضه "توطين" اللاجئين في البلدان التي يقيمون فيها ومنحهم جنسيتها، حتى وإن اقترن ذلك بوعود الرخاء والازدهار (مساعدات وأموال واستثمارات) ... ولكل هذه الأسباب مجتمعة، أوصى ما يزيد عن ثلثي المُستطلعة آراؤهم (68 بالمئة) القيادة الفلسطينية بعدم استئناف الاتصالات مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

التشخيص المتشائم والواقعي الذي يرسمه الفلسطينيون لواقعهم الراهن، يدفع شرائح واسعة منهم للنظر وإعادة النظر في تصوراتهم لمستقبل "مشروعهم الوطني"، وثمة جدل فلسطيني محتدم في أروقة النخبة والرأي العام على حد سواء، يدور حول "إعادة تعريف" هذا المشروع، الأمر الذي يخلق بدوره انقساما حادا في أوساطهم، ويعمق حالة "التيه" لديهم ... فلدى سؤال العينة الوطنية المُستطلعة آراؤها، قال 44 بالمئة من أفرادها إنهم لا يزالون يعتبرون إنهاء الاحتلال الذي بدأ عام 1967 وإقامة دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، هو الهدف الأعلى لهم ... ورأى ثلث أفراد العينة (33 بالمئة) أن عودة اللاجئين إلى مدنهم وبلداتهم الأصلية التي شُرّدوا منها هو هدفهم الأسمى، فيما ذهبت أقلية من (13 بالمئة) للقول بوجوب بناء الفرد الصالح والمجتمع المتدين المحتكم للشرع والشريعة الإسلامية، ورأت أقلية أخرى (9 بالمئة) أن الحكم الرشيد، واحترام حقوق الانسان والحريات العامة، هو "غاية المنتهى" بالنسبة لهم.

هنا، وفي أماكن أخرى من الاستطلاع، يمكن استشفاف ظاهرتين متناقضتين ومتناقصتين: الأولى تآكل الثقة بحل الدولتين وفرص قيام دولة مستقلة، والثانية، رغم ذلك، فإن هذا الخيار ما زال يحتل المرتبة الأولى على جدول أعمال الفلسطينيين.

ولدى محاولة رصد تصورات الفلسطينيين للخروج من المأزق والاستعصاء، قدم المستجوبون، إجابات مختلفة ومتفاوتة، حيث يظهر الانقسام هنا مرة ثانية ... ثلثهم تقريبا (32 بالمئة) يرون أن اتفاق سلام مع إسرائيل هو المخرج الواقعي من المأزق ... أكثر من ثلثهم (37 بالمئة) يعتقدون أن العودة للكفاح المسلح هو طريق الخلاص ... أقلية من 10 بالمائة، تعتقد أن المقاومة الشعبية السلمية في الوقت الراهن، ربما تكون الوسيلة الأنجع لتجاوز الاستعصاء ... في حين فضل 17 بالمئة استمرار الوضع الراهن، على سوئه، خشية الانتهاء إلى وضع أسوأ على ما يبدو.

في عالم مثالي، فإن الطريقة الأمثل لإنهاء النزاع بدت للمُستطلعة آراؤهم على النحو التالي: 44 بالمئة مع الكفاح المسلح (النسبة في تزايد قياسا باستطلاعات سابقة) ... 24 بالمئة مع خيار التفاوض (النسبة في تناقص) ... و22 بالمئة يفضلون الأخذ بخيار المقاومة الشعبية السلمية.

وحين عرضت على العينة الفرصة لاختيار أكثر من بديل لمواجهة تعثر المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي أو توقفها، طالب 62 بالمئة منهم بالمقاومة السلمية، طالب 40 بالمائة بحل السلطة ... وأكد 32 بالمئة على وجوب التخلي عن حل الدولتين والمطالبة بدولة واحدة ثنائية القومية.

ولقد اتضحت من نتائج الاستطلاع الأهمية الكبرى التي يوليها الفلسطيني للحملات الداعية لمقاطعة إسرائيل ... 83 بالمائة من أفراد العينة عبروا عن تأييدهم للمقاطعة، رغم اقتناع ثلثي العينة بأن أوروبا لن تتجاوب مع نداءات الفلسطينيين للمقاطعة ... 74 بالمئة نددوا بزيارات صحفيين عرب لإسرائيل.

صورة إسرائيل لدى الفلسطينيين تزداد "قتامة" ... أكثر بقليل من نصف العينة (52 بالمئة) توقع فوز اليمين في انتخابات الكنيست الـ 22 التي جرت في السابع عشر من أيلول / سبتمبر الجاري ... أقل من نصفها بقليل (48 بالمئة) لا يؤيد مشاركة القائمة العربية المشتركة في أي حكومة إسرائيلية جديدة، وأقل من هذه النسبة بقليل (46 بالمئة) مضت إلى رفض مشاركة فلسطينيي 48 في انتخابات الكنيست ذاته.

ثانياً: اتساع فجوة الثقة

مستوى الثقة بأداء السلطة والقوى الفلسطينية في تآكل مستمر ... وحالة عدم الرضى عن أداء الرئيس ومؤسسات السلطة المختلفة، بدت في هذا الاستطلاع على أوضح ما تكون ..60 بالمئة من الفلسطينيين غير راضين عن أداء الرئيس الفلسطيني محمود عباس... 61 بالمئة يطالبون باستقالته... أكثر من ثلاثة أرباع العينة (78 بالمئة) غير مقتنعة بجدية قراره بالأخير تعليق العمل بالاتفاقات المبرمة مع إسرائيل، و (75 بالمئة) يرون أنه مناورة لا أكثر ... حتى الفلسطينيين أنفسهم باتوا غير مقتنعين بجدية التهديدات الفلسطينية المتكررة، فكيف هو حال إسرائيل والمجتمع الدولي.

نصف الفلسطينيين (49 بالمئة) يعتقدون أن السلطة باتت عبئا عليهم وعلى قضيتهم الوطنية، مقابل (46 بالمئة) ما زالوا يعتبرونها إنجازا... من (32 بالمئة – 50 بالمائة) يرون أن حكومة الدكتور محمد اشتية أسوأ من حكومة سلفه الدكتور رامي الحمد الله ... 61 بالمئة يعتقدون أنه لن ينجح في تحقيق المصالحة، و58 بالمئة يعتقدون أنه لن يجري انتخابات عامة رئاسية وتشريعية .... و60 بالمئة يعتقدون أنه لن ينجح في تحسين أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية ... موجة التفاؤل بحكومة اشتية تبددت سريعا، وحلت محلها موجة تشاؤم بالمستقبل، وبقدرة الحكومة على مجابهة تحدياته.

القضاء بدوره لم يسلم من أزمة "فجوة الثقة" ... 60 بالمئة قالوا إنهم غير متأكدين من حصولهم على محاكمة عادلة في حال وجدوا أنفسهم في قفص العدالة ... 63 بالمئة قالوا إن ثمة فساد القضاء وإنه غير مستقل، وإنه يعمل أحيانا بـ "الهوى والمزاج".

مثل هذه الأوضاع في بعديها الخارجي والداخلي (فجوة الثقة)، دفعت بثلث أفراد العينة تقريبا (31 بالمئة) للتفكير بالهجرة للخارج ... الوضع في قطاع غزة أسوأ من الضفة الغربية، نسبة الراغبين بالهجرة في القطاع 41 بالمئة، مقابل 24 بالمئة في الضفة.

ثالثاً: الانتخابات والانقسام

الفلسطينيون متشائمون حيال إمكانية إنهاء الانقسام واستئناف المصالحة واستعادة وحدتهم الوطنية ... 67 بالمئة منهم قالوا أنهم غير متفائلين بالمصالحة ... وقبلها توقعت غاليتهم فشل الحكومة في تحقيق هذه المهمة ... لكن ذلك لم يمنع ثلاثة أرباع العينة تقريبا (72 بالمئة) من مطالبة الرئيس والسلطة رفع الإجراءات العقابية التي فرضها على قطاع غزة ... وأبدى أكثر من نصف أعضاء العينة (52 بالمئة) تشاؤما من إمكانية توصل حماس وإسرائيل إلى اتفاق تهدئة طويل الأجل ... واللافت أن نصف العينة تقريبا (48 بالمئة) لم ترى في إيران صديقا أو حليفا للفلسطينيين.

هذه التطورات السلبية المقلقة التي تجتاح المجتمع الفلسطيني، لم تحل دون وجود غالبية وازنة (72 بالمئة) من الفلسطينيين تتطلع لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة ....66 بالمئة قالوا إنهم سيشاركون فيها ... 69 بالمئة تريد الانتخابات بمشاركة حركة حماس كذلك.

مع أن الفلسطينيين لا يضعون رهانات كبيرة على إمكانية إجراء انتخابات رئاسية و/أو تشريعية، إذ قال نصف أفراد العينة تقريباً (49 بالمئة) إنها لن تجري ... وقال 61 بالمئة إن حكومة اشتية لن تنجح في إجرائها، ومع ذلك فإن غالبتيهم تتطلع لإجراء الانتخابات وتعتزم المشاركة فيها.

في حال جرت الانتخابات، فإن حركة فتح ستحصد 38 بالمئة من مقاعد المجلس التشريعي، وستحصل حماس على 29 بالمئة، وبقية الفصائل والقوى والشخصيات على 11 بالمئة، والبقية لم تقرر بعد.

وفي حال انحصرت المنافسة بين الرئيس عباس ورئيس حركة حماس إسماعيل هنية، فإن الأول سيحصل على 48 بالمئة مقابل 46 بالمئة للثاني ... أما إن جرى السباق الانتخابي بين القيادي الأسير مروان البرغوثي وهنية، فإن الأول سيحصل على 36 بالمائة والثاني 19 بالمائة، وسيحصل العقيد المنشق عن فتح محمد دحلان على 8 بالمئة من الأصوات معظمها من غزة، فيما سيحصل مصطفى البرغوثي على 4 بالمئة و3 بالمئة لكل من خالد مشعل وسلام فياض.

والخلاصة، أن ليس ثمة في الأفق ما يشي بقرب خروج الفلسطينيين من "عنق الزجاجة"، أما المستقبل، فتحيطه هالة من "انعدام اليقين"، فيما الانقسام الداخلي حول جملة العناوين الرئيسة في المشروع الوطني وأدوات تحقيقه، ما زال سيد الموقف.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG