Accessibility links

الثقافة والانفجار السكاني


زحمة سير في سوق العتبة في القاهرة

بقلم محمد المحمود/

لا شيء يحدث عبثا/ مصادفة في مجرى التاريخ المحكوم بالإرادات الإنسانية. كل شيء يصدر عن تصور ما/ ثقافة ما؛ حتى ولو كانت هذه الثقافة هي ثقافة اللاثقافة، أو اللامبالاة، أو الفراغ الثقافي. ففي النهاية ثمة ثقافة تحكم الإرادات ولو بمنطق السلب. وقد رأينا في المقال السابق كيف أن العالم العربي محكوم ـ من حيث يشعر أو لا يشعر ـ بكارثة الانفجار السكاني التي تتصاعد متوالياتها منذ عقود.

لكني بعد أن رسمت معالم الكارثة المدمرة التي حذرت منها ـ ولا تزال تحذر ـ كل المؤسسات المعنية، وجدت نفسي أمام هذا السؤال الذي يفرض نفسه على سياق الطرح: إذا كانت الكارثة بهذا المستوى المروع من حيث تهديده لمستقبل أجيالنا، وبهذا الوضوح الذي يتعذر فيه الجهل؛ فلماذا لا تبادر هذه الملايين المحطمة ـ من تلقاء أنفسها ـ بضبط إيقاع هذا التناسل؛ خاصة وأنها تعاني بصورة مباشرة، إذ تخضع لتحديات الكثرة في تفاصيل الضرورات اليومية، وتدرك ـ بأبسط الحسابات المبدئية ـ أن العبء سيكون أخف؛ لو كان العدد أقل؟

بالنظر إلى مشكلة الانفجار السكاني؛ نجد أن الوعي بالخطر لا يزال غائبا

كما سبق وقلت؛ ثمة ثقافة تحضر بذاتها أو بغيابها في هذا السياق. ولا يمكن تغيير نمط هذا السلوك الجمعي المنحاز لإيجابية التكاثر إلا بتغيير أنساق هذه الثقافة المُحفزة للإنجاب المفتوح على العدد اللامحدود. وعلى أي حال، يمكن اختصار معالم هذه الثقافة أو الفراغ الثقافي بما يلي.

1 ـ الوعي بالخطر. نعم، ثمة وعي بالخطر، ولكنه ـ قياسا بحجم الكارثة ـ لا يشكل وعيا. لا يمكن أن يتحرك أحد لمواجهة خطر ما، ما لم يكن واعيا بحجم الخطر؛ إذ تتناسب ردة فعله/ استجابته مع مستوى وعيه. لهذا، تجد الجاهل الذي لا يعرف قيمة العلم، ولا يتصور الكوارث التي يتسبب بها الجهل، يعجز عن تحمل أعباء اكتساب العلم، بينما تجد الذي استوعب حجم ما يجنيه الجهل عليه وعلى مجتمعه من أضرار، يتحمل كل الأعباء في سبيل العلم، حتى لو أنفق كل ما يملك من وقت ومال وجهد في هذا المضمار.

اقرأ للكاتب أيضا: وحدة الوعي الأصولي: الديني والقومي

بالنظر إلى مشكلة الانفجار السكاني؛ نجد أن الوعي بالخطر لا يزال غائبا. الواعون به تمام الوعي قلة نادرة لا يملكون التأثير على مسار الخيارات العامة في مجتمعهم الواسع. نعم، ثمة وعي تجده عند المعنيين بالتنمية والتخطيط؛ ولكنه ـ للأسف ـ وعي محدود لا يتناسب مع مستوى الكارثة التي نغرق في ضفافها اليوم؛ ولما نصل إلى العمق منها.

وحتما، لغياب الوعي بالكارثة أسباب كثيرة، يأتي في مقدمتها أنها مشكلة غير مسبوقة، أي لم يكن المجتمع العربي يعاني منها من قبل/ في تاريخه الطويل، منذ بدايات التكوين المرتبط بالوعي بالذات، وإلى ما قبل ثلاثة أو أربعة عقود، فهي بعيدة عن مجال الوعي المباشر؛ من حيث هي حدث طارئ. وتأتي الثقافة التقليدية، الدينية والشعبية، لتحول دون معاينة الكارثة على نحو واضح، بل هي ثقافة ـ بكل مكوناتها ـ تدفع في الاتجاه المعاكس الذي يشيد بالكثرة. فظاهرة "كثرة العيال"، لا تزال في هذه الثقافة الموروثة منقبة، ومدعاة للفخر، على المستوى الفردي وعلى مستوى الجماعة/ الأمة. ما يعني أننا ـ من الناحية الثقافية ـ نبتعد بمرحلتين عن الوعي بالخطر السكاني.

2 ـ المشاعر الطفولية المرتبطة بالأبعاد الوطنية أو القومية أو الأممية. فكثيرون، حتى ممن يتعاطى الفكر/ الثقافة، يحس بنوع من الانتشاء والفرح والابتهاج بالكثرة، أيا كانت هذه الكثرة، وأيا كانت مآلاتها. إنها مشاعر طفولية ساذجة لا تفكر بما وراء المباشر والظاهر. وهي بطبيعتها، أي من حيث هي صادرة عن وعي متواضع، تعجز عن موضعة هذه الكثرة في سياقات تتجاوز السياق العاطفي. لهذ، دائما ما نسمع الفخر الصادر عن كثير من مؤدلجينا المتأسلمين بأننا أمة المليار والنصف مليار على المستوى الإسلامي. لكنهم لا يتساءلون بعد ذلك: ماذا حقق هذا المليار والنصف مليار؟ وما أهمية هذا الرقم في سياق النهوض؟ وهل أثر هذا الكم على الكيف؟ هذه تساؤلات لا تستحضرها مشاعر الفخر والاعتزاز الأجوف المحكومة بمنطق الجهل.

3 ـ النصوصية في قراءة النصوص. وهذه إشكالية صادرة عن علاقة البعد الديني بمشكلة التناسل أو التكاثر الفئراني. وتكمن الإشكالية في هذا أن الذي يتولى ـ في الغالب ـ التوعية الدينية، هم أصحاب الرؤى التقليدية السلفية، أولئك الذين لا يزالون يفهمون الدين بوصفه نصوصا متعالية، لا يربطها بشروط الواقع أي رابط؛ لتصبح هذه النصوص معلقة في الفراغ، فكأنما يراد لها أن تعمل في الفراغ.

هذه الثقافة الدينية التقليدية التي تحبذ التناسل لمجرد التناسل، والتكاثر لمجرد التكاثر، ليست خاصة بالدين الإسلامي، وإنما هي ظاهرة ثقافية عامة، موجودة في كل منظومة تقليدية منغلقة على رؤاها الخاصة تجاه العالم، وتجاه تحولات هذا العالم. ولهذا نرى الكنائس الكاثوليكية تقف ضد موانع الحمل، وضد الإجهاض بالطبع. وهي في العموم نابعة من رؤى تقليدية في التصور العام وفي التدين الخاص، أكثر منها دينية خالصة، أي أكثر من كونها متصلة بالنصوص الأساسية في الخطاب الديني.

كثيرون، حتى ممن يتعاطى الفكر/ الثقافة، يحس بنوع من الانتشاء والفرح والابتهاج بالكثرة

في السياق العربي/ الإسلامي، وهو ما يهمنا هنا، يستشهد المعارضون لتحديد النسل في السياق السني بـ"تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم" (الحديث يتكرر كثيرا في الموروث النقلي السني؛ مما يشي بالتوافر على معناه تراثيا في أكثر من زمن وأكثر من سياق. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة، فأما حديث: فإني مكاثر بكم؛ فصح من حديث أنس بلفظ: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم يوم القيامة. أخرجه ابن حيان، وذكره الشافعي بلاغا عن ابن عمر بلفظ: تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم. وللبيهقي من حديث أبي أمامة: تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم).

عموما، هذا النص ـ إن صح! ـ لا يمكن إلا أن يكون محدود الدلالة في إطار خاص، أي متعلق بزمن خاص وظرف خاص؛ عندما كان الإسلام في بداياته، وكان المسلمون آنذاك قلة، وقلتهم كانت خطرا يتهدد وجودهم من أساسه. لا نقول هذا عن تخرص، ولا عن شطح تأويلي، وإنما نقوله اشتراطا إلى عموم النصوص الأكثر، والأشد ثباتا/ مصداقية نقلية. والمقصد هنا أن إطلاق هذا النص الحديثي، يعارض نصوصا أخرى كثيرة (كثير منها قرآني)، تم فيها تقديم "الكيف/ النوع" على "الكم/ العدد"، حيث نجد رفض الكثرة أو تبخيسها في أكثر من موضعٍ/ نص أوثق في الثبوت من هذا النص الذي لم تتجرأ على روايته أهم كتب الصحاح الموثوقة في التراث السلفي، وهو التراث الذي يعتمده عليه المنادون بـ"التكاثر".

اقرأ للكاتب أيضا: مستقبل الأصوليات في العالم العربي

أيضا، في التضاد مع هذا التوجه المؤيد للكثرة، لدينا حديث الغثائية: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل". وهو واضح الدلالة على أن الكثرة قرينة الغثائية المذمومة. أما في القرآن، وهو النص الحاكم على ما سواه من النصوص عند جميع الفرق الإسلامية، فالآيات تتابع على هذا النحو: {ألهاكم التكاثر ♦ حتى زرتم المقابر}، و{ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا}، و{كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله}، و{ثلة من الأولين ♦ وقليل من الآخرين}، و{ثلة من الأولين وثلة من الآخرين}.. إلخ الآيات التي تمنح القلة امتيازا نخبويا على الكثرة.

إذن، ليست المشكلة هنا نصوصية، أي ليست في النصوص المؤسسة، بل هي عقلية/ ثقافية، ومن ثم تأويلية، أي في كيفية قراءة هذه النصوص على ضوء معطيات الواقع واستحقاقاته. صحيح أن المنطق الشرعي، كما المنطق العقلي، كلاهما يميل إلى منح الكثرة حكما إيجابيا؛ عندما تكون مقرونة بالنوعية، أي عندما يقترن الإيجاب الكمي/ العددي بالإيجاب الكيفي/ النوعي. لكن، في معظم السياقات يتعذر هذا، بل هو ـ غالبا ـ في حكم المستحيل. وتستحكم الاستحالة في سياق التربية/ الرعاية المعاصرة المشروطة بشروط هذا العصر؛ إذ لم تعد الرعاية مجرد توفير الطعام والشراب والمسكن والملبس، فهذه هي أقل التكاليف المادية والتربوية، وإنما يحتاج الإنسان في هذا العصر إلى وفرة مادية، وتفرغ وقتي وذهني، واستعداد نفسي؛ كي يفي باحتياجات الفرد القادم إلى هذا العالم، كل الاحتياجات، منذ الولادة، وحتى مرحلة الاعتماد الكامل على النفس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG