Accessibility links

الزعامات الشيعية في العراق: صراع السلطة والنفوذ


العبادي والصدر

بقلم إياد العنبر/

تعود مجمل الاعتراضات والسجالات التي طغت على نقاشات ما بعد الانتخابات العراقية في 12 مايو/ أيار 2018؛ إلى سبب رئيس، ألا وهو أن نتائج الانتخابات جاءت على خلاف التوقعات التي روج لها المراقبون، وعلى خلاف نتائج استطلاعات الرأي العام التي أجرتها مراكز بحوث أجنبية ومحلية، إذ تصدر تحالف "سائرون" القوائم الفائزة في الانتخابات، وجاء تحالف "الفتح" بالمرتبة الثانية. لم يكن فوز هاتين القائمتين مؤشرا للفوز بالعدد الأكبر للمقاعد في البرلمان المقبل فحسب، وإنما هو مؤشر على إعادة ترتيب تسلسل الزعامات الشيعية في العراق.

إن الواقع الراهن في العراق، يؤشر لصراع بين النخب الصاعدة والنخب الخاسرة داخل ما اصطلح عليه المراقبون بـ"البيت الشيعي"، ومعنى الخسارة هنا ليس الخروج من اللعبة السياسية، وإنما هو خسارة لصدارة المشهد السياسي، والسيطرة على مؤسسات الدولة.

يعد الصراع بين النخب السياسية الصاعدة والخاسرة من أبرز مؤشرات التحول الديمقراطي

بمعنى آخر، أصبحت المعادلة السياسية بعد الانتخابات على النحو الآتي: من حصد النسبة الأكبر من أصوات الناخبين تأهل للحصول على نسبة عالية من المقاعد داخل قبة البرلمان القادم، وهي القوى السياسية الشيعية التي تملك الحضور الفاعل والمؤثر في الشارع، وتوصف بأنها القوى الموازية لسلطة الدولة بسبب ما تمتلكه من نفوذ عسكري بعناوين مختلفة، والمقصود هنا تحديدا "سرايا السلام" التابعة للسيد مقتدى الصدر، وقوات "منظمة بدر" بزعامة هادي العامري، و"عصائب أهل الحق" بزعامة قيس الخزعلي.

في موازاة ذلك، لا يزال حزب الدعوة (بشقيه تحالف "النصر" بزعامة حيدر العبادي رئيس مجلس الوزراء، ودولة "القانون" بزعامة نوري المالكي) يسيطر على النسبة الأكبر من مؤسسات الدولة والمناصب العليا فيها. بالإضافة إلى تغيير في معادلة الأوزان السياسية، فتيار "الحكمة" الذي يترأسه السيد عمار الحكيم، لم يعد نفوذه السياسي يوازي حضوره الإعلامي والدعائي كزعيم سياسي شيعي مؤثر في الأحداث السياسية، فالعشرون مقعدا التي حصل عليها في الانتخابات لا تؤهله إلى أن يتحكم في توجيه وإدارة التحالفات القادمة لتشكيل الحكومة، بقدر ما تعطيه فرصة للعب دور بيضة القبان في التحالفات السياسية.

اقرأ للكاتب أيضا: انتخابات العراق 2018: الفرص والتحديات

إذا، معالم الصراع بين القوى السياسية الشيعية، والتي ستبرز ملامحها في مباحثات تشكيل الحكومة المقبلة، ستكون بين من يسيطر على مقاليد السلطة وإدارة مؤسسات الدولة، وقوى تتمتع بالنفوذ السياسي والعسكري. فالقوى التي حصلت على المقاعد الأكثر في الانتخابات، على الرغم من مشاركتها في الحكومة السابقة، إلا أنها تعتقد بأن الزعامات الحزبية الشيعية التي هيمنت على مقاليد السلطة في العراق طوال خمسة عشر عاما، لم تعد قادرة على تقديم أي منجز سياسي أو خدمي أو أمني، إذ كان إدراكها السياسي ـ ولا يزال ـ يدور في فلك ديمومة مصالحها التي ترسخت من خلال بقائها في السلطة، حتى لو كان على حساب الفشل في إدارة مؤسسات الدولة. وتركز الزعامات السياسية الشيعية الصاعدة في تبرير ذلك على صدارتها نتائج الانتخابات، وعلى عناوينها الصريحة التي دخلت في الانتخابات من دون أن تكون تابعة لتحالفات زعامات الأحزاب السياسية الشيعية المهيمنة على السلطة.

من وجهة نظر دارسي العلوم السياسية، يعد الصراع بين النخب السياسية الصاعدة والخاسرة من أبرز مؤشرات التحول الديمقراطي، ومن دلالاته السلبية قد ينتج العنف السياسي في أقصى حالاتها، أو قد تؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي. لكن دلالتها الإيجابية الأبرز في كونها محطة ممارسة واختبار حقيقي لالتزام المتنافسين السياسيين بمبدأ التداول السلمي للسلطة.

ومن ثم، لم يأت تصريح السيد نوري المالكي نائب رئيس الجمهورية قبل أيام من بدء الانتخابات بالتحذير من حرب أهلية بعد الانتخابات من فراغ؛ لأنه يؤشر إلى إدراكه أن الانتخابات ستؤدي إلى خسارته الشخصية والحزبية لمواقع السلطة والنفوذ في مؤسسات الدولة. ولا سيما أن النخب السياسية في العراق لا تزال تتعاطى مع الديمقراطية بنمط تفكير براغماتي، فهي تعلن التزامها بالديمقراطية على مستوى الخطاب السياسي، أما على مستوى العمل فتتصرف بنمط التفكير الشمولي والسلطوي.

يمكن المراهنة على صعوبة العودة بالنظام السياسي العراقي إلى الهيمنة الشمولية

وهذا ما يمكن تشخصيه في الخطاب السياسي للقوى الخاسرة في انتخابات 2018، فالتقرير الحكومي عن وجود تلاعب وتزوير بنتائج الانتخابات، والذي اعتمده التعديل الثالث على قانون انتخابات مجلس النواب رقم 45 لسنة 2013 المقر من قبل البرلمان، يؤشر في أحد أهم جوانبه إلى مسألة عدم قبول نتائج الانتخابات، ومحاولة القوى الخاسرة خلط الأوراق والإبقاء على دوامة الجدالات السياسية للبحث عن صفقات سياسية قد تضمن لها البقاء ضمن دائرة السلطة.

وعلى عكس القراءات والمواقف المسبقة على صدارة القوى السياسية الشيعية التي يضمها تحالف "سائرون" و"الفتح"، فإن صعود هذه القوى قد يكون فرصة لإنهاء وجود القوى الموازية لنفوذ الدولة. فتحول هذه القوى من النفوذ إلى السلطة يجعلها أمام تحدي الحفاظ على الأمن والاستقرار والعمل ضمن مؤسسات النظام السياسي، وليس بعناوين قوى لا دولتية. فالعمل السياسي سيكون ضمن إطار الدولة ومؤسساتها، ومن ثم التنافس سيكون داخل النظام السياسي، وليس بين مؤسسات هذا النظام، وقوى سياسية ـ عسكرية تنافسه على احتكار العنف المنظم في إدارة المجال العام.

اقرأ للكاتب أيضا: تحدي "موت الديمقراطية" في العراق

ومن جانب آخر، يمكن أن يساهم صعود هذه القوى إلى دوائر السلطة في وضع حد لتغول نفوذ القوى والشخصيات الحزبية التي سيطرت على مؤسسات الدولة وتديرها بالوكالة منذ 12 عاما.

قد يعترض البعض على تلك الفرضية، انطلاقا من ضعف المؤسسات السياسية، ومن ثم ستكون النتيجة محسومة مسبقا لهيمنة قوى سياسية لا تؤمن بالعمل المؤسساتي، وسوف تكون محتكرة لمجالات النفوذ داخل السلطة والمجتمع. ربما يعد هذا الافتراض موضوعيا في ظل الفوضى التي يشهدها العراق. لكن من وجهة نظر أخرى، يمكن المراهنة على صعوبة العودة بالنظام السياسي العراقي إلى الهيمنة الشمولية رغم سيطرة هذه الأيديولوجيا على نمط تفكير الكثير من القوى الحزبية في العراق، وقدرة الانتخابات على كسر دوائر احتكار الأحزاب السياسية التقليدية قد تكون الخطوة الأولى في كسب الرهان بالتقدم نحو دولة المؤسسات.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG