Accessibility links

الحرب و... عطرُ جدّي


طفلان يلهوان أمام ما تبقى من منزلهما

فارس خشّان/

أمضي إجازتي العائلية، منذ سنوات عدة، في "موندليو لا نابول"، وهي بلدة على ساحل جنوب شرق فرنسا، حيث يتلاقى نهر "سيان" الدفّاق مع البحر الأبيض المتوسط.

في هذه العطلة، ومن دون إرادتي، أستيقظ باكرا جدا، فعيناي تنفتحان مع انبلاج الفجر، وأجد نفسي منجذبا، على الرغم من كسلي الجسدي، للمشي في محاذاة الشاطئ.

مرة، قررت بعد مقاومة أن أعكس مساري فمشيت على ضفاف النهر.

في العادة، أتوجه إلى الطريق المتداخل مع الشواطئ الرملية في البلدة، حيث أراقب ولادة الشمس.

عظمة السلام ليس في إنهاء الحرب بل في إزالة آثارها، لا آثار ذاكرتنا

ممتعة رؤية ولادة الشمس من هذه البلدة، لأنها تبدأ مشوارها اليومي من جهة البحر، على أنغام الطيور المرحبة، حيث يتعاون صراخ النوارس وسجع اليمام وهديل الحمام مع هسهسة صرصار الصنوبر وزقزقات العصافير العندليبية، لتؤلف معا جوقة موسيقية مميّزة.

وهذه الولادة الشمسية تدهشني كل يوم، ربما لأنني من خلالها أجدد التأكيد لنفسي بأنني خرجت من "العلبة"، إذ أنه، ومنذ نعومة أظافري، تعلمت أن الشمس حين تلاصق أفق البحر، تكون في مرحلة الغروب، وتاليا فأنا أقبع منتظرا حلول الليل.

إذن، مرة غيّرت هذه العادة، ومشيت والنهر.

في منتصف الدرب، استوقفتني رائحة. جمّدتني. سحبتني إلى طفولتي، ووجدت نفسي أنطق كلمة "جدّي".

كانت رائحة جدّي تعبق في كياني.

دققت في ما يحيط بي، وإذا بشجرة تين أسود تنبسط وارفة ومثمرة على يمين الدرب.

جلست على حافة قرب الشجرة، ورحت أشبع عيني من شجرة تعرفت عليها طفلا صغيرا برفقة جدّي خليل.

كان جدّي، وهو والد والدتي، يصطحبني معه في الصباح الباكر إلى كرمه في قرية "بكيفا" في إقليم الخروب الشوفي، حيث كنا نقطف ما نضج من ثمار التين وعناقيد العنب.

في هذه اللحظة، امتلأت شوقا إلى لبنان.

لم أكن قد زرت بلدي منذ تسع سنوات، لأسباب لا مجال لذكرها هنا، وكنت أحسب أن اختياري لهذه البلدة يمكن أن يعوّضني ما اعتدت عليه في بلادي، مناخا وطبيعة.

إلا أن رائحة شجرة التين قلبت كياني.

بطبيعة الحال، أتى الكاتب الفرنسي الشهير مارسيل بروست على البال، فبدأت من دون إرادتي رحلتي الخاصة بحثا عن الزمن المفقود.

تذكرت كل شيء؛ بخاصة جدّي الذي مات مهجّرا في بيروت من الحسرة على بيته الجبلي وكرومه المعطاءة وأحراجه الصنوبرية الرائعة وحدائقه المفتونة بأشهى الخضار والفاكهة وجلسات الصاج حيث يوقد لجدتي سعاد التي تجهّز لنا خبزا بشهوة ابتسامتها، وجمال موسيقى "طبليتها"، ولذة المواضيع التي تبقيها وجدي غارقين في حوار لا ينقطع، لا برنّة هاتف، ولا بإنذار خبري، ولا بانقياد آلي إلى مواقع التواصل الاجتماعي، ولا بشكوى من... ملل.

وتذكرت السهل الذي كنّا فيه نحيي عيد الصليب في 14 سبتمبر من كل عام، بـ"قبولة" كبيرة، فيما نكون نتلذذ بثمار الخرنوب البنّية التي نرحمها بأسناننا الطرية من عنف المعصرة المسلطة عليها...

ومن تحت أغصان هذه التينة، انطلقت في رسم خارطة الطريق للعودة إلى بلاد جدّي، إلى حيث تعرفت على "عطر التين" وأحببته...

وتمكنت من إزالة العوائق التي كانت تحول سابقا دون هذه العودة، وطرت بحماسة منقطعة النظير، لاستعادة الماضي المفقود، وأحيا، ولو للحظات، ما كنت أعيشه ولدا صغيرا في عطلتي الصيفية، واكتشفت، فجأة، قسوة حرماني منه...

فأنا أريد أن أرى بركة المياه وشجرة اللوز في الباحة الأمامية لمنزل جدّي، وزاوية الصاج وغرفة الطعام في الحديقة الخلفية، وأرغب في شمّ رائحة غرفة المونة المجاورة لمعلف البقرتين في الباحة التحتانية، وأتطلع للعبور إلى الكرم حيث ألتقي في طريقي الصبيرات والجوزة الوارفة...

اعتقدت بأن الحرب التي عصفت بلبنان، قد انتهت إلى غير رجعة. حاليا، أدرك يقينا بأنها مستمرة وتتمادى

كانت عاطفتي تجذبني إلى إحياء جدّي وجدتي. القيامة لا تحتاج دائما إلى معجزة. أحيانا تكفي هذه الخلطة السحرية من الحنين والخيال والذكريات وشواهد المكان، لتتحقق القيامة.

ولكن كل ذلك لم يحصل...

السهل الذي كان يحفظ ضحكاتنا على لهيب "قبولة" عيد الصليب، تحوّل إلى مساحة لخيم زراعية صناعية...

القرية التي كانت تتزيّن بمنازل جميلة متباعدة تفصل بينها حدائق الخضار والفاكهة، أصبحت مزدحمة ببنايات قضت على السحر القروي، والدرب الضيق الذي كان يربط الطريق العام ببيت جدّي أصبح طريقا واسعا يوصل إلى بناية عالية...

اندثر السطح الذي كنا نبسط عليه التين لنشمّسه تمهيدا لوصفة جدّي في تحويله إلى أشهى "تين مطبوخ" بالجوز والمسكة... و"نطنطاتنا".

والساحة الأمامية لم تعد هناك، لا هي ولا اللوزة ولا البركة...

والزاروب المؤدي إلى الحديقة التحتية والمسكون بشجرة "أكي دنيا"، انعدم.

و"حاكورات" جدتي حيث كنا نسقي ونقطف "البندورة" واللوبياء والباذنجان والكوسى والبامية والخيار و"أم قليبانة" (الحمص الأخضر) والفول والبازيللا، وحيث كنا "نجم" البقدونس والنعناء، تكرست للـ"غازون".

ولَم يعد هناك لا غرفة مونة ولا معلف بقر ولا زاوية مخبز. براد كبير في شقة سكنية، هو البديل...

وتنظر من آخر نقطة تطأها قدمك نحو الكروم، فلا ترى الطريق، فالخيم البلاستيكية البشعة، في كل مكان...

"خلطتي" السحرية لم تنجح في إحياء جدّي وجدتي، ومشواري لم يفلح في استعادة الماضي المفقود...

حيث عاش جدّي وجدتي لم أجد إلا موتهما الثاني...

وحيث عشت طفولة ضاحكة لم أعثر حتى على خيالات...

وبالنتيجة، فإنّ "عطر التين" لم يصل إليّ. روائح الأسمدة تفسد الهواء...

تنفست الصعداء أن ولديّ لم يكونا برفقتي، فما أخبرتهما به، بمناسبة العثور على "عطر جدّي" مندثر... لا وجود له.

لو كانا معي لتوهما أنني أخبرتهما سابقا أي شيء، وأنني فبركت وقائع مزيّفة في وطن وهمي لأغشهما بطفولة رومانسية...

أين تلاشى هذا الماضي؟

لقد جرى جرفه مع الأطلال...

دمّرته الحرب، وأكملت عليه "مكافآت" السلم التي استهدفت، أوّل ما استهدفت، ذاكرة الأمكنة والجاذبية القروية...

هذا الماضي انقطع مع تهجير قسري شمل أبناء تلك المنطقة، واغتالته التفاصيل التي رافقت إعادتهم...

حين انتهت الحرب، رجع الأحياء من الناس، ولكن الماضي لم يفعل...

بنى الحاضر نفسه على أساس احتياجاته العاجلة وحسابات الربحية الاستثمارية. الروح الماركنتلية التي سيطرت على المدينة بسطت فلسفتها البشعة على القرى...

في تلك الزيارة إلى حيث عشت طفولتي الصيفية مع جدّي، أدركتني الحرب، فعرفت الحجم الهائل لخسارتي...

كنتُ وأنا جالسا قرب جدّي بعد تهجيره أسمع تأوهات حسرته، لكنني لم أتلمس مدى قساوتها إلا في تلك الزيارة...

سلامنا اللبناني خطر للغاية، فهو كرّس آثار الحرب التدميرية

ما أفظع أن تخسر الذكريات... ما أخطر أن تخسر الماضي... ما أبشع أن تفقد عيناك شواهد الحنين...

لن أعود إلى هذه القرية، مجددا... لا شيء يربطني بما هي عليه اليوم، سوى حجم الكارثة التي ألمت بي... كارثة محو أدلّة ذكرياتي...

سابقا اعتقدت بأن الحرب التي عصفت بلبنان، قد انتهت إلى غير رجعة. حاليا، أدرك يقينا بأنها مستمرة وتتمادى...

عظمة السلام ليس في إنهاء الحرب بل في إزالة آثارها، لا آثار ذاكرتنا.

سلامنا اللبناني خطر للغاية، فهو كرّس آثار الحرب التدميرية، بجرف الذاكرة المكانية وبنزع روح القرية وبإبادة ما صنعته يديّ جدّي وأيادي أجداده قبله...

اقرأ للكاتب أيضا: تخوين معارضي "حزب الله": "قلب الاتهام"

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG