Accessibility links

الحدائق.. ملاذ العشاق الفقراء


يجلسان في إحدى الحدائق العامة في دمشق

كوليت بهنا/

قبل أيام، تبادل السوريون عبر موقع "فيسبوك" خبرا يفيد بإصدار الحكومة السورية قرارا يمنع التقبيل في الحدائق العامة، مع إلزام المخالفين بدفع غرامة مالية وقدرها خمسمئة ليرة سورية (ما يعادل دولار أميركي) للقبلة الواحدة، وتحمس البعض ونشر صورة لإيصال مالي (فبرك بتقنية فوتوشوب) عن إحدى الغرامات التي سجل فيها ارتكاب "فعل غير اجتماعي"، ودفع المخالف بموجبها (2500) ليرة سورية قيمة خمس قبلات ثبتت ضده.

القصة طريفة، وتداولها عبر "فيسبوك"، فتح الباب واسعا لتفكّه وتندّر البعض حولها، وتسرع بعض المثقفين بتصديق الخبر والتحسّر على غياب الحريات، وتبارى عشاق الفن السابع بنشر صور أشهر القبلات في الأفلام السينمائية، وأبرزها قبلة أنغريد بيرغمان في فيلم كازابلانكا 1942، وغاص البعض في دراسات علم النفس لإثبات أهمية وضرورة القبلة في تعزيز الحياة العاطفية، والتأكيد على أنها تطيل العمر خمس سنوات بسبب تحريضها لهرمون السعادة، فيما ارتفعت في المقابل، الأصوات المتدينة والمحافظة ورحبت بالقرار وأيدته بشدة، واعتبرت أن صدروه تأخر كثيرا لكبح الرذيلة والفلتان الاجتماعي العام.

ليس أمام الشبان والشابات من العشاق الفقراء إلا الحدائق وظلالها الوارفة

لكن الخبر برمته مجرد فبركة وغير صحيح، ولم يثبت من أي مصدر سوري رسمي، وبشكل أوضح، حدث التباس في تفسير قرار صدر مؤخرا عن مديرية الحدائق التابعة لمحافظة دمشق، ويقضي بتغريم (خمسمئة ليرة سورية) لمن يتسبب في تكسير أو تخريب أو إشعال النار لأجل الطبخ أو "النرجيلة ـ الشيشة" في الحدائق العامة، وهي أفعال وصفت ضمن القرار "بأفعال غير اجتماعية"، تم تفسيرها من قبل مشتركي "فيسبوك" بأنها تخص القبلة حصرا، مع الإشارة إلى أن منع التقبيل جهارة في الأماكن العامة لا ينحصر بالبلاد العربية والإسلامية، بل يشمل عددا من الدول دون تغريم مالي، من بينها محطات القطارات في باريس وبعض الولايات الأميركية، وحرم بعض الجامعات الكبرى، واليابان، والأخيرة تعتبر أن القبلة تمهيد للفعل الجنسي، وبالتالي تمنعها في الأماكن العامة.

تشتهر المدن السورية، ودمشق بشكل خاص، بكثرة الحدائق العامة الواسعة والمعتنى بها بشكل جيد، والتي يحكمها مثل جميع الأماكن العامة قانون عام ناظم للآداب الاجتماعية، اعتادت العائلات أن تؤمها مع أطفالها وبخاصة في أيام العطل الأسبوعية والسنوية، إضافة إلى المتسكعين والعاطلين عن العمل، وبعض الشبان والشابات من العشاق.

في سنوات الحرب الثمانية الأخيرة، تحولت الحدائق إلى ملاذٍ طارئ وآمن ومجاني للنازحين قبل أن يتم توزيعهم على مراكز الإيواء، وندر ارتياد العائلات لهذه الحدائق خوفا من قذائف الهاون العشوائية التي كانت تنهال يوميا، مع ازدياد حضور العاطلين عن العمل، جنبا إلى جنب مع الشبان والشابات من العشاق، والذين تعزى أسباب زيادة حضورهم الملفت، إلى محدودية الدخل وارتفاع الأسعار في المقاهي والمطاعم والكافتيريات التي كانت تحتضنهم سابقا وتحتضن عشقهم السرّي.

ومع استمرار تدهور الوضع المعيشي لدى الأكثرية، وبالتالي تحول أحلام الشباب والشابات بالارتباط الشرعي إلى سراب حقيقي وفقا لأسعار العقارات فوق الخيالية، أو العثور على عمل يدر دخلا يكفي قوت أسرة صغيرة، إضافة إلى مقتل أو هروب العدد الأكبر من الذكور خارج البلاد، يرجح تراجع معدلات الزواج وارتفاع عدد النساء العازبات مقارنة للرجال العازبين ارتفاعا كبيرا في المستقبل القريب، وحصر الزواج ونعيم الاستقرار العاطفي والعائلي بالفئة الثرية أصولا أو بأثرياء الحرب الجدد.

من يكره القبلات، ستنتقص سعادته، وينتقص عمره خمس سنوات

أمام هذه الحقائق، ليس أمام الشبان والشابات من العشاق الفقراء إلا الحدائق وظلالها الوارفة وزقزقة عصافيرها، يفرغون فيها بعض احتياجاتهم العاطفية التي تتراوح بين اللمسات والهمسات والقبل السريعة المسروقة. وإذا كان القانون يتساهل أحيانا ويقدر هذه الحقائق، يبقى العرف الاجتماعي هو المشكلة في مواجهة هذه الاحتياجات، إذ تثير عادة رؤية شاب وشابة عاشقين استفزازا لدى فئة كبيرة من المجتمعات المحافظة، والتي تتحمل قدرا وافيا من المسؤولية عن عزوف الشبان عن الزواج بسبب الشروط المالية التعجيزية التي مازالت تفرضها رغم المصاعب الاقتصادية التي أوجدتها الحرب، والتي تستوجب إعادة هيكلة العادات والتقاليد، وأبسطها إعادة هيكلة المنازل بحيث يتم الاستغناء عن غرفة أو أكثر وتخصيصها لزواج الابنة أو الابن، أو المساهمة المالية المباشرة عبر صناديق اجتماعية تخصص للمساهمة في استئجار بيوت صغيرة، أو بناء وحدات سكنية تعتمد نظام الغرفة الواحدة (الاستديو) يمكن أن تساهم في التشجيع على الزواج والاستقرار الاجتماعي.

الحلول كثيرة حين تتوفر الرغبة، وإلى حين توفرها، تبقى رؤية قبلات العشاق التي خصص لها يوم عالمي سنوي في الثالث عشر من أبريل، تعبير إنساني عاطفي نبيل، أجمل بكثير من رؤية ويلات الحرب، أو تورط الشبان بالمخدرات والجريمة، حتى لو دفع لأجلها غرامة دولار كامل، ومن يكره القبلات، ستنتقص سعادته، وينتقص عمره خمس سنوات بحسب دراسات علم النفس المشار إليها أعلاه، فعليه الاختيار.

اقرأ للكاتبة أيضا: "حرب الطفيليات" على طريقة كوريا الجنوبية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG