Accessibility links

الجمهورية والإيالة والإقطاعية: معضلة الكيانات اللبنانية المتداخلة


نسخة عن تمثال "لا للعنف" في بيروت، والتمثال الأصلي موجود في ستوكهولم - السويد

بقلم حسن منيمنة/

نشأ لبنان كدولة عام 1920، بسعي محلي وخارجي أراد منه أن يرتقي إلى مصاف الجمهورية العصرية، حيث للمواطنين السيادة، ولهم القرار، ولهم المساءلة، من خلال مجلس نيابي يشرّع، وحكومة تنفذ، وقضاء مستقل يحقق العدالة. كان على لبنان الجمهورية أن يتعامل مع حقيقة قائمة على أرضه، إذ في حين هو قادر على مواصلة بعض النظم السابقة له من العهد العثماني وتطويرها، وبوسعه استيعاب بعض الشكل والمضمون من التجربة الفرنسية في حكم الشعب والموازنة بين السلطة والمجتمع، فإنه لا بد له من القبول بالتشكيلة الواسعة من الهيئات والمؤسسات والهويات المعرّفة طائفيا، كأمر واقع على الأقل، إلى أن تتحقق البدائل التي من شأنها القيام بمهامها وإنهاء صلاحيتها. فكان القرار بأن يرضى لبنان الناهض بنظام محاصصة طائفية، مع النية بأن يكون ذلك إلى أجل قريب، وإن غير مسمى.

يخصص نظام المحاصصة الطائفي لكل طائفة معترف بها نسبة ثابتة من المقاعد النيابية ومناصب دائمة في الإدارات الحكومية، خارج الاعتبارات العددية المتبدلة للمحسوبين عليها. فهو رغم المحاولات المتنوعة لإخراجات لفظية تعمّي الواقع، على غرار وصفه بـ"التوافقي"، ليس ديموقراطيا، إذ لا تتساوى قيمة أصوات الناخبين الأفراد، وإن كان يسعى نظريا إلى إشهار الإجراءات الديموقراطية، ولاسيما منها الانتخابات الحرة النزيهة. النظام الطائفي أقرب إلى النظام الاتحادي، أو شبه الاتحادي، ولكن دون الوضوح الذي يقتضيه هذا وذاك في طبيعة الوحدات المشاركة بالاتحاد.

هذا التعريف يجعل من "حزب الله" دون تحفظ جيش احتلال، وإن كان جنود هذا الجيش من اللبنانيين، وبغض النظر عن صدق نواياهم الوطنية

لبنان الانتداب تقصّى ببعض الخجل إمكانية اعتماد النظام الطائفي، بل جاء ترشح الشيخ (المسلم) محمد الجسر للانتخابات الرئاسية عام 1932 تحديا مباشرا للصيغة الطائفية التي كانت تتشكل.

لبنان الاستقلال عام 1943 اعتنق النظام الطائفي صراحة كحل مؤقت في "الميثاق الوطني"، وإن تبين الحذر في اقتصار إدراج الصيغة الطائفية على التوافق الشفهي والممارسة مع غيابها عن صريح النص الدستوري. وكان على هذا الوطن أن يشهد الحروب والمآسي، قبل أن يصل إلى حد تنصيص طائفيته عام 1989 في اتفاق الطائف. "الجمهورية الثانية"، التي قامت على أساس هذا الاتفاق، تخلّت عما كان للطوائف المسيحية من أفضلية مطلقة (بنسبة 6 لها إلى 5 للطوائف "المحمدية")، مستعيضة عنها بـ"المناصفة" والتي تفترض تقاسم السلطة بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين. وبقي السجال حول كيفية تحقيق هذه المناصفة نظرا إلى اختلاف أهمية المواقع والمناصب التي أضحت عدديا موزعة بالتساوي بين مجموع الطوائف المسيحية من جهة، والسنة والشيعة والدروز، مع إضافة العلويين إليهم، من جهة أخرى.

اقرأ للكاتب أيضا: الحالة السنية في المشرق (2) لبنان: من 'رفض الانضمام' إلى 'لبنان أولا'

غير أن الخلاف الأخطر كان ولا يزال حول وجوب التوفيق أو عدمه، وكيفيته، بين الطائفية وزعم التمثيل المتساوي، بعد أن تبدلت المعادلة العددية من قرابة النصف لكلتا المجموعتين إلى أكثرية واضحة لمجموع المسلمين. فهل "المناصفة" هي بأن تكون نصف المناصب الحكومية والإدارية من نصيب كل من المسيحيين والمسلمين، وأن يكون أصحاب هذه المناصب في الخدمة العامة والتمثيل لعموم المواطنين، بغض النظر عن طوائفهم، أم هل أن الإنصاف في "المناصفة" يقتضي أن يكون اختيار النواب المسيحيين من صلاحية الناخبين المسيحيين تحديدا، فإذا فاز مسيحي بأصوات مسلمين كان في الأمر تعدٍّ على الحقوق؟ هذه مسائل لم يحسمها النظام الطائفي اللبناني، في سعيه إلى فرز طبيعته الأولية بين نظام تمثيلي صادق يتساوى فيه المواطنون، ونظام ائتلاف طوائف تتساوى فيه الطوائف.

يطغى على هذه السجالات، للأسف، مقادير من التشنج بين من يتمسك بحقوق الطوائف، وهم ربما الأغلبية، وبين من يطالب بحقوق المواطن، وجلّهم من الشرائح الشبابية الناشطة. الحلول، أو المداخل إلى الحلول ليست غائبة. فالحصص الطائفية ليست ثابتة في الانتخابات البلدية، ونتائج هذه الانتخابات على الغالب لا تأتي مجحفة بحق الطوائف. ثم أن العودة إلى صيغة المجلسين، مجلس النواب ومجلس الشيوخ، كما كان حال لبنان في مطلع الانتداب، قد تسمح بحصر المحاصصة الطائفية بمجلس الشيوخ، مع إعطائه حق النقض إزاء فئات واسعة من التشريعات، والتدرج في تحويل مجلس النواب من مجلس لنواب الطوائف إلى مجلس لنواب المواطنين.

على أن ما يقف بوجه أية محاولة إصلاحية هو أن الجمهورية ليست وحدها من يشغل الفضاء السياسي اللبناني بل هي تتشاطره مع كيانين يناقضانها على أكثر من صعيد.

البعض يطلق على أول هذين الكيانين صفة "الدويلة". ليس هو كذلك البتة، إذ له جيش جرّار يفوق في قدراته وسلاحه الجيش الوطني، وله حضور ومؤسسات تنفي عنه أي صيغة تصغير، ربما الأصح له صفة "الإيالة"، أي المقاطعة أو المحافظة ذات المسؤوليات المحلية الذاتية في الدول السلطانية، الشاهنشاهية الفارسية تحديدا.

هي الإيالة التي يؤطرها "حزب الله"، والتي تجاهر بأن المرجعية السياسية والأمنية والعقائدية والدينية والمالية لها هي ولاية الفقيه الإيرانية. لا خلاف في هذا التوصيف، بل الخلاف في عواقبه وتداعياته. أن يكون لـ"حزب الله" السلطة والقدرة على الإكراه، لا في مناطق نفوذه وحسب، بل على مدى الفضاء اللبناني، أمر يعتبره مؤيدوه مقبولا بل مطلوبا صونا للوطن.

ولكن الغايات تبدلت، من مقاومة الاحتلال، إلى الحفاظ على سلاح المقاومة، إلى حماية المقامات خارج الحدود، إلى حماية الوطن من مخاطر تشخصها الإيالة دون الجمهورية، وتتخذ الإجراءات بشأنها بناء على التوجيه من مرجعيتها الخارجية.

أما القراءة الموضوعية، برسم كل من يؤيد منطق "المقاومة"، فهو أنه في لبنان جيش قاهر قادر على فرض إرادته السياسية والأمنية، كما فعل في أكثر من مفصل، غير خاضع للمساءلة من الجمهور اللبناني وتابع صراحة لأوامر جهة خارجية. هذا التعريف يجعل من "حزب الله" دون تحفظ جيش احتلال، وإن كان جنود هذا الجيش من اللبنانيين، وبغض النظر عن صدق نواياهم الوطنية.

ولا ينفع إزاء هذا القول التهويل بالعمالة والاتهام بالخيانة ولا استعراض التبعيات الأخرى لتبديل خطورة الأمر، بل لا بد من مواجهة حقيقة أن استمرار الصف المؤيد لهذا الوضع الشاذ في إنكار الواقع يؤسس لحالة انفصام ثقافي واجتماعي يهدد الكينونة اللبنانية. ليس على أي مجتمع أن يكون، بفعل التوجه (أو التوجيه) العقائدي لطرف فيه أن يكون رأس حربة في أية معركة وجودية مع أي كان، إسرائيل، التكفيريين، الاستكبار العالمي، آل سعود، سواء صدقت مزاعم الخطاب الصادر من طهران بهذا الشأن، وهو المرجوح، أم لم تصدق. بل أي قرار سيادي من هذا الحجم لا يمكن اتخاذه إلا بالإجماع الوطني، وليس بالأكثرية المركّبة.

على أن اتضاح وجود "الإيالة"، رغم المسعى الإيراني الحثيث إلى طمسها وحجبها من خلال الانتشار، الناجح بتفاوت، خارج "البيئة الحاضنة للمقاومة"، يسمح لكيان آخر أن يستمر ببعض الإمساك بالواقع اللبناني، والمقصود هنا هو الإقطاعية.

عمر جمهورية لبنان لم يبلغ المئة عام بعد. عمر "الإيالة" يقاس ببعض العقود من السنين. أما الإقطاعية في لبنان، فهي ضاربة في عمق التاريخ، مئات من الأعوام عبر عهود العثمانيين والمماليك ومن سبقهم. الإقطاعية في صيغها الماضية كانت تقوم على علاقة بين حكام المناطق والنواحي المختلفة ورعاياهم، يجبي الحاكم الضرائب ويجند الرجال، مقابل الحماية وبعض الرعاية، ويسدد مقادير من جبايته بدوره لولي أمره، ومنه إلى بيت مال الدولة السلطانية. طبيعة الجباية ودافعها ووجهتها قد تبدلت في القرن الماضي، وعملة التداول لم تعد الذهب والفضة بالشكل المباشر، بل النفوذ وصلاحية إبرام العقود والصفقات التي من شأنها جلب ما يقابل المعادن الثمينة بأضعاف، والجباية لم تعد تقتصر على بعض الضرائب، المباشر منها والذي يواجه بالتمنع والتهرب، وغير المباشر، عبر توفير الخدمات التي من المفترض أن تتولى الجمهورية الإشراف على توفيرها أو قوننتها (مثل الكهرباء والماء والخدمات الرقمية)، والمستعاض عن تجنيد الأمس، في حال انكفاء الحروب الذي تستوجبه، هو ضمان الأصوات الانتخابية، ولكنه كذلك توظيف في الدوائر التي للزعيم النفوذ فيها، أو في الشركات المحبّذة والتي يملكها أو يسيطر عليها.

عمر جمهورية لبنان لم يبلغ المئة عام بعد. عمر "الإيالة" يقاس ببعض العقود من السنين، أما الإقطاعية في لبنان، فهي ضاربة في عمق التاريخ

الإقطاعية الجديدة "كليپتوقراطية" مكتملة، وهذه الكلمة اليونانية تشير إلى منظومة حكم قائمة على النهب المشرعن. والإقطاعيون الجدد، أي الزعماء، يعمدون في الغالب إلى استدعاء الهويات الطائفية والمناطقية لتشخيص جمهور أزلامهم. غير أن هذا الاستدعاء عملاني الطابع، لا عقائدي ولا ديني، وقابل في معظم الحالات لاستثناءات مستفيضة.

التفاصيل تتبدل ولكن طبيعة العلاقة الإقطاعية الزبائنية بين الزعامات والأزلام لا تقتصر على القلة القليلة، بل تشمل أوساطا واسعة من اللبنانيين المستفيدين من زعاماتهم بمختلف الأشكال، ينتفي معه الحديث عن "فساد"، طالما أن الأمر مستقر ومتوافق عليه، ليدخل في إطار تعاقد رديف يستنزف الجمهورية. أما ما يقف بوجه إمكانية التصدي للإقطاعية غير المعلنة فهي أن زعماءها، بما يكاد أن ينتفي معه الاستثناء، هم كذلك قادة الجمهورية.

اقرأ للكاتب أيضا: الحالة السنية في المشرق (1): مقدمة في الأبعاد الدينية

يشتكي المواطن اللبناني من الفساد ويطالب بالإصلاح ويريد تحرير بلاده من نفوذ القوى الخارجية، فيما المستزلم اللبناني إذ يعترض على فساد الآخرين، يرضى صامتا بما يوفّره له زعيمه من فوائد وامتيازات. هذا فيما اللبناني التابع للإيالة يرضى بما توفره له من اطمئنان عبر اتساع باقة الخدمات، وإن امتعض بأنه كان من الأجدر أن يكون مصدر هذه الخدمات الدولة الممنوعة.

ثمة معضلة بنيوية في لبنان هي التداخل بين هذه الكيانات الثلاثة، إلى حد لا يمكن معه الفرز بينها، لإصلاح أولاها والعمل على تفنيد ما تبقى. ولكن المعضلة الأخطر هي أن التداخل لا يقتصر على البعد البنيوي وحسب. فالمواطن اللبناني هو أيضا في معظم الحالات، مستلزم يستفيد من علاقته الزبائنية بزعيمه، كما أنه في حالات عديدة تابع بدوره للإيالة ينعم بما تقدمه له من امتيازات وخدمات. أي أن فك التداخل، وصولا إلى تحقيق الدعوة المتكررة لاستنهاض الوطن لا يقتصر على الإصلاحات العامة القائمة على استبيان مواطن العلل في الإدارات والدوائر والمؤسسات، بل لا بد من جهد ابتدائي أقل اتضاحا وأكثر صعوبة هو الإقرار بأن العلة الأولى تكمن في نهج التعامي والتكاذب بشأن موقع مواطن الجمهورية في كل من الإيالة والإقطاعية. فكما أنه على اللبناني أن يفض الجدلية القائمة في هويته بين الوطنية والطائفية، من خلال القبول في معظم الحالات بأنه لهذه وتلك مكانة فيها، فإن عليه كذلك أن يفرز انتماءاته العملية، على تداخلها مع أوجه الهوية، بين الجمهورية والإيالة والإقطاعية.

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG