Accessibility links

الرسائل السياسية من فتح المعبر الحدودي بين الأردن وسورية


معبر جابر/ نصيب من الجهة الأردنية

بقلم نضال منصور/

في ظل الحديث المحموم والمتسارع عن فتح المعبر الحدودي بين الأردن وسورية، وفي ظل تزايد الحديث عن الجاهزية والتحديات للبدء بمرور المسافرين وحركة البضائع بين البلدين بعد سنوات من التوقف؛ تذكرت كيف كان الأردنيون يقررون ذات صباح أن يديروا محركات مركباتهم وأن يتوجهوا إلى دمشق من دون ترتيب مسبق. يقضون سحابة يومهم، ويعودون محملين بالطعام الشامي "مونة" البيت لأسابيع، ويكررون الأمر تباعا طوال عامهم، فسورية والأردن توأمان. هكذا ظل الحال حتى أغلقت الحدود بعد سيطرة الجماعات المسلحة على معبر نصيب السوري.

بعيدا عن الاتهامات وحالة التلاوم بين الجهات الرسمية في البلدين، من المؤكد أن فتح الحدود يحقق مصلحة اقتصادية للطرفين، والأهم أنه يبعث رسالة سياسية واضحة لكل الأطراف الإقليمية والدولية أن الأمر استتب فعليا لسلطة النظام السوري وعلى رأسه بشار الأسد.

بعيدا عن كل حالة الجدل والتجاذب لتحديد المسؤولية عما حدث، السؤال الذي يشغل صانعي القرار في عمان ودمشق، هل فتح الحدود خطوة قادمة لا محالة؟ وهل أن ما يفصل عن تحقيقها أيام أو أسابيع أو أشهر معدودات لإصلاح الخراب في المنطقة الحدودية التي كانت عامرة بالنشاط والحركة؟

الجنوب السوري ما زال خاصرة أمنية رخوة لم تطّهر من الإرهابيين والأردن لديه مخاوف

بالتأكيد، إن هذه الأسئلة مشروعة، ولكن ليس سياسيا إذ تصالح البلدان بعد فترة جفاء وقطيعة، بل هي أسئلة ذات طابع أمني يحتاج إلى التروي و"جردة حساب" دقيقة، سواء لحماية أرواح المواطنين الذين سيتنقلون في الاتجاهين، ولكون الجنوب السوري ما زال خاصرة أمنية رخوة لم تطهر من "الإرهابيين" والأردن لديه مخاوف كثيرة وكبيرة في هذا السياق.

قال وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي في تصريحات له منذ أيام إن "الأردن سيعيد فتح حدوده مع سورية عندما تتيح الظروف السياسية والميدانية ذلك".

اعتبر معلقون سياسيون أن تصريحات الصفدي غامضة، فالواقع الميداني وإنجاز الأمور اللوجستية والأمنية أمر مفهوم، لكن ما هي الظروف السياسية التي كان يقصدها الوزير؟

يدرك الأردن أن فتح الحدود ليس مسألة اقتصادية بحتة، رغم فائدتها وضرورتها لعمان، ولكن هل يمكن المضي في هذه الخطوة بمعزل عن الاعتبارات والتفاهمات الإقليمية والدولية؟

اقرأ للكاتب أيضا: صيف ساخن في عمان

بحث الوزير الصفدي الأمر مع القادة الروس من بين جملة قضايا كان على رأسها العودة الطوعية للاجئين السوريين، وتوفير ضمانات لهذا الحل والتوجه، غير أن الغامض في هذا السياق ما هو الموقف الأميركي من ذلك، والأمر نفسه ما هو الموقف السعودي المؤثر في السياسة الأردنية وعلاقاتها مع دمشق ونظام الأسد؟

حتى الآن لا أجوبة شافية تكشفها الحكومة الأردنية، مع أن المحسوم سياسيا وأمنيا أن الدولة الأردنية رحبت ببسط الجيش السوري سلطته على الحدود معها، فهذا يخلصها ولو جزئيا من شبح التهديد الإرهابي وإن ظلت بعض "البؤر" تشكل مصدر قلق لها، وبالأخص "مخيم الركبان" وتواجد جيش "خالد بن الوليد" المحسوب على "داعش" بالقرب من حدودها.

دفعت الأنباء عن قرب فتح الحدود الأردنية ـ السورية وسائل الإعلام في عمان إلى تكثيف أخبارها وتقاريرها عن المستجدات والتطورات. وفي هذا الصدد نشرت معلومات بأن صيانة مكاتب التخليص الجمركي بدأت في الجانب الأردني، استعدادا لمعاودة العمل مع صدور قرار رسمي بفتح المعبر.

بدوره، أكد نقيب أصحاب شركات ومكاتب التخليص ونقل البضائع في تصريحات لجريدة الغد الأردنية ضيف الله أبو عاقولة أن "النقابة شرعت بعد حصولها على تصريح من الجهات المعنية بصيانة مكاتبها بداخل مركز جابر الحدودي التي تعاني من أوضاع صعبة بسبب تكسرها وتعرضها لأضرار كبيرة".

وتابع أن "إعادة فتح الحدود ستعود بفوائد كبيرة على القطاع بشكل خاص، وعلى الاقتصاد الوطني بشكل عام، لأنه يعد شريان التجارة الرئيس بين الأردن وسورية ولبنان وتركيا وعدد من الدول الأوروبية".

من جهته، يقول نائب رئيس هيئة مستثمري المناطق الحرة الأردنية عطا الله الحسبان إن "الحركة التجارية مع سورية ستحيي العديد من القطاعات، بسبب ربط السوق الخليجي مع سورية من خلال الأردن"، فيما يتوقع رئيس هيئة مستثمري المناطق الحرة نبيل أبو رمان أن ترتفع صادرات المنطقة الحرة بالزرقاء بعد فتح معبر حدود جابر مع سورية قرابة مليار دينار أردني (1.4 مليار دولار) سنويا، مشيرا إلى عمل 220 مصنعا مختلفا في المنطقة الحرة، تصدر بضائعها من خلال معبر جابر إلى أسواق لبنان وتركيا ودول أوروبية.

ومع تسارع الحديث عن فتح المعبر الحدودي، كشف الأمين العام لوزارة النقل الأردنية أنمار الخصاونة عن اجتماع سيعقد بين الأطراف المعنية بالنقل من وإلى سورية، مشيرا إلى أن سلامة وأمن الناقلين هي من أولويات الحكومة.

ثمة تغير واضح في المشهد السياسي الأردني في العلاقة مع سورية، فقبل أسابيع كانت الدولة الأردنية تقف على أطراف أصابعها محذرة من نزوح سوري إلى الأردن بعد أن تحرك الجيش السوري بمساندة قوية من القوات الروسية لحسم السيطرة على مناطق الجنوب السوري المتاخمة للأردن، وخاض الأردن معركة صعبة لمنع تدفق اللاجئين إلى أراضيه.

اليوم يتغير الحال، والبداية كانت بالحديث عن العودة الطوعية للاجئين السوريين في الأردن إلى مدنهم، بعد أن أعلنت موسكو عن خطة بالاتفاق مع النظام السوري لضمان عودة اللاجئين، وأعلنت عن زيادة عدد المعابر البرية والبحرية المخصصة لعودة اللاجئين إلى مدنهم وبلداتهم.

وهذا التسارع في حسم الصراع في سورية يبدو وكأنه برأي محللين سياسيين المقدمة لتسوية كبرى في المنطقة، تبدأ من دمشق وتمتد إلى بيروت وبغداد واليمن ضمن صفقة متفق عليها بين واشنطن وموسكو.

وهذا السيناريو يرى في تسريع وتيرة سيطرة الجيش السوري وفتح المعابر والإمساك بزمام الأمور، واقعا يهيئ الأجواء لقبول ما سمي "صفقة القرن" للتعامل مع القضية الفلسطينية، مقترنة بخطوات أكثر صرامة وجدية لعزل إيران وحصارها، مما يفتح الصراع على احتمالات متعددة بينها مواجهة عسكرية.

يجد هذا السيناريو مشككين به، يرون الموقف الروسي الأميركي غير متطابق حيال التعامل مع القضية الفلسطينية وإيران، وبالتالي فإن منطق تبادل النفوذ بين البلدين غير محسوم، وهذا يعني أن هذا السيناريو إذا افترضنا صحته سيجد طريقا مسدودا، ولن يمضي.

اللاعبون أصحاب المصالح هم الأقوى في سورية وهم من يديرون "مسرح الدمى"

رغم تزايد منسوب التفاؤل بقرب فتح المعبر الحدودي بين الأردن وسورية، فإن الكاتب الأردني المعروف فهد الخيطان بمقالته تحت عنوان "متى يفتح معبر نصيب؟" أثار أسئلة وذكر بحقائق تثير شكوكا بأن الطريق سهلة ومعبدة لهذه الخطوة.

قال الخيطان: "لنتذكر بعض الحقائق الأساسية، معبر جابر "نصيب" مع الشقيقة سورية كان مفتوحا بالاتجاهين حتى منتصف العام 2015، ثم أغلق من الجانب السوري وليس الأردني بعد أن انسحبت قوات الجيش السوري من الموقع وسيطرت عليه جماعات مسلحة".

ويشير الخيطان إلى أنه بعد استعادة الجيش السوري سيطرته على المعبر فإن الجانب السوري مطالب بالتقدم إلى الأردن بطلب فتح المعبر ، لأن الأحداث والمشكلات وقعت في سورية.

اقرأ للكاتب أيضا: الأردن .. فضيحة 'مصنع الدخان' تهرب جمركي أم فساد يحميه رجال السياسة؟

وأكمل الخيطان "من حق الجانب الأردني أن يطلب ضمانات أمنية لتنقل مواطنيه على الطريق الواصل بين الحدود والمدن السورية" ويصف ذلك بأنه ليس شرطا تعجيزيا.

إذن رغم كل "التهليل" الإعلامي فإن الأمور لم تنضج لفتح المعبر، وربما تكون الجوانب السياسية والأمنية هي أبرز المعوقات، هذا إذا افترضنا أن القوات الإيرانية وحليفها حزب الله المتواجدين بقوة على الأراضي السورية يرحبان ويسهلان فتح المعبر بين الأردن وسورية للمضي في طي صفحة الماضي.

أحيانا، ليس كل ما تراه على أرض الواقع في سورية والمنطقة العربية ممكن الحدوث، وإنما هناك ما هو تحت الطاولة مما لا تراه العين ولا يسمع به الناس، هو الأكثر قدرة على التحقق، فاللاعبين أصحاب المصالح هم الأقوى، وهم للأسف من يديرون "مسرح الدمى".

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG