Accessibility links

الحالة المارونية في لبنان: الإنجاز الحاصل والتأطير الملتبس


من الحق على اللبناني أن يقر بالفضل لقيام هذا الوطن واستمراره للكنيسة المارونية، ولرجال من طينة البطريرك صفير

بقلم حسن منيمنة/

ثمة مؤسسة في لبنان قادرة أن تشهر استمرارية تبلغ أربعة عشر قرنا. ليست هي الدولة اللبنانية بالطبع، فهذه مع تتالي مراحل انتدابها واستقلالها وخرابها وجمهوريتها الثانية لم تبلغ بعد مئتها الأولى، ولا هي الأشكال المتعاقبة السابقة لها، الإمارتان المعنية والشهابية ومتصرفية جبل لبنان، إذ أن هذه بمجموعها لا تتجاوز القرون الأربعة. هي البطريركية المارونية، من بدايات متواضعة، حين نزلت على ما هو اليوم لبنان الشمالي، في القرن السابع الميلادي، إلى أن تحققت الغلبة العددية للمؤمنين بها في عموم الجبل وسفوحه بعد ما يزيد عن الألفية، وتواصل انتشار أديرتها وكنائسها وصلبانها.

بل اتسعت معها تسمية جبل لبنان المقترنة بها، لتدخل بها نواحي جبيل وكسروان والتي كان معظم أهلها بأمسها من فرق الشيعة، وصولا إلى المتن والشوف، والتي كانت تعرف باسم الغالبين من سكانها وحكامها، ليصبح "جبل الدروز" "جبل لبنان الجنوبي". بل استمر هذا التحول في القرن الماضي، ليتبدل اسم "جبل عامل"، على عمق تاريخه ووزنه الحضاري، فيغدو "لبنان الجنوبي".

إذا كان في هذه التبديلات من الإجحاف الذي لا بد من مراجعته، فإنه لا حرج بأن يشار إلى أن لبنان، والذي أثبتت مآسيه بأنه الوطن لمواطنيه على رغم تنازعاتهم السياسية واختلافهم الطائفي، هو نتاج تاريخي للبطريركية المارونية.

ليس في هذا القول زعم حصرية، بل لا بد من الإشارة إلى الدور الفاعل لسائر الجماعات، جمهورا وزعامات، بالتفيؤ بهذا النتاج حينا، وبالبناء عليه أحيانا، لتحصيل هامش من الاستقلالية إزاء اندفاع قوى خارجية تفوقها قدرة، فرادى ومجموعات. وفي الشق المقابل يتوجب التذكير بأن هذه الأطراف المحلية كافة، من دون استثناء المارونية منها، قد أمعنت كذلك بالاعتماد على القوى الخارجية، في سعي دقيق، ناجح حينا فاشل أحيانا، لموازنة اعتبارات النفوذ المحلية. على أنه يمكن القول من دون مبالغة أنه لولا البطريركية المارونية لما كان لبنان.

"المارونية السياسية"، أو التوجه السيادي المسيحي في لبنان أنقذ الوطن من الانحلال والضياع مرتين على الأقل في العقود الماضية

ثلاث ملاحظات هامة تلقي الضوء على هذا الدور المفصلي في تاريخ المشرق.

الملاحظة الأولى، حول الذمية، هي أن السردية السائدة لتاريخ المشرق يعتليها حكما وطبعا الحضور السياسي للدول السلطانية الإسلامية والحجم الحضاري للدين الإسلامي، وصولا إلى اعتبار المشرق دار للإسلام. هو كذلك. ولكنه، بالدرجة عينها من الأصالة والرسوخ، هو أيضا دار للمسيحية، وغيرها.

والمسيحية المشرقية، بوجهها الماروني بالتأكيد، لم تكن ذمية صاغرة، بل بالتعبير المستحدث حرة وسيادية. فما تشهد عليه المصادر والذاكرة هو أن الكنيسة المارونية، والتي تعود أصولها الروحية إلى قرون سابقة للفتح الإسلامي، لم تندرج قط في إطار عقد ذمة. الموارنة حاربوا وعاهدوا واستأمنوا، وفق المقتضى على توالي العصور، غير أن صفة "الذميين" لم تنطبق عليهم. بل بقيت كنيستهم على قدر متحقق من الحرية في اختياراتها واصطفافتها.

اقرأ للكاتب أيضا: هل السبيل إلى الاستنهاض هو المزيد من 'الوعي' العرقي؟

الملاحظة الثانية حول مقام الكنيسة المارونية، وهي أن هذه الكنيسة هي إحدى كنائس مشرقية عدة تدعي كرسي أنطاكية. يذكر هنا أن الكنائس الرسولية، أي التي أسسها حواريو السيد المسيح وفق التاريخ الكنسي، هي أربع: كنيسة بيت المقدس أسسها مار يعقوب، وكنيسة الإسكندرية أسسها مار مرقس، وكنيستا إنطاكية وروما، أسسهما الرسولان بطرس وبولس، وهاتان الأخيرتان مسكونيتان، أي للعالم أجمع، فهما كنيسة إنطاكية وسائر المشرق، وكنيسة روما وسائر المغرب، متساويتان في التأسيس والدور. وبطريرك أنطاكية هو الند بالتالي لبابا روما، ولكن اللاهوت الكاثوليكي يعتبر أن طروء البدع والهرطقة على الكنائس المشرقية كافة أسقط عنها الصفة الرسولية وتوجب إعادة اتحادها مع كنيسة روما.

الدعوة إلى الاتحاد هذه شطرت كافة الكنائس المشرقية إلى أرثوذكسية مستقلة وكاثوليكية متحدة مع روما. وحدها الكنيسة المارونية خارج هذا الترتيب، بل يسعها الإعلان أن التزامها بالإيمان الكاثوليكي القويم لم ينقطع وكذلك بالتالي اتحادها بكنيسة روما، ما يحفظ لها رسوليتها ويبقي المساواة بين بطريركها وبابا روما. هذا من حيث النظرية.

أما على أرض الواقع، فإن الكنيسة المارونية الصغيرة قد اعتمدت على شقيقتها الكبرى في روما للحماية والدعم على مر تاريخها، ورضيت (بل اعتزت) بتنصيب بطريركها في هيئة الكرادلة الناخبة للبابا. وهذه العلاقة الخاصة بين الكنيستين، والتي توطدت بإصلاحات مؤسساتية وطقسية في القرن الثامن عشر، كانت ولا تزال الأداة الأولى التي اعتمدتها البطريركية المارونية عبر التاريخ لدرء خطر الإخضاع، سواء كان الطرف الساعي إلى ذلك خارجيا يتقصد الطائفة المارونية، أو من داخل الطائفة يسعى إلى التفرد بقرارها.

الملاحظة الثالثة حول سرديات التمايز. خلافا للرواية الذاتية الضمنية، والتي دخلت إلى صلب الخطاب السياسي القومي المسيحي في لبنان، فإن زخم المواجهة الدينية والتاريخية لم يكن محصورا بالصراع بين المسيحيين وخصومهم من المسلمين، بل كان داخليا كذلك لدى هؤلاء ولدى أولئك، أي أن التصادم كان أيضا داخل الصف المسيحي كما داخل الصف المسلم.

أهمل التاريخ المسيحي اللبناني الخلافات التأسيسية المحتدمة بين الموارنة والملكيين بل كاد أن يجتث اليعاقبة من الذكر تماما، رغم أهمية دورهم المغيّب في تاريخ لبنان، وسعى إلى التمايز عن المسلمين، وإن تعسفا. من هنا جاء "الفينيقيون" المنتخبون من قراءة بائدة لتاريخ المنطقة راجت في مطلع القرن العشرين، ومن هنا كان "المردة" الجراجمة المستقدمون من جبل اللكام ليعلنوا آباء قسريين لحاضر ماروني من دون أي تأييد من نص أو أثر. ومن هنا الإشارة إلى أن الموارنة سريان (بصوت خافت، إذ فيها ما يخرجهم إلى حد ما من التأصيل الواهم لفينيقيتهم بعد أن أرساها المنحى الأهوائي التمجيدي).

الإقرار بدور البطريركية المارونية بقيام لبنان والحفاظ عليه ليس دعوة إلى التسليم باللامساواة

اللغة الطقسية المارونية، بعضها على أي حال، سريانية، لأن الكنيسة المارونية في خلفيتها اللاهوتية سريانية، لا لأن الموارنة سريان. بل إن أقدم كتبهم الدينية، كتاب "الهدى"، وهو تعريب (بالحرف الكرشوني) لكتاب صلوات سريانية، يشير صراحة إلى أن عامتهم، قبل أكثر من ألف عام، لم تكن تفهم السريانية. ولكن من حق الموارنة، كما يذهب اليوم عديدهم، ألا يقحموا بهوية عربية تفرض عليهم تماه زائف مع أقوام بعيدين عنهم (النجديون مثلا)، وتنكر عليهم التشابه والتواصل مع آخرين يحاكونهم (الصقليون مثلا). غير أن الإفراط في إبراز التمايز يجعل من بعض الاختلاف "تعددية حضارية" فيما يتجاهل بعضه الآخر. الأقرب إلى الواقع أن سياق الاختلاف والتشابه هو الدوائر المشتركة بالمركز، المارونية واللبنانية والمشرقية والمتوسطية.

تاريخ هذه الكنيسة المارونية، المؤسسة للبنان، تتداخل فيه اعتبارات الانفتاح والتقوقع، الأول عند استتباب الطمأنينة، والآخر عند بروز الخطر. قبل زهاء قرن، أهالي مدن الساحل، وجلهم من المسلمين، جاء موقف معظمهم "رفض الانضمام إلى لبنان الكبير وطلب الالتحاق بالاتحاد السوري على أساس اللامركزية" للطابع الماروني المفهوم للبنان المستحدث. لكن سرعان ما أدرك أعيانهم جدوى لبنان الكبير هذا، رغم الأولوية للطائفة المارونية. إصرار الساسة الموارنة على امتيازات لطائفتهم أمسى بعرف خصومهم "مارونية سياسية"، فيها مسعى إلى ترجيح وتفضيل في خروج عن المساواة الموعودة. والنظام السياسي اللبناني، بعد تعديله، لا يزال ينضوي على قدر كبير من التفاوت.

اقرأ للكاتب أيضا: 'العداوة الفارسية العربية' مقولة فاسدة ومفسدة

غير أن هذه "المارونية السياسية"، أو هذا التوجه السيادي المسيحي في لبنان قد أنقذ الوطن من الانحلال والضياع مرتين على الأقل في العقود الماضية. المرة الأولى، وإن احتوت على أخطاء وتجاوزات معيبة لا بد من الإقرار بها، بوجه تفريط من منظمة التحرير الفلسطينية بالحق اللبناني بالحياة والحرية والكرامة في مسعاها إلى إحقاق الحق الفلسطيني. أما الثانية، وهي اعتراض مسعى نظام حافظ الأسد إلى احتواء لبنان شكلا ومضمونا، وإن ما كان ليحصل لولا المشاركة الشعبية، فإن الرجل الفاصل فيه كان مار نصر الله بطرس صفير، البطريرك الماروني والذي صمد بوجه إصرار نظام دمشق على تفتيت المؤسسات اللبنانية، مصرا على خطاب سيادي لبناني جسّر النجاة للوطن، انطلاقا من الدفاع عن ديمومة الواقع السيادي المسيحي.

الإقرار بدور البطريركية المارونية بقيام لبنان والحفاظ عليه ليس دعوة إلى التسليم باللامساواة. من حق اللبناني أن يسعى إلى تعديل النظام لتجاوز التفاوت بالتمثيل وبلوغ المواطنية الصادقة والتي لا يقاس فيها المواطن على أساس انتمائه الطائفي. ولكن من الحق على اللبناني كذلك، على اختلاف انتماءاته الطائفية والدينية والسياسية، أن يقر بالفضل لقيام هذا الوطن واستمراره للكنيسة المارونية، ولرجال من طينة البطريرك صفير، والذين، بالحقيقة لا المجاز، مجد لبنان أعطي لهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG