Accessibility links

'السترات الصفراء'... العربية


أحد تحركات "السترات الصفراء" في فرنسا

بقلم فارس خشّان/

تشهد فرنسا "انتفاضة" شعبية ضد غلاء المعيشة تحمل اسم "السترات الصفراء"، انطلقت بعدما فرضت الحكومة رسوما جديدة على الوقود، في إطار عملية "التحوّل البيئي" الهادفة إلى تخفيف استعمال المازوت في السيارات كما في المنازل، نظرا لانعكاسات هذه المادة السلبية على البيئة وعلى صحة الإنسان.

وأخذت هذه الانتفاضة بعدا عالميا لأسباب عدة أهمها اثنتان، الأولى تتمحور حول مراقبة المهتمين لانعكاس بدء تطبيق التوصيات الصديقة لكوكب الأرض على الاستقرار الاجتماعي في الدول المعنية، والثانية تتصل بتحويل فئة من المتظاهرين هذه "الانتفاضة" إلى عمليات تخريب تستهدف جادة الشانزليزيه الموصوفة بأنها "الأجمل في العالم".

ولكن، بدا لافتا للانتباه نوعية المتابعة العربية لهذا الحدث.

الحاكم في الدول الديمقراطية ليس سيّدا مطاعا بل هو منتدب شعبيا لأداء مهمات من شأنها توفير الرفاهية

لا أتحدث هنا عن الفئات التي ترى في كل حدث "انتقاما إلهيا"، على غرار هؤلاء الذين وجدوا في ما حصل عقابا للدولة الفرنسية على تأييدها لثورات تغييرية أدرجت في إطار "الربيع العربي"، إنّما عن فئة استاءت من التظاهرات التي يقوم بها "شعب توفّر له دولته ما يحتاج إليه من طبابة واستشفاء وتعليم وخبز وماء وكهرباء وطرق ووسائل نقل عامة".

بطبيعة الحال، يرى مراقبون في الانتقاد الذي يوجهه مواطنون في الدول العربية للمتظاهرين ضد دولتهم الأوروبية الموصوفة بالرعائية، نوعا من التحسّر على الذات، بسبب حرمانهم، أحيانا، من الحد الأدنى البديهي لحياة طبيعية، الأمر الذي يجعلهم يطمحون في هجرة إلى فرنسا "المُنتفضة غضبا" أو ما يشببها على امتداد الخارطة العالمية. لكنّ هؤلاء المراقبين يتلمّسون، في المقابل، في هذا الانتقاد، نوعا من القبول بخضوع المواطن لإرادة رؤسائه، وكأن ما ينالونه من الدولة هو هبة وليس حقا، أو كأنّه أتى، نتاج كرم الحاكم، وليس نتاج نضال المواطن.

اقرأ للكاتب أيضا: أنين 'الاستقلال' اللبناني

وبفعل هذه الانتقادات التي وجهها مواطنون عرب للمتظاهرين الفرنسيين، أصبح بوسع المراقبين أن يفهموا أكثر أسباب تخبّط أبناء لغة الضاد في مآسيهم الحياتية، في مقابل تنعّم أبناء لغة لامارتين في ما يحسدهم عليه غيرهم ولكنه لا يكفيهم ويثير سخطهم وغضبهم ويدفعهم إلى التظاهر والمطالبة برحيل الرئيس المنتخب.

ومن الواضح أنّ ما لا تفهمه هذه الفئة من المواطنين العرب أنّ الحاكم في الدول الديمقراطية ليس سيّدا مطاعا بل هو منتدب شعبيا لأداء مهمات من شأنها توفير الرفاهية وترسيخ قواعد العيش الكريم، ومتى خرج عن هذه المهمة، ومهما كانت أهدافه المستقبلية نبيلة ومهما كانت المعقوفات التي تعترضه محقة، يهتز الكرسي الذي يتربّع عليه.

وبهذا المعنى، يستحيل على الحاكم في فرنسا، بفعل الثقافة المواطنية وليس بفعل الاندفاعة الذاتية، أن يكون كأي حاكم عربي، فالطائفية لا تحميه، والعدائية للخارج باسم الوطنية لا تُسعفه، والترهيب من "شياطين الداخل" لا يريحه، ولذا هو مضطر، تحت طائلة دفعه إلى الاستقالة أو اقتلاعه انتخابيا، أن يفعل ما يُرضي الناس ويحول دون إغضاب الرأي العام.

و"انتفاضة السترات الصفراء" لا تخرج عن هذا الإطار، بعدما وجد أكثر من ثمانين بالمئة من الفرنسيين أن رئيسهم الشاب إيمانويل ماكرون لا يأبه للانعكاسات السلبية للقرارات التي يتخذها على يومياتهم الحياتية، فهم انتخبوا إنسانا منهم، ولم يأتوا برجل آلي تحركه معادلات الذكاء الصناعي.

يستحيل على الحاكم في فرنسا، بفعل الثقافة المواطنية وليس بفعل الاندفاعة الذاتية، أن يكون كأي حاكم عربي

وانطلاقا من هذا، فإن الفرنسي لن ينتظر، حتى يتحرك غضبا في الشارع، أن يموت على أبواب المستشفيات أو أن يخنقه مازوت مولدات الكهرباء أو أن يترك أولاده بلا مدارس وبلا جامعات، أو أن يحرم عائلته من إجازات مستحقة، أو أن يجد عجائزه بلا مقوّمات حياة. الفرنسي لن يفعل ذلك، خصوصا وأنه حفيد هؤلاء الذين قتلوا عائلة ملكية ألقت به في فم غول الجوع والحرمان.

المواطنون العرب ليسوا مثل المواطنين الفرنسيين، فهم يموتون ويختنقون ويجوعون ويرمون على قارعة الطريق ويحرمون من حقوقهم البديهية ومن كل الحريات العامة، ومع ذلك يجد بعضهم مبررات لحكّامهم ويؤلهونهم، لا بل أن جزءا منهم يسارع إلى تقبيل أحذيتهم الملطخة بدماء أبنائهم.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان و'الحكومة الشمشونية'

قبل أيام فضح الوزير اللبناني السابق سجعان قزّي نظرة أهل السلطة ـ وهو كان لسنوات واحدا منهم ـ إلى المواطن فكتب مقالا أورد فيه الآتي: "أسوأ من الطبقة السياسية في لبنان، هو هذا الشعب المتخاذل. لو تعرّض شعب آخر لما يتعرض له شعب لبنان منذ سنوات، لانتفض وثار وأسقط الحكام والحكومات وكل ما تيسّر".

هذا الكلام يستحيل أن يكتب مثله وزير فرنسي، ليس لأنه يخشى على نفسه من تداعيات كلماته التحقيرية، بل لأنّه ينتمي إلى شعب أثبت بالتجربة، وعلى مر التاريخ والأزمات، أنّ مثل هذه التوصيفات لا تصح فيه.

وبناء عليه، كم تحتاج الشعوب العربية إلى أن تبدأ بخياطة "السترات الصفراء"...

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG