Accessibility links

الحراك الانفصالي في الجنوب اليمني: نتيجة طبيعية لتراكم الاستهتار


مقاتلون تابعون للمجلس الانتقالي في عدن

حسن منيمنة/

ما يجري في اليمن ليس حربا بل مقتلة. هي مأساة مستمرة لا بفعل حتمية المواجهة والمساعي المنطقية إلى فضّها وإن بالقوة، بل نتيجة طبيعية لتراكم استهتار، يبتدئ في اليمن المفتقد للسعادة وينتهي في العواصم الكبرى.

لم يكن غريبا أن يعمد رأس النظام السلطوي في يمن الأمس، مع اندلاع الانتفاضة الساعية إلى إسقاطه، إلى المناورات والتشبث بمكاسبه والتحالف مع خصوم سابقين لضمان بعض الحظوة، وإن انتهى به المطاف قتيلا بأيدي حلفائه، وإن كان ثمن أفعاله استنزاف بنى الدولة الهشة للتوّ.

ولا عجب بأن تعمد إيران، في مسعاها السلطاني المكشوف رغم استعماء أهل الأهواء، إلى محاولة احتواء جامحة، وإن لم تنجح بالكامل بعد، لمن هم على قدر من التماهي مع عقائدياتها.

ولا مفاجأة بالتالي أن تتحرك دول الخليج العربية للتصدي لما يتعدّى جهد التطويق من جانب إيران، وسط خطابيات مستمرة عن تفتيت للسعودية واستيلاء واستعلاء على ما عداها.

الوحدة اليمنية التي تحققت عام 1990 كانت وحدة طرح، لا وحدة جمع

ومن البديهي أن اعتبارات الكسب المادي وتعزيز مواقع القوة والثروة، من خلال التحكم بتصريف الثروات الطبيعية، النفط والغاز، مؤثّرة إن لم تكن مسيطرة على الاصطفافات، الداخلي منها والخارجي.

ومن المنتظر المتحقِّق أن تنشط الجماعات الجهادية، "القاعدة" ثم "تنظيم الدولة"، في التسرب حيث يظهر الفراغ، مع تراجع الدولة أو نتيجة الاقتتال وما يخلفه من فجوات أمنية واقتصادية.

الخارج عن المألوف في اليمن هو مدى الاستهتار الذي تشهده حروبها إزاء أحوال أهلها. أحوال السوريين والليبيين، فيما يطالهم من الألم والأذى، مشابهة، غير أن اليمنيين، في صعوبة إمكانية تهديدهم لأمن الغرب بأفواج المهاجرين، قد غابوا عن الوعي العالمي خارج إطار التوظيف السياسي السافر.

اليمن حاضر في الأقوال دون الأفعال في بعض المحافل الدولية، ولا سيما منها هيئات الأمم المتحدة، المفتقدة ابتداء للصفة التنفيذية، والتي تزداد تهميشا مع استهتار القوة العظمى، ومعها "العالم الحر"، بالاعتبارات الأخلاقية إزاء تصاعد السياسات الشعبوية الانطوائية.

اليمن في واشنطن قد لا تتجاوز أن تكون ورقة في السجالات السياسية. فتتعالى أصوات الديمقراطيين منددة بتجاهل البيت الأبيض لما يجري فيها من قتل للأبرياء. ليت الصادحين اليوم كانوا استفاقوا بأمسهم، يوم أَذَن محازبهم الحائز على جائزة نوبل للسلام الرئيس السابق للولايات المتحدة، لآلته الحربية قتل الأعداد من أبرياء اليمن في تصيده، بالطائرات المسيرة، للمشتبه بانتمائهم للجماعات الإرهابية في أوساطهم. في خضم تلك الحرب المستترة، سالت دموع باراك أوباما وهو يتأسف لمقتل الرهينة الغربية التي سقطت عرضيا بنيران قواته. على أن عينيه، في تأصيل للاستهتار، اعتراهما الجفاف إزاء من سقط مثلها بأضعاف مضاعفة، من أهل اليمن.

رخيصة هي دماء اليمنين. أحد المقربين من "التحالف العربي" يغضب لاعتراض يسمعه في الولايات المتحدة عن الحاجة إلى تبديل قواعد الاشتباك لتجنيب المدنيين الموت. ألا تذكرون دريسدن وهيروشيما يا هؤلاء، ألم تكن نيتكم أقناع عدوكم بأنه لا مفر له من الاستسلام وإلا عرّض أهله للموت؟ وكذا حالنا، هو يقول. المسؤولون في الرياض يقولون خلاف ذلك، ويعدون كل مرة بمراجعة القواعد. أما الأفعال فلسان حالها أقرب إلى أنه على الحوثي أن يدرك أنه وكل الغالين له يواجهون الموت ما لم يستسلم. قد مضى على هذه "الواقعية" الوقحة أعوام طويلة، والاستسلام لا أثر له، أما ما جناه الحزم والغضب لأهل اليمن فهو المأسي.

على أن الجرم الأكبر بحق هؤلاء ليس من "التحالف العربي"، بل من الفصائل اليمينة نفسها، الحوثية والإصلاحية والجنوبية، ومن الشريحة السياسية التي امتنعت على مدى العقود، رغم الحراك المدني والأهلي في المجتمع اليمني، عن الانتقال إلى صيغة التمثيل الصادق لهذا الوطن المفصلي.

فالوحدة اليمنية التي تحققت عام 1990 كانت وحدة طرح، لا وحدة جمع. ويكاد علم الوحدة اليمني أن يعبر عن واقع الحال هذا، فجاء ليقتصر على المشترك وحسب بين علمي الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، فنزع النجمة الخضراء من الأول، وأسقط المثلث الأزرق والنجمة الحمراء التي تتوسطه من الآخر.

علاقة حضرموت مثلا بصنعاء ليست أقل أصالة اليوم من علاقتها بعدن

وإذا كان التماهي غالبا في الطبيعة الاجتماعية والدورة الاقتصادية لدى الجمهور في اليمنين قبل الوحدة، فإن طبيعة النخبة بين الشطرين وتجربتها التاريخية وتوجهاتها الفكرية والخطابية كانت مختلفة بما منح النخبة الشمالية، الأقرب في ظاهرها من غالب الجمهور، مجالا أوسع للنفوذ. وفي حين أن حكومة اليمن الموحد قد تمكنت من قمع المحاولة الانفصالية الجنوبية عام 1994، غير أنها تخلفت تقصيرا وقصورا عن تحقيق التوازن الصادق الهادف إلى استقطاب كامل الجنوب في نخبه وقواعده الشعبية، بل كان تعويلها على التواصل الموضعي مع المكونات المتابعدة في الأصل للشطر الجنوبي، وعلى الغلبة العددية الشمالية ونشأة جيل في مختلف الأرجاء الجنوبية خارج الوعي الانفصالي، أي بما يعتبر بأن تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية كانت عرضية مرحلية وحسب، إذ هي قامت من "اتحاد الجنوب العربي"، الكيانات القبلية التي أطّرتها السلطات البريطانية، ومن الخصوصية المدينية التي نشأت في عدن وشكلت حاضنة ليسار معولم.

فوحدة "الطرح" كانت في التوقع الضمني الشمالي بأن الحالة اليسارية، والشاذة بالنظر إلى الطبيعة المحافظة لليمن، تسقط مع الوحدة، وتستتب المرجعية الوطنية الموحدة باتجاه صنعاء.

على أنه للكيانات السياسية، مهما كان ابتداؤها عشوائيا، ديمومة وجودية تتجاوز الطرح العقائدي. فالجنوب اليمني لم يكن مجرد مغامرة يسارية تنتفي مع تبدد أحلام بعض المثقفين وأوهامهم، ولا كان مجرد نواحٍ تتوق إلى الاندماج في الهوية اليمنية الواحدة. بل هو أطر وتجربة لم تنتفِ بل بقيت لتشكل مستوى آخر من مستويات الهوية المتعددة المتداخلة.

والانتفاضة اليمنية الهادفة إلى إسقاط الرئيس اليمين المزمن علي عبدالله صالح قد ساهمت بنشوء سردية جديدة في عدن والجنوب، أعادت قراءة الثورة على أنها حرب أهلية للشطر الشمالي لليمن، وأعادت تدوير المظالم الماضية، والتي تنص على أن اليمن الجنوبي مفعول به لا فاعل ضمن الوحدة اليمنية، للتحضير، وإن بمقادير من التردد، لانفصال يعيد للشطر الجنوبي استقلاله. وإذا كان هذا الحراك بالفعل نتيجة تراكم الاستهتار، وإذا صحّ اعتبار مراعاة الإمارات المتحدة للتوجه الجنوبي إقرارا بصواب بعض مقومات السردية المستجدة، فإن الأمر لا يعني بأن الانفصال حاصل لا محالة.

اليمن، في سيره باتجاه النظام الاتحادي، مدرك لحاجته إلى صيغة اتحادية لامركزية متوازنة

ربما أن المعضلة التي تواجه التوجه الانفصالي الجنوبي هي المقولة الواردة أعلاه والتي تشير إلى أنه للكيانات السياسية ديمومة وجودية وإن ابتدأت عشوائيا أو تعسفيا. واليمن الموحد هو أحد هذه الكيانات. فاليمن الجنوبي، الجامع لعدن وحضرموت وغيرها، لا حقيقة موضوعية له تتعدى الحقيقة المقابلة الجامعة لصنعاء وعدن وصعدة وغيرها. وعلاقة حضرموت مثلا بصنعاء ليست أقل أصالة اليوم من علاقتها بعدن. فالاشتراك بالرغبة بالتخلص من تسلط الشماليين، بل ترحيل من ازدحم منهم في عدن وغيرها، والشعور بأن "الجنوب" يدفع ضريبة حروب "الشمال"، ليس مادة تبنى عليها الأوطان.

وفي حين أنه يجوز التنويه بصواب أوجه عدة من القراءة الجنوبية الجديدة، سواء منها التي تبرز هيمنة الشمال أو التي تشخّص الحرب على أنها أهلية شمالية، فإن الحل قد لا يكون بالعودة المستحيلة إلى الماضي. اليمن، في سيره باتجاه النظام الاتحادي، مدرك لحاجته إلى صيغة اتحادية لامركزية متوازنة. رغم السلطوية ورغم العقائديات الأهوائية، بل رغم الحروب القاتلة، التعويل الوحيد هو أن يتمكن اليمنيون أنفسهم، بحراك لا يقتصر على الجنوب، من الانتقال بالصيغة الاتحادية من النظرية إلى التطبيق. والمطلوب من الجوار ومن العالم ليس تخصيص اليمن الجريح بالوصاية والانتداب، بل عدم تحميله أعباء ما هم انغمس في الجميع من استهتار.

اقرأ للكاتب أيضا: حرب قادمة في كشمير؟ الخطر يتعدى جنوبي آسيا

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG