Accessibility links

الرأسمالية (12): الاحتكار والمنافسة!


تمثال منظر الرأسمالية آدم سميث في اسكتلندا (أ ف ب)

بقلم جمال أبو الحسن/

على عكس ما يعتقد أغلبنا، فإن الرأسماليين وأصحاب الأعمال هم أشد الناس عداء للرأسمالية! في الظاهر، يتشدق أرباب الصناعة والمشروعات بإيمانهم المطلق بالنظام الرأسمالي. في حقيقة الأمر، هم يؤيدون جوانب منه تتعلق بحرية النشاط الاقتصادي وقدسية الملكية الخاصة، ويبغضون ركنا رئيسيا فيه: المنافسة المفتوحة!

الحديث هنا بالطبع عن كبار الرأسماليين وليس صغارهم. ذلك أن أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة يستفيدون من المنافسة، بل إنهم لا يستطيعون دخول السوق من الأصل إلا في ملعب مفتوح، وليس مغلقا على الكبار وحدهم. أما هؤلاء الكبار من "الحيتان" فإن الاحتكار هو سبيلهم لتحقيق أرباح هائلة. فالسوق المغلق القائم على منتج واحد، أو اثنين أو ثلاثة، يتيح للشركات الكبرى المحتكرة تحديد السعر الذي ترغب، باعتبار أنها آمنة من المنافسة المحتملة.

أسوأ أنواع الاحتكار على الإطلاق هو ذلك الذي ينشأ بالتواطؤ بين كبار رجال الأعمال والحكومات

ليس غريبا، والحال هذه، أن ينبه "آدم سميث" ـ نبي الرأسمالية الأول ـ إلى مخاطر الاحتكار. هو كتب: "إن أرباب الصنعة الواحدة قلما يجتمعون إلا وانتهى لقاؤهم إلى مؤامرة ضد الجمهور، أو إلى خطة ماكرة لرفع الأسعار". وليس "سميث" استثناء في التحذير من الاحتكار، إذ تنبه إلى مخاطره كثير من الاقتصاديين والمفكرين من أرسطو وحتى "جون ستيوارت ميل".

وواقع الأمر أن المنافسة الكاملة هي حالة مثالية لا تتحقق كثيرا في الاقتصاد الواقعي. المنافسة الكاملة تعني تقاربا كبيرا في السلع المنتجة وتكاليف الإنتاج، وتخفيضا مستمرا في الأسعار. هو وضع يصب في مصلحة المستهلك من دون شك، إلا أنه لا يحقق ربحا كبيرا للشركات وأرباب الأعمال. الربح فوق المعتاد يحدث مع الأوضاع الاحتكارية، بداية من المنافسة الاحتكارية، ومرورا باحتكار القلة (Oligopoly)، ووصولا إلى الاحتكار الكامل (Monopoly)، ومعناه أن تسيطر شركة واحدة على النصيب الأكبر من السوق.

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية: المؤسسة أولا! (10)

ولكن كيف يحدث الاحتكار؟ أصل الاحتكار أن تكون هناك حواجز تمنع دخول السوق، إلا للقلة من الشركات، وربما شركة واحدة. قد تكون هذه الحواجز طبيعية. مثلا: المياه والسكك الحديدية والبريد وشركات الطيران.. كلها تمثل مجالات ينشأ فيها الاحتكار بصورة طبيعية. السبب هو أن تكلفة تأسيس الشبكات التي تخدم هذه الأنشطة (وكل هذه المجالات ترتبط بصورة أو بأخرى بتأسيس شبكة كبيرة كخط سكك حديد أو محطة مياه أو كهرباء) تكون هائلة في البداية، مقارنة بتكلفة منخفضة لتشغيلها. وحالما يتم إنشاء الشبكة، يصبح من غير المجدي اقتصاديا إقامة شبكات أخرى منافسة (تأمل مثلا حالة إنشاء خطوط متنافسة للسكك الحديدية). ومن هنا يتحقق الاحتكار بصورة طبيعية في هذه الأنشطة أو حتى غيرها التي تتيح للشركات الاستفادة من "اقتصاديات الحجم الكبير" ـ كما هو الحال مع شركات البترول مثلا ـ بصورة تضع حاجزا أمام الصغار يمنعهم من دخول حلبة المنافسة.

قد ينشأ الاحتكار كذلك بواقع حصول شركة على براءة اختراع جديد. كان هذا ـ مثلا ـ هو وضع زيروكس في السبعينيات من القرن الماضي في ما يتعلق بسوق الطابعات، و"ميكروسوفت" في التسعينيات في ما يتعلق بسوق برامج تشغيل الكومبيوتر. في مثل هذه الحالات، تشكل براءة الاختراع حاجزا مانعا أمام دخول الشركات السوق.

رفضت السلطات الأميركية في السابق اقتراحا باندماج "كوكا كولا" و"بيبسي كولا" لأنه سيشكل وضعا احتكاريا

بخلاف وضع الاحتكار الكامل لشركة واحدة في السوق، فإن هناك حالات ينشأ فيها الاحتكار من خلال تواطؤ الشركات الكبيرة للحفاظ على السعر المرتفع من خلال الاتفاق على ضبط كميات الإنتاج. هذا ما يسمى بـ "الكارتل". وقد ينشأ الكارتل بين حكومات، كما هو الحال مع منظمة الأوبك التي نشأت في 1960 كآلية تنسيق بين كبار منتجي النفط من أجل الحفاظ على السعر من خلال الاتفاق على كميات الانتاج.

والحال، أن اجماعا تبلور منذ أوائل القرن العشرين بأن الاحتكار ضار بالمنافسة، ومن ثم بالمستهلك. في العقد الأخير من القرن التاسع عشر ظهرت الاحتكارات الضخمة في الولايات المتحدة. مثلا: كانت شركة "ستاندارد أويل"، التي أسسها "روكفلر" تسيطر على 88 في المئة من النفط المصفى في أميركا في 1890، وصار "روكفلر" أول ملياردير في العالم عام 1916. وظهرت الاحتكارات في أغلب قطاعات الاقتصاد الأميركي، مثل صناعة الحديد والسكك الحديدية وغيرها. غير أن حركة مضادة للاحتكار سرعان ما ترسخت وجعلت من "ثيودور روزفلت"، الذي صار رئيسا في 1901، ممثلا لها ومعبرا عنها. وبدأت سلسلة من التشريعات المتتالية بهدف كسر الاحتكار. لقد صارت سياسات مقاومة الاحتكار جزءا أصيلا من المنظومة الرأسمالية، باعتبار أن الاحتكار يضر بجوهرها الأصيل: المنافسة.

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية: المؤسسة أولا! (10)

مع ما سبق، تظل الآراء في شأن الاحتكار متضاربة بين المدارس الاقتصادية. هناك مدارس ترى أن المنافسة كفيلة بالقضاء على الاحتكار بصورة طبيعية من دون تدخل من الحكومات، شريطة ألا تكون هناك حواجز مانعة لدخول السوق. وبطبيعة الحال، فإن ثمة حالات لا يكون فيها كسر الاحتكار هو الإجراء الأمثل. الأمر معقد ويقتضي دراسة أوضاع السوق والشركات بصورة دقيقة لتحديد السياسة الأكثر فائدة للاقتصاد والمستهلك في آن. مثلا: رفضت السلطات الأميركية في السابق اقتراحا باندماج "كوكا كولا" و"بيبسي كولا" لأنه سيشكل وضعا احتكاريا، ولكنها قبلت اندماج "موبيل" و"إكسون" على أساس أن سوق البترول العالمي أوسع كثيرا من هاتين الشركتين العملاقتين بالنسبة للسوق الأميركي.

أما الأمر المؤكد، فهو أن أسوأ أنواع الاحتكار على الإطلاق هو ذلك الذي ينشأ بالتواطؤ بين كبار رجال الأعمال والحكومات. هذا النوع من الاحتكار، الذي يسود في بلدان عربية كثيرة للأسف، يقتل المنافسة ويضر بالمستهلك ويتيح لأصحاب الأعمال الكبار أرباحا لا يمكن وصفها إلا بالنهب.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG