Accessibility links

الحجاب أو الهجاء


متجر ثياب إسلامية في سريلانكا

سناء العاجي/

نشر الباحث المغربي على اليوسفي مقالين عن موضوع الحجاب. عنون المقال الأول بـ "الجذور التاريخية للحجاب"، حيث تطرق فيه لبدايات تحجيب النساء ولكون هذا التقليد يخترق ثقافات كثيرة منذ عشرين قرنا قبل مجيء الإسلام؛ بينما خصص الثاني لموضوع "الإسلام والحجاب"، حيث حلل فيه مجموعة من المعطيات بخصوص تأويل وقراءة آيات الحجاب وإخراج الآيات من سياقها وموقف معظم المفسرين من المرأة وجسدها عموما.

تضمن المقالان مجموعة من المصادر والمعطيات التاريخية الموثقة، مما يجعله يبتعد عن مقال الرأي ليقترب أكثر من البحث الأكاديمي الموثق. لكن هذا لم يشفع لصاحبه أمام أصحاب نظرية الأمر الرباني بتحجيب النساء.

تصورات ذكورية يخيفها جسد المرأة فتسعى لتحجيبه ولختانه حتى تمنع عنه المتعة

تفاعل عدد كبير من القراء مع هذين المقالين يطرح أمامنا العديد من نقاط التساؤل:

أولا، نحن هنا أمام تمثل هائل لهوس البعض (الكثير؟) بأجساد النساء وبضرورة تحجيبها. أناس يختزلون الأخلاق والشرف في جسد المرأة وفي حياتها الجنسية والعاطفية.

ثانيا، كثيرون لا يدركون حجم التصور المغلوط الذي تترجمه نظرية تحجيب النساء بخصوص أجساد النساء. هؤلاء يعتبرونها مصدر الفتنة الوحيد. فهل يتخيلون مثلا أن امرأة مثلية قد تفتتن بدورها بأجساد النساء الجميلات وتعشقهن؟ وبالتالي، ما معنى تحجيب النساء في حضرة الرجال حصريا، بينما قد تعشق بعضهن نساء أخريات؟

ثم، هل يدرك هؤلاء أن النساء بدورهن يفتتن بأجساد الرجال؟ يكفي أن نتابع العديد من النقاشات الحميمية لنساء الأجيال السابقة، أو بعض نقاشات الفتيات اليوم على مجموعات مغلقة على موقع فيسبوك، لندرك أن لأجساد ووجوه الرجال أثرها وفتنتها على النساء.

هذا دون أن ننسى أن جسدا فاتنا لامرأة فاتنة... لن يكون له أي أثر على رجل مثلي مثلا!

هذه الأمثلة تترجم لنا حجم المغالطات التي يعكسها تصورنا للجسد وللفتنة. تصور ذكوري محض، بل وناقص لا يأخذ بعين الاعتبار تنوع البشر وتنوع الميولات العاطفية والنفسية والجنسية.

نفس المجتمع طبعا لا يزعجه أن تكون للرجال علاقات عاطفية متعددة. بل إنه قد يشجعهم عليها في إطار إثبات الفحولة والرجولة. لكنه يعتبر أي ماض عاطفي للنساء مخالفة رهيبة للدين وللشرف. وكأن الدين حلل العلاقات الجنسية للرجال وحرمها على النساء!

ألسنا هنا، مرة أخرى، أمام تصورات ذكورية تتغلف بالدين لتبرر وجودها واستمرارها؟ تصورات ذكورية يخيفها جسد المرأة فتسعى لتحجيبه ولختانه حتى تمنع عنه المتعة ولمراقبته بقوانين ذكورية تختزل فيه شرف الأسرة والقبيلة... وهي طبعا نفس التصورات التي تعتبر المرأة قاصرا مدى الحياة، تحتاج لوصي في عدد من تفاصيل حياتها. فهل ندرك المفارقة: نساء قاصرات لا تستطعن أخذ قراراتهن بمفردهن، بينما أجسادهن تختزل شرف كل القبيلة!

يكفي أن تختلف في وجهة نظرك عن السائد والمتعارف عليه، لتنهال عليك الشتائم والإهانات

النقطة الثالثة، التي يطرحها هذا التفاعل، تتعلق بوضع القاصر هذا. بعض التعليقات على مقاليْ علي اليوسفي كانت تشتم (في إطار التعبير عن الاختلاف) أمه وأخته وزوجته، علما أن لا دخل لكل هؤلاء بمقالات اليوسفي ومواقفه. أنت تختلف مع باحث أو مخرج أو صحفي في مواقفه. يفترض منطقيا أن تناقش تلك المواقف. لكنك، بدل ذلك، تتحدث عن أجساد نساء "قبيلته" المفترضة؛ نساء "حريمه". تصور ذكوري مرة أخرى، يعتبر النساء جزءا من أملاك الرجال أو، في أحسن الأحوال، امتدادا له. شرفه في أجسادهن وحجابهن وامتناعهن عن الجنس ما لم يكن متزوجات. بشتم زوجة وأخت وأم شخص ما، يتصور بأنه يهين شرفه؛ بينما هو في الحقيقة يعتدي على سيدات لا علاقة لهن بالنقاش. وهو بذلك يترجم، في الواقع، عدم قدرته على مناقشة الأفكار المطروحة في هذين المقالين أو في مقالات أخرى عموما. أمام عدم قدرته على الحجاج، يكتفي بالسب والإهانة... بما في ذلك إهانة أشخاص لا علاقة لهم بالنقاش الفعلي. بل لعل هؤلاء النساء لسن على علم بتاتا بهذا النقاش.

النقطة الرابعة والأخيرة، مرتبطة بعلاقتنا بحق الآخر في الاختلاف. يكفي أن تختلف في وجهة نظرك عن السائد والمتعارف عليه، لتنهال عليك الشتائم والإهانات. متى سنتعلم الحجاج واحترام الرأي الآخر؟ متى سنتعلم أن الكاتب أو الباحث أو الصحفي الذي يطرح موضوعا للنقاش عبر زاوية الرأي أو البحث العلمي، لا يفرض تصورا معينا (كيف له أن يفعل؟) بل هو يطرح موضوعا للنقاش أو تفاصيل معرفية تستحق البحث والاطلاع كي نغني معارفنا. إذا حدث واختلفنا، يفترض أن نقدم وجهة نظر مختلفة. أما السب والشتم والشخصنة، فهي للأسف لا تترجم إلا مستوى من يسب ويشتم. ألم تقل العرب قديما: "كل إناء بما فيه ينضح"؟

اقرأ للكاتبة أيضا: تلفزيون لا يشبهنا

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG