Accessibility links

الرأسمالية: كسر الدائرة الجهنمية! (11)


مبنى البورصة البريطانية

بقلم جمال أبو الحسن/

الدائرة الجهنمية هي تلك التي تنشأ بين منظومة سلطوية مغلقة ونظام اقتصادي قائم على استغلال القلة واستخراج الموارد. هي دائرة تعزز نفسها باستمرار حتى يصبح الخروج منها مستحيلا، حتى بالثورة، إذ إن النخب الجديدة ترث المؤسسات القديمة، وسرعان ما تتورط في الممارسات نفسها، كما فعل ـ مثلا ـ نظام "منغستو" الشيوعي الذي ثار على استبداد هيلا سلاسي في أثيوبيا، ليؤسس مكانه منظومة أكثر انغلاقا في السياسة والاقتصاد. والنماذج في هذا الباب لا تنتهي. في المقالين الأخيرين سبقت الإشارة إلى كتاب "لماذا تفشل الأمم؟" (?Why nations fail)، لصاحبيه James A.Robinson و Daron Acemoglu، وفيه تفصيل لهذه العلاقة العضوية بين شكل المؤسسة السياسية من ناحية، وطبيعة النظام الاقتصادي الذي تنتجه من ناحية أخرى. هذه العلاقة تمثل مدخلا جوهريا في فهم تطور الرأسمالية.

في الكتاب إشارة أيضا إلى تجربة تمثل طفرة رئيسية في تطور التاريخ العالمي للرأسمالية وللديمقراطية على حد سواء. إنها تجربة بريطانيا مع الثورة الصناعية والنظام الرأسمالي. يجادل المؤلفان أن ما أهّل بريطانيا للاستفادة من الثورة الصناعية كان طبيعة مؤسساتها قبل أي شيء آخر. الفكرة أن تطورات صغيرة تحدث ببطء في فترات تاريخية معينة، لا تلبث أن تحدث طفرة عند مرحلة معينة. هذه الطفرة حدثت في بريطانيا دون غيرها لأنها كانت مهيأة لها.

في عام 1215 تمكن اللوردات من تقييد سلطات الملك "جون" في بريطانيا عبر إلزامه استشارة مجلس من اللوردات قبل فرض الضرائب

في عام 1215 تمكن اللوردات من تقييد سلطات الملك "جون" في بريطانيا عبر إلزامه استشارة مجلس من اللوردات قبل فرض الضرائب. إنها الوثيقة التي تعرف في التاريخ باسم "الماغنا كارتا". صحيح أن الملك تمكن من إلغاء هذا المجلس لاحقا، إلا أن أثره ظل باقيا. من طبيعة المؤسسات أنها تتقدم ببطء شديد. في 1265 شهدت بريطانيا أول برلمان منتخب. صحيح أنه تألف من طبقة الأرستقراطية، ولكنه ضم أيضا عناصر من الصناع وأصحاب المصالح التجارية من الطبقات البازغة. الطاعون، الذي اجتاح أوروبا في القرن الرابع عشر، ضرب منظومة الإقطاع في مقتل وأفرز اضطرابات سياسية كبيرة. في 1381 شهدت بريطانيا ثورة فلاحية تم إجهاضها، ولكن كان من نتائجها أن صارت السلطة موزعة على مساحة أوسع.

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية: المؤسسة أولا! (10)

الطفرة الحقيقية جاءت خلال الصراع بين الملك والبرلمان في منتصف القرن السادس عشر. جوهر الصراع هو فرض الضرائب ومنح امتيازات حصرية لأفراد أو جماعات في إنتاج بضائع معينة أو المتاجرة فيها. الحرب الأهلية أطاحت بالملك وانتصر البرلمان، ولكن حلت مكانه ديكتاتورية كرومويل، ثم عودة الملكية من جديد في 1660. التغيير الحقيقي في قواعد اللعبة جاء مع الثورة المجيدة في 1689 عندما تلا البرلمان على الملك "وثيقة الحقوق" وجوهرها باختصار: لا فرض ضرائب بدون موافقة البرلمان. لا يمكن وقف القانون أو تعطيله. إقرار مبدأ الانتخابات.

منذ هذا التاريخ صار البرلمان هو القوة السياسية الحقيقية في البلاد، وشرع في كتابة قواعد جديدة تماما للعبة، ذلك أن مصالح البرلمان تختلف عن مصالح الملك وتعبر عن قطاع أوسع من ملاك الأراضي والأرستقراطية. بالطبع لم تكن هذه ديمقراطية كاملة (في القرن الثامن عشر كان 2 في المئة فقط من السكان في بريطانيا لهم حق التصويت). وفي البداية لم تمنح الأرستقراطية الريفية، المستندة إلى الزراعة، النخبة الصناعية الجديدة حق التصويت. ولكن ما لبث رجال الصناعة الجدد أن وجدوا مكانا لهم داخل البرلمان. كان ذلك التغير حاسما، إذ جرى إصدار قوانين تحمي الملكية الفردية وتثبت براءات الاختراعات (كان ذلك جوهريا في دفع التطور التكنولوجي المرتبط بالثورة الصناعية). وأزاحت الحكومة الضرائب العالية على الأفران والمصاهر والتي طالما أرهقت الصناعة. واستصدرت قوانين تحمي صناعة القطن في مواجهة الصوف. كانت صناعة الغزل والنسيج هي القاطرة التي جرت معها الصناعة كلها لأنها أفضت إلى ظهور تنظيم اقتصادي جديد هو المصنع.

قبل "الثورة المجيدة".. كانت شركة واحدة، هي الشركة الملكية الإفريقية، تحتكر تجارة الأطلنطي (تجارة العبيد) لأن صاحبها كان صديقا للملك جيمس الثاني. اختصم شخص هذا الاحتكار أمام البرلمان من خلال عريضة. استجاب البرلمان. لم يكن هذا ليحدث أبدا أيام الملكية. سرعان ما طالبت مئات الشركات الأخرى بوقف احتكار تجارة الأطلنطي. تم إلغاء الاحتكار في 1698. قارن هذا، مثلا، بالوضع في إسبانيا حيث ظل للملوك حق "الخمس" في تجارة الأطلنطي وكانوا يحتكرونها احتكارا كاملا. في بريطانيا، على العكس، كان القطاع الخاص هو المستفيد الأكبر من التوسع التجاري في العالم الجديد.

قصة الرأسمالية الحديثة، في جانب مهم منها، هي قصة بناء مؤسسات سياسية عبر عقود طويلة من التغيير البطيء المتراكم

تمثيل المصالح الجديدة في البرلمان كان نقلة كبرى. استطاع رجال الصناعة الوقوف بوجه المصالح الأرستقراطية الراسخة. من ذلك مثلا المعركة التي دارت بشأن "قوانين الذرة" التي كانت تحظر استيراد الحبوب، وبخاصة القمح، ومن ثم تحافظ على سعره المرتفع. السعر المرتفع كان يصب في صالح ملاك الأراضي، وليس رجال الصناعة الذين يضطرون لدفع أجور أكبر للعمال للحصول على الغذاء.

كانت تلك حالة كلاسيكية لتضارب المصالح بين قديم يتشبث بالبقاء، وجديد يشق طريقه من خلال مؤسسات مختلفة.

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية.. الاقتصاد أم السياسة؟ (9)

شهدت مانشستر مظاهرة كبرى في 1819 اعتراضا على أسعار الحبوب المرتفعة، جرى قمعها بالقوة. غير أن النخبة السياسية عرفت أنها لا تستطيع الحفاظ على هذا الوضع لفترة طويلة. في 1830 سمح لأصحاب الصناعة الجدد بالتصويت في البرلمان. في 1846 ألغيت قوانين الذرة. ترافق التراكم الرأسمالي والثورة الصناعية في بريطانيا في القرن التاسع عشر مع إصلاحات تدريجية أعطت المزيد والمزيد من السكان حق التصويت. كان هدف هذه الإصلاحات الحفاظ على "المنظومة" نفسها. فعلى قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية أن تضمن إدخال لاعبين جدد وتكنولوجيات جديدة، من دون أن تستطيع القوى والمصالح التقليدية وقف هذا التطور.

قصة الرأسمالية الحديثة، في جانب مهم منها، هي قصة بناء مؤسسات سياسية عبر عقود طويلة من التغيير البطيء المتراكم. من دون هذا التغيير المؤسسي التدريجي لم يكن للرأسمالية، وهي منظومة تختلف جوهريا عن طريقة عمل المجتمعات التقليدية التي عرفتها البشرية طول تاريخها، أن تستقر وتترسخ وتتوسع. الثورة المجيدة لحظة تاريخية فارقة في كسر الدائرة الجهنمية التي طالما حرمت المجتمعات من الابتكار والازدهار. قليلة هي الثورات التي استطاعت تغيير "قواعد اللعبة"، عوضا عن تبديل اللاعبين!

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG