Accessibility links

الرقص على أبواب بغداد


مقاتلون من الحشد الشعبي خلال مناورة عسكرية

مشرق عباس/

لم يكن غريبا أن يتراجع الراقصون عن حركاتهم الخطرة في ساحل مضيق هرمز لافتتاح حفلة رقص فخمة على أبواب بغداد، فكل الأدلة تؤكد أن بإمكان الجميع احتمال نتائج مغامرات مميتة في بلاد الرافدين؛ الساحة مجربة ومفتوحة وأقل تكلفة لتصفية حسابات الأصدقاء والأعداء والجيران معا.

مخازن أسلحة للحشد الشعبي يتم قصفها بانتظام، لتكشف صواريخها المتطايرة قرب منازل السكان، أن موسم الاحتفال الإقليمي والدولي قد بدأ فعلا، وأن على العراقيين خلع أزيائهم التقليدية وارتداء عدة الرقص الإلزامي المعتادة، فالشعب عليه التحضير لصخب النار والدم.. والسياسيون عليهم تلقيم أسلحتهم بالأكاذيب والادعاءات والاتهامات والمواقف الانهزامية المخجلة.

في وسط الحلبة تماما، يقف الجنرال قاسم سليماني بملامح غير مستريحة

ولأن العراقيين لا يجيدون الرقص فعلا، فدورهم لا يتعدى إعداد الحلبة وتثبيت أعمدة الإنارة حولها والتصفيق الحاد، فيما يحاول بعضهم يائسا من باب اضطراب الهوية تقليد بعض الحركات الصعبة، منتشيا بتصفيق تقاطعه ضحكات السخرية، ومكتنزا حقده على الجمهور غير المساير، فقد اعتدنا في العراق أن تنتهي حلقات رقص الغرباء فوق أرضنا إلى صراعات دم وانتقام وخراب يقودها راقصونا الفاشلون غيلة بالبسطاء.

هل قصفت مخازن الحشد فعلا بطائرات إسرائيلية أو أميركية؟ أم تم تفجيرها من الداخل في عمل مدبر؟ أم أحرقها آب العراق اللاهب بسبب سوء التخزين واحتوائها على وقود صواريخ؟ تلك الأسئلة لم تطرح حتى يتم الإجابة عنها، فلا أحد يريد الإجابة. وسرعان ما ستزحف مثل هذه الألغاز إلى الظل لتتقدم المواقف والتداعيات، كأن يقرر زعيم الحشد أبو مهدي المهندس أن من لا يصدق نظرية الطائرات الإسرائيلية الأربعة التي جلبها الأميركيون من "أذربيجان" التي لا تمتلك حدودا مع العراق إلا عبر إيران، هو "خائن وعميل"! أو أن تؤكد القوات الأميركية، وهي المسؤول الفعلي عن أجواء العراق، أن لا إجابة لديها حول مصدر هذه التفجيرات، أو أن تقاطع الحكومة العراقية صمتها المطبق لتقول لشعبها ببساطة "إنها لا تدري" وهي الإجابة الأكثر مصداقية التي تعبر عن الوضع الحالي.

الحكومة العراقية لم تستسلم تماما لخيارات سليماني

وكل ذلك ليس في المقدمة حتى، فالمشهد سرعان ما انكشف عن صراع حول تمثيل أبو مهدي المهندس للحشد من عدمه، وعن دور فالح الفياض كرئيس شكلي لهذا التنظيم أو صاحب قرار فعلي، وعن طبيعة الحشد وإذا كان كله يدين بولاء مطلق إلى القرار الإيراني أم بعضه فقط، وعن نهاية لعبة التوفيقية المستحيلة التي حاول عادل عبد المهدي لعبها من دون نتائج بين متناقضات لا يمكن التوفيق بينها.

في وسط الحلبة تماما، يقف الجنرال قاسم سليماني بملامح غير مستريحة. ربما كان ينتظر هبة شعبية عراقية كبرى لنصرة بلاده، فلطالما استمع من الموالين بأن الشعب العراقي مستعد لتنفيذ انتحار جماعي من أجل عيون جيرانه، لكن الحكومة العراقية، على رغم المؤاخذات عليها، لم تستسلم تماما لخياراته. وأن تنقل ساحة المعركة من "مضيق هرمز" المهدد بالتدويل إذا ما استمر بالتوتر إلى أطراف بغداد، ليس قرارا يمكن أن يتخذه مسؤول عراقي مهما بلغت درجة محاباته لإيران، وبيان الرئاسات العراقية الأخير، يبدو أنه دفع باتجاه القول إن لا أحد في العراق يمكنه ذلك، لا بسبب هرمز، ولا حتى ردا على تفجيرات غامضة مازال الحديث عنها يدخل في باب التكهنات.

المشهد سرعان ما انكشف عن صراع حول تمثيل أبو مهدي المهندس للحشد من عدمه

ربما قصفت إسرائيل أهدافا عراقية بالفعل، وهذا خيار مطروح؛ وفي حال ثبت فإن هناك مسارات قانونية على العراق اتخاذها لمواجهة هذا التحدي، لا تقف فقط عند الطلب من المجتمع الدولي التدخل لتنفيذ دوره في حفظ الأمن والسلم الدوليين، بل أيضا على صعيد منع الرسائل التي دأب أصدقاء إيران المحليين بتوجيهها حول نيتهم المشاركة في أي حرب متوقعة دفاعا عن طهران، وعن تهديداتهم الضمنية والمعلنة بقدرتهم على زج الشعب العراقي في هذا الصراع.

ما نخشاه فقط أن تكون الحلبة العراقية قد أعدت بإتقان، وأن كل الصراخ الذي يجري اليوم ليس أكثر من ترحيب بالراقصين التقليديين، الذين خاضوا منافسات رقص عديدة على الأرض العراقية، وغادروا في كل مرة خشبة المسرح لجمهور يهتز مذبوحا لا طربا!

اقرأ للكاتب أيضا: "رهاب" الجيش العراقي!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG