Accessibility links

الرأسمالية (13): العولمة والناقمون عليها!


التجارة، في حد ذاتها، لا تكفي لتحقيق نمو سريع ومتواصل

بقلم جمال أبو الحسن/

العولمة هي نموذج الرأسمالية في عصرنا الحاضر، ولكنها تتعرض اليوم لهجمة مضادة. هل الناقمون على العولمة محقون؟ ومن هم هؤلاء الناقمون؟

ربما يكون القارئ العربي أكثر تعرضا من غيره للأدبيات المضادة للعولمة. لقد شكلت هذه الأدبيات، بفروعها الاقتصادية والسياسية والثقافية، جانبا رئيسيا من الخطاب العام في العالم العربي في التسعينيات وفي مطلع الألفية. ويذكر المتابع للإنتاج الثقافي والأكاديمي في تلك المرحلة سيلا من الكتابات التحذيرية التي تربط العولمة بكل ما هو قبيح واستغلالي. تبارى المحللون الاقتصاديون وكبار الكتاب في تعداد مساوئ العولمة ومخاطرها على الدول النامية باعتبارها سباقا غير متكافئ تخوضه الاقتصادات الأقل نموا، وأن نتيجته محسومة لصالح الاقتصادات الأكثر تقدما وحداثة، بل وتم تصوير العولمة في هيئة أقرب إلى غول خرافي يوشك أن يبتلع الشعوب أو يقذف بها في بحر متلاطم مليء بأسماك القرش، فينتهي بها الحال أفقر مما كانت وأشد بؤسا وتخلفا!

العولمة، شأنها شأن كل الظواهر المرتبطة بالمنظومة الرأسمالية، تفرز رابحين وخاسرين

ولا يسع المرء اليوم سوى أن ينظر إلى هذه الكتابات ـ التي كان بعضها رصينا من دون شك ـ بمزيج من السخرية الفلسفية والتأمل!

الحاصل أن العولمة، وعلى عكس التوقعات والتنبؤات، كانت خيرا عميما على الاقتصادات النامية، خاصة في آسيا. ومكمن السخرية هنا أن الصرخة الحقيقية المضادة للعولمة تأتي اليوم من آخر مكان يمكن توقعه: من قلب العالم الغربي المتقدم الذي أنتج هذه الظاهرة في المقام الأول!

كيف حدث هذا؟

جانب مهم من قصة الرأسمالية هو نمط النمو غير المتكافئ بين دول العالم. السبب الرئيسي في التفاوت في النمو بين مناطق العالم المختلفة يكمن في التكنولوجيا. الرأسمالية، في أبسط تعريف لها، هي استخدام أساليب كثيفة التكنولوجيا للإنتاج عبر فترة زمنية طويلة. الفروق الكبيرة في الدخول والثروات في عالم اليوم هي وليدة تراكم طويل الأمد في النمو الاقتصادي لدى الدول الغنية. الفروق الضئيلة في معدلات النمو تتحول، بتراكم السنين والعقود والقرون، إلى فجوات هائلة. مثلا: نمو الاقتصاد بمعدل 3.5 في المئة سنويا يؤدي إلى مضاعفة حجم الاقتصاد ثلاث مرات خلال خمسة وعشرين عاما. الفروق الصغيرة في النسب المئوية تتحول إلى فروق ضخمة في مستوى الحياة والرفاهة الاقتصادية مع الوقت. في 1870 كان معدل الدخل في الدول الغنية تسعة أضعاف مثيله في الدول الفقيرة. في 1960 كان المعدل هو 38 ضعفا. في عام 1990 وصل إلى 45 ضعفا!

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية (12): الاحتكار والمنافسة!

الأثر التراكمي للنمو يشبه "الفائدة المتراكمة" للأموال المدخرة في البنوك. الوقت الطويل (عقود وقرون) كفيل بأن يؤدي إلى مضاعفة المبلغ الأصلي الذي يتم ادخاره مرات ومرات.

ولكن كيف يحدث النمو في الأصل؟ السر في الإنتاجية. ثمة أسباب ثلاثة تؤدي إلى مضاعفة الإنتاجية: التكنولوجيا، ورأس المال المادي، ورأس المال البشري (أي التعليم والمهارات). عامل التكنولوجيا يعد حاسما في هذه المعادلة. أكثر من نصف النمو في الإنتاجية في الولايات المتحدة يأتي من التكنولوجيا، والباقي من رأس المال؛ المادي أو البشري.

السبب الرئيسي في التفاوت بين مناطق العالم المختلفة في النمو يكمن إذن في كثافة استخدام التكنولوجيا في عملية الإنتاج، فضلا عن توفر رأس المال. تبقى الدول الفقيرة هكذا طالما لم تجد سبيلا إلى مضاعفة الإنتاجية عبر الاستخدام الكثيف للتكنولوجيا. ظاهرة العولمة كانت ـ على النقيض مما قالت به الأصوات المحذرة ـ حلا سحريا وطوق نجاة للدول الفقيرة أو بطيئة النمو التي استطاعت التشبث بها. ذلك أن العولمة أتاحت نقل التكنولوجيا والخبرات ورؤوس الأموال وقوة العمل عبر إسقاط الحواجز على التجارة بصورة غير مسبوقة في التاريخ البشري.

شهدت التسعينيات من القرن والعقد الأول من الألفية تفاعل ظاهرة العولمة وتمددها إلى كل ركن من أركان المعمورة. ترافق ذلك مع صعود ما يسمى بـ"اقتصاد المعرفة" الذي ينتقل بصورة أسهل كثيرا من أشكال الاقتصاد الأخرى. أتاح ذلك أمام الدول النامية ميزة مهمة: إمكانية استغلال التكنولوجيا القائمة من دون الحاجة لاختراعها، مما أهلها للحاق بسرعة وفي زمن صغير بالاقتصادات المتقدمة. كانت المحصلة نموا سريعا ومتسارعا، وخروج الملايين من دائرة الفقر، خاصة في آسيا.

التجارة الحرة بين اقتصاد متقدم وآخر ينتمي للعالم النامي تؤدي بالضرورة إلى تراجع الأجور في الاقتصاد المتقدم

على أن العولمة ليست وصفة سحرية. التجارة، في حد ذاتها، لا تكفي لتحقيق نمو سريع ومتواصل. يحتاج البلد النامي إلى توجيه التصنيع نحو التصدير، وإعادة هيكلة الصناعات للاستفادة من القطاعات ذات الميزة النسبية في التجارة مع الدول الأخرى. ليس صدفة أن الدول التي انتهجت هذا السبيل كانت الأكثر استفادة من ظاهرة العولمة، بينما تعثر الآخرون. الشكوى من العولمة في الدول التي لم تلحق بركابها هي ـ في حقيقة الأمر ـ انعكاس لضعف قدرة هذه الدول على الاستفادة من الفرص التي وفرتها العولمة.

على عكس ما توقع المتشائمون؛ أدت العولمة إلى تقليص الفجوات بين الدول. على أنها أفرزت نتيجة أخرى هي اتساع الفجوات في الدخل بين المناطق داخل البلد الواحد في الكثير من الاقتصادات الغربية المتقدمة (بل والنامية التي شهدت نموا صاروخيا مثل الصين). أي أن العولمة أسهمت في تقليص الفجوات ـ بصورة عامة ـ بين الدول وبعضها البعض، وفي اتساعها في داخل الدولة الواحدة.

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية: كسر الدائرة الجهنمية! (11)

التفسير ببساطة أن التجارة الحرة بين اقتصاد متقدم وآخر ينتمي للعالم النامي تؤدي بالضرورة إلى تراجع الأجور في الاقتصاد المتقدم بسبب المنافسة مع العمالة ذات الأجور المنخفضة في الاقتصاد النامي. أسهم ذلك بدوره في ثبات الدخول في مناطق كثيرة في العالم المتقدم وفي تخلفها عن مثيلاتها في البلد الواحد. ربما كانت هذه الظاهرة أحد البواعث الأساسية وراء ردة الفعل العكسية المضادة للعولمة في أركان مختلفة في العالم الغربي، في أوروبا والولايات المتحدة، والتي عبرت عن نفسها في موجة الشعبوية التي نشهدها الآن.

العولمة، شأنها شأن كل الظواهر المرتبطة بالمنظومة الرأسمالية، تفرز رابحين وخاسرين. هي ليست ظاهرة طبيعية، وإنما منتج بشري قابل للتعديل والتصحيح. ضبط مسار العولمة يمثل أخطر تحد أمام الرأسمالية اليوم.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG