Accessibility links

الديمقراطية إذ تصحح نفسها... "ويستمينستر" نموذجا


متظاهرون مناهضون للبريكست يطالبون بالتصويت مججدا

عريب الرنتاوي/

خلال الأشهر القليلة الفائتة، اتجهت أنظار ملايين المشاهدين حول العالم، صوب "ويستمينستر"، وتابعوا بدرجة عالية من الاهتمام و"التشويق"، مداولات مجلس العموم البريطاني حول قضية "بريكست"، ورأوا بأمهات أعينهم كيف "تعمل" الديمقراطية البرلمانية البريطانية.

شاهدوا إخفاقات رئيس الحكومة المستقيلة تيريزا ماي في انتزاع أغلبية مؤيدة لتفاهماتها مع المفوضية الأوروبية بهذا الشأن... شاهدوا "صراع الديكة" في قاعة المجلس الأشهر والأقدم في تاريخ الديمقراطية الحديثة... رأوا رأي العين، كيف يتمرد أعضاء من حزب المحافظين على حزبهم ورئيسهم...

تابعوا مواقف ممثلي المقاطعات (إيرلندا وإسكتلاندا)... شاهدوا بوريس جونسون بخطابه الشعوبي كيف يتقدم صفوف المحافظين ويترأس حكومتهم... تابعوا الجدل بين "الشعبوية" و"المؤسسية" في دولة اشتهرت بحفظها للتقاليد والأعراف، ورفعها إلى مستوى "فوق دستوري"...

التجربة البريطانية في مسألة "بريكست" قدمت الديمقراطية بمفهومها الأشمل

تابعوا حراك الشارع البريطاني وقوى المصالح المصاحب للنقاشات حامية الوطيس تحت قبة البرلمان... قرأوا الصحافة البريطانية المواكبة للحدث بالرأي والرأي الآخر، بالتحليل والبحث والتنقيب والاستقصاء...

كانت أياما مثيرة للدهشة حقا، وجاذبة لاهتمام كل المتتبعين لـ "الديمقراطية في حيز التطبيق"... كانت أياما "تعليمية" لكل من أراد أن يرى الديمقراطية كيف تصحح نفسها، وكيف تعمل آلياتها على ضبط المسار وإعادة التوازن للعملية... تابعوا كيف توفر الديمقراطية أدوات من داخلها لتصحيح مسارها وتعظيم منجزاتها.

إلى أن جاء قرار المحكمة البريطانية العليا، التي وقفت بإجماع قضاتها الأحد عشر، ضد "الشعوبية"، وفنّدت توصية رئيس الحكومة بتعليق عمل مجلس العموم لمدة خمسة أسابيع، يمرر من خلالها رؤيته وفريقه: "بريكست من دون اتفاق"، وفي موعد أقصاء نهاية أكتوبر...

قرأوا بتمعن الحكم الصادر عن المحكمة وكيف جسّد أفضل تجسيد مبدأ "الفصل بين السلطات"، وكرّس دور المحكمة كقلعة حصينة في مواجهة رياح التعدي و"التغوّل" على السلطة التشريعية من قبل السلطة التنفيذية، وباستقلالية تامة للسلطة القضائية، لم يملك الكثيرون سوى رفع "قبعاتهم" احتراما لها...

قرأوا في قرار المحكمة كيف أخطأت الحكومة وكيف أخطأت الملكة في إجازة "توصية" الحكومة والمصادقة عليها... رأوا قيم الديمقراطية والحكم الرشيد، تنتصر في وجه رياح الشعبوية العاتية، التي هي بحكم طبيعتها، معادية للمؤسسية، وتضرب عرض الحائط بالقيم والمثل التي استقرت عليها الديمقراطيات الراسخة، منذ سنوات وعقود.

أبعد من ذلك، تحوّل مجلس العموم إلى مسرح لتقاذف الاتهامات، ورافعة لتعميق الانقسام، واستخدم النواب من الكتل المختلفة، لا سيما التيار الشعوبي، ألفاظا وعبارات وتوصيفات، لا تليق بالممارسة الديمقراطية، ولا بحرية الاختلاف وحق الرأي والرأي الآخر في الحضور المتساوي على منصات الحوار والقرار...

الديمقراطية التي لم تكن يوما نظاما مثاليا للحكم، بيد أنها بكل التأكيد، النظام الأفضل الذي توصلت إليه البشرية

انتفض رئيس المجلس منددا ومستنكرا للغة الكراهية والتحريض، وتعميق الانقسام، تلك اللغة التي طالما عبّدت الطريق أمام مزيد من الانتهاكات للقانون والحقوق، ووفرت بيئة خصبة لنشؤ تيارات متطرفة، وأحيانا عنيفة ودموية.

الديمقراطية تصحح نفسها... هذا هو الدرس البريطاني المنبثق من تجربة الصراع والانقسام حول "بريكست"... وهو الدرس الذي يتعدى بتأثيراته حدود المملكة المتحدة، إلى القارة الأوروبية التي تشهد جدلا متناميا حول بين تيارات متشابهة، بل وتكاد تكون له تأثيرات و"قيمة عالمية" كذلك.

عالمية الدرس البريطاني

بريطانيا تقاوم الميول الانعزالية لليمين الشعوبي، وترفض خطابه القائم على كراهية الأجانب والميّال بحكم طبيعته، للانغلاق على الداخل والحمائية، الرافض بحكم فلسفته الخاصة، للعولمة والتجارة الحرة وحرية انتقال الأفراد والبضائع والرساميل والخدمات... قليل الاهتمام بالمناخ وتغيراته القاتلة... الجانح صوب "وطنية" تحمل في أحشائها، جذور صراعات قومية لاحقة، وتستبطن عناصر "التفوق العرقي والثقافي والحضاري"، وجميعها عوامل كانت في خلفية الحركات القومية المتشددة في أوروبا، ولطالما تسببت في اندلاع الحروب والنزاعات...

لكن أوروبا، تقاوم هذا التيار، وتنتفض في وجه ممارساته وخطابه، وبريطانيا على هامش "بريكست" قدمت درسا مهما في "الصراع الديمقراطي من أجل الديمقراطية"... الديمقراطية التي لم تكن يوما نظاما مثاليا للحكم، بيد أنها بكل التأكيد، النظام الأفضل الذي توصلت إليه البشرية، بعد طول صراع مع الديكتاتورية و"التوتاليتارية" و"الأوليغارشية" بأشكالها وتجلياتها المختلفة.

صحيح أن الديمقراطية قد تأتي بنخب معادية لها للحكم، تتسلق إلى السلطة بأدوات الديمقراطية مثلما حصل في انتخابات كثيرة حدثت في أوروبا (النازية والفاشية من قبل، واليمين الشعبوي من بعد)... وصحيح كذلك، أن الديمقراطية فتحت الباب لنمو وتكاثر تيارات "قومية" عنصرية في جوهرها، وكارهة للآخر في خطابها، وتحريضية في ممارساتها.

لكنها في المقابل، وفرت من السبل والأدوات والوسائل ما يكفي لمحاربة هذه التيارات وعزلها... فالسلطة لا يمكن أن تُنتزع بـ"بيان رقم 1"، وهي موزعة على السلطات الثلاث التنفيذية والقضائية والتشريعية، وثمة سلطات أخرى لا تقل نفوذا وسطوة، كالإعلام والمجتمع المدني وجماعات الضغط والحركات النسائية والشبابية والمنظمات المدافعة عن البيئة والمناهضة للتغير المناخي...

بريطانيا، اختبرت كل هذه الأدوات، وهي تختبرها اليوم بكل كفاءة واقتدار، والمعركة لم تضع أوزارها بعد، مع من يريدون إعادة عجلة التاريخ للوراء... مقاومة الميول السلطوية لأجنحة اليمين المتطرف والشعوبي، ما زالت مستمرة... و"ويستمينستر" تقدم درسا ثمينا يمكن استلهامه من قبل المدافعين عن الديمقراطية في أوروبا والولايات المتحدة والشرق والغرب.

التجربة البريطانية في مسألة "بريكست" قدمت الديمقراطية بمفهومها الأشمل، وليس بمفهومها "الأداتي" السائد في بقاع شتى من العالم... ولدينا في العالم العربي من يتشدقون بالديمقراطية، ولكن بمفهومها "الأداتي" الضيق، سواء بوصفها صندوقا للاقتراع، وأغلبية تحكم وأقلية تخضع لها، بوصفها "ديكورا" لتغطية الوجوه القبيحة لأنظمة الحكم الديكتاتورية ـ العسكرية والسلالية ـ المطلقة...

لدينا في العالم العربي من يتشدقون بالديمقراطية، ولكن بمفهومها "الأداتي" الضيق

بريطانيا قدمت بالملوس، برهانا على أن الديمقراطية "نمط حياة" و"ثقافة وسلوك" و"توزيع أفقي وعمودي" للسلطة، ومجتمع مدني منظم وفاعل، وإعلام مهني ونزيه ومستقل وصحافة حرة... الديمقراطية بوصفها شبكة أمان وحماية لحقوق الأقلية بقدر ما الأغلبية تمارس حقوقها وتحميها وتحتمي بها... الديمقراطية بما هي نظام قادر على تصحيح نفسه بنفسه، ومن داخله وبأدواته... وبما هي نظام فاعل، حتى وإن أصيب بكساح مؤقت أو بشلل طارئ...

ومهما قيل في توصيف الديمقراطية وتعريفها، فإن أفضل ما قرأت في هذا المجال، قول أحدهم: الديمقراطية يعتمد نظام عدّ الرؤوس بدلا عن تقطيعها... فمتى نتوقف في هذه البقعة من العالم، عن تقطيع الرؤوس أو رميها في غياهب السجون، أو اتهامها بالتآمر وزرع الفتنة، لمجرد أنها تحمل فكرة أخرى، وتجأر مطالبة بالحرية، وتومئ إلى مواطن الخلل والاختلال في حياتنا الوطنية والعامة؟

اقرأ للكاتب أيضا: "التيه" الفلسطيني... بالأرقام

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG