Accessibility links

الحرية في مرمى نيران الصيادين


الممثلة سينثيا إيريفو في العرض الافتتاحي لفيلم "هارييت" في تورنتو

رياض عصمت/

"الحرية"، يا لها من كلمة مسكينة! كنا في شبابنا نحلم بالحرية طائرا مغردا يحلق في سموات الحلم، فإذا بها تحولت في كهولتنا إلى طائر مهيض الجناح، مسجون وراء قضبان قفص، محكوم عليه ـ كما في الكوابيس ـ ألا يسمع صوته أحد.

في عصرنا، صارت الحرية ترفا مسموحا به للببغاوات والطواويس فحسب، أما الكناري والعندليب والبلبل وسواها من الطيور المغردة فهي في مرمى نيران الصيادين. كانت كلمة الحرية فيما مضى تنقش على بنادق الثورات التقدمية وراياتها، وتحتفي بها الجماهير المقهورة بزهو وفخر، فإذا بها تصبح طريدة مشتبها بها عقب اندلاع نيران "الربيع العربي"، بحيث يُسأل عنها المرء تماما كما يسأل عن بندقية "بمب أكشن".

كانت الحرية ذات يوم ـ مثلها مثل "الثورة" و"الاتحاد" و"النهضة" و"الكرامة" ـ أسماء تطلق باعتزاز على الصحف والمدارس والمستشفيات والأندية الرياضية، ويتغنى بها الناس علنا كمفردات وطنية مجيدة، فصارت في القرن الحادي والعشرين تهما يستجوب العسس والجندرمة الموقوفين عن امتلاكها حين يفتشون ضمائرهم قبل الجيوب.

ذهبت الصبية السوداء "مينتي" مع زوجها الحر ذات يوم إلى صاحب المزرعة ليسألاه مباركة وثيقة حصلا عليها من محام تعهد فيها مالك والدتها السابق بعتقها وأولادها وأحفادها عندما تبلغ 45 عاما من العمر. يفاجأ الزوجان ووالدا مينتي بصاحب المزرعة المتعجرف يمزق الوثيقة إربا رافضا أن يمنحهم حق الحرية.

الأمر المدهش في فيلم "هارييت" هو ما يثيره الآن من مشاعر لدى آلاف المهجرين والنازحين

تدعو مينتي الغاضبة بالموت على صاحب المزرعة الذي حرمها ووالدتها وأطفالها المنتظرين من الحرية المنشودة، فيسمعها ابنه الشاب، ويضربها بقسوة، متناسيا نشأتهما معا.

سرعان ما يموت صاحب المزرعة فجأة، فيشعر ابنه الشاب وأمه بأن دعاوى مينتي استجيبت، ويصمما على بيع الصبية السوداء إلى صاحب مزرعة أخرى بعيدة. سبق أن تعرضت "مينتي" في طفولتها المعذبة إلى الجلد بالسياط، وإلى ضربة طائشة أصابتها في رأسها وتسببت لها بنوبات إغماء مفاجئة، وجعلت وميض صور من الماضي والمستقبل تلمع في خيالها، موحية لها بأن تقوم بفعل نضالي، مثلما حدث مع جان دارك.

تلجأ مينتي إلى قس أسود لتعلمه عن نيتها في الهرب من العبودية. يشد القس من عزيمتها ويبث في روحها الشجاعة قائلا: "الخوف عدوك". هكذا، تنطلق مينتي هاربة من ولاية ميريلاند إلى ولاية بنسلفانيا، يطاردها بشراسة وريث المزرعة الشاب ورجاله وكلابه.

في لحظة حرجة، تجد نفسها محاصرة من الجانبين على جسر ضيق، مجبرة على الاختيار بين الاستسلام لبيعها عبدة إلى مزرعة بعيدة عن عائلتها، أو إلقاء نفسها في النهر الهادر لتواجه الموت. تلقي مينتي بنفسها في الماء من علٍ، ويخالها مطاردوها قد ماتت غرقا، فيحجمون عن البحث عنها.

بمعجزة، تنجو مينتي من الغرق، وتقطع مائة ميل على قدميها حتى تصل إلى مدينة فيلادلفيا التي تؤمن منظمة إنسانية فيها الحماية للسود الهاربين من الرق وتوفر لهم فرص العيش الكريم.

لا يهدأ وجدان مينتي عن استعادة صور من تحب والمآسي التي يعيشونها. تتذكر قول القس لها قبل أن تنطلق في رحلة النجاة: "ثقي بالله". هكذا، يدفعها إفلاحها في النجاة بفضل رعاية الله إلى عدم الاكتفاء بنجاتها الشخصية، بل مساعدة الآخرين على نيل الحرية.

تغير "مينتي" اسمها إلى "هارييت"، وتكافح لتحرير أهلها وأصدقائها، مثيرة قلق أصحاب الأراضي البيض من اختفاء عبيدهم الفجائي في بهيم الليل، دون أن ينجحوا في مطاردتهم وإعادتهم قسرا للعمل في المزارع التي يملكون. يطلق أصحاب المزارع على ذلك الناشط، مجهول الهوية، اسم "موسى"، غير دارين أنه ليس رجلا، بل امرأة.

يزداد ابن صاحب المزرعة الأبيض حقدا على من يقوم بتهريب السود من مزرعته، ويفوق بتحريض من أمه استبداد وتعنت والده الراحل في قمع السود العاملين في مزارعهم. بعد مضي عام، تعود هارييت لتهريب زوجها، فتجده قد اقترن بامرأة أخرى اعتقادا منه أن زوجته الأولى التي يحب قد ماتت. تحزن هارييت وتذرف الدموع، لكن تلك المأساة الشخصية لا تكسر إرادتها ولا تضعف عزمها على متابعة مساعدتها أبناء جلدتها على نيل الحرية.

"هارييت" قصة حقيقية إلى فيلم سينمائي في العام 2019، أخرجته كاسي ليمونز، وأسهمت في كتابة السيناريو له بالتعاون مع غريغوري آلن، بينما لعبت بطولته الممثلة سينثيا إيريفو ببراعة واقتدار.

ولدت هارييت توبمان في عام 1822، وخلال 13 مهمة حررت 70 شخصا من العبودية بدءا من عام 1849 حين هربت من العبودية. اشتهرت هارييت توبمان كناشطة مناهضة للرق، وشهدت مأساة مصرع أختها على يدي أحد المرتزقة، لكنها استمرت بثبات في نضالها حتى وقوع الحرب الأهلية الأميركية بين الشمال والجنوب (1961 ـ 1865)، فعملت طباخة ثم ممرضة مع قوات الاتحاد، وترأست حملات أدت إلى تحرير 750 شخصا، إلى أن انتهت تلك الحرب إلى انتصار الرئيس إبراهام لينكولن وإعلان تحرير الأفارقة ـ الأميركيين من العبودية إلى الأبد.

عاشت هارييت 91 عاما، وتوفيت في ولاية نيويورك في العام 1913. من أجمل أقوال هارييت: "كل حلم عظيم يبدأ بحالم. تذكروا دائما أن تمتلكوا في داخلكم القوة والصبر وأن تتوقوا للوصول إلى النجوم من أجل تغيير العالم".

الأمر المدهش في فيلم "هارييت" هو ما يثيره الآن من مشاعر لدى آلاف المهجرين والنازحين ممن دمرت بيوتهم وأملاكهم وقراهم وبلداتهم، مما أجبرهم على الهجرة القسرية طلبا للأمان. لا شك أن شابة سوداء مناضلة من أجل الحرية تذكرنا بعدد من البطلات اللواتي اخترن بمحض إرادتهن التخلي عن حياة رغيدة، هانئة وآمنة، من أجل القيام بما آمنَّ بأنه واجبهن الإنساني.

في عصرنا، صارت الحرية ترفا مسموحا به للببغاوات والطواويس فحسب

أعتقد أن فيلم "هارييت" سيخلف أصداء مؤثرة لدى جماهير البلدان العربية الأربعة التي شهدت تظاهرات جماهيرية حاشدة في العام 2019 تطالب بالإصلاح والحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة في حقوق المواطنة ومعاقبة المستبدين والفاسدين دون تمييز، مهما كان حزبهم أو دينهم أو طائفتهم، حتى وصلت الجماهير الثائرة إلى حد المطالبة برحيل السلطات كافة بعدما أثبتت فشلها في معالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، وبرفع أيدي التدخل الأجنبي السافر عن السياسة الداخلية، وإلى الإطاحة برموز السلطة ومحاكمتهم على الكسب غير المشروع، على مبدأ "من أين لك هذا؟".

لم تسعَ كاسي ليمونز، مخرجة الفيلم والمساهمة في كتابة السيناريو والحوار له، إلى التعقيد الفني، بل اختارت عامدة متعمدة أن تقدم فيلما سهلا، واضح المعالم، سلس الحبكة، برضي عموم الناس.

بالإضافة إلى التمثيل المتمكن في "هارييت"، فإن العنصر المتميز في الفيلم بلا شك هو الموسيقا التصويرية الرائعة التي ألفها تيرانس بلانشارد، والتي ربما أهلته أيضا للترشح للأوسكار.

من الواضح أن المخرجة/الكاتبة لم تول أولوية للمنافسة على جوائز المهرجانات، بل أرادت أن تصنع فيلما جماهيريا يكرم ناشطة سوداء رائدة أصبحت أيقونة في ضمير العالم أجمع، ولعل هذا السبب سيجعل فيلمها ينافس في المسابقات العالمية ويحصد بعض الجوائز بجدارة.

اقرأ للكاتب أيضا: أوديب وأبو الهول

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG