Accessibility links

السعودية في بداية مرحلة الحداثة لا الديموقراطية


سيدة سعودية تتدرب على قيادة السيارة في الرياض

/بقلم: د. نجاة السعيد

ذكرت مقالة في مجلة The Economist عنوانها: الثورة السعودية بدأت بتاريخ 23 June, 2018، أن قيادة المرأة للسيارة من أبرز مظاهر الثورة الاجتماعية. هي فعلا ثورة لكنها ليست من الأسفل للأعلى كباقي الثورات لكنها من الأعلى للأسفل. لذلك هي تعتبر تحولا اجتماعيا بعلاج الصدمة، كما وصفت من قبل الأمير محمد بن سلمان، أكثر منها ثورة بالمفهوم الاعتيادي. فقيادة المرأة وكل التغييرات التي حدثت مؤخرا في السعودية من الفعاليات الترفيهية وتغييرللمناهج التعليمية وتنقيح بعض التفسيرات الدينية وخاصة المرتبطة بالمرأة، لا يمكن أن تحدث من دون تلك الإرادة والقيادة، حيث أن الوضع معقد جدا في السعودية ومازالت الأفكار المحافظة والأيدلوجيات المتشددة مغروسة في طبقة واسعة من المجتمع.

لكن المقالة هاجمت السعودية والإمارات على أنهما تقودان ثورة مضادة ضد الربيع العربي وأي أمل للديموقراطية في المنطقة. وقد أضافت أن أميركا أعطت لهما تفويضا مطلقا بذلك، وكأن هناك إشارة بانتقاد مبطن لإدارة الرئيس ترامب. فأي ديموقراطية هذه وعن أي ربيع عربي ينشد به الذي راح ضحيته آلاف البشر وتشرد ملايين في كل بقاع الأرض بمحصلة 15 مليون لاجئ تقريبا وخسائر مالية تقدر بـ 833 مليار دولار. ألا يجعلنا ما حدث نفكر أن ديموقراطية من دون الابتداء بتنمية وتنوير وحداثة ستؤدي إلى الدمار والفوضى؟

لقد انتقدت المقالة أيضا وضع المرأة في السعودية وممارسة المذهب الوهابي المتشدد الذي كان يغذي الأيديولوجيات الجهادية مثل الدولة الإسلامية. إن كل هذا الكلام يشير إلى أن الانتقاد فقط للانتقاد من دون هدف يذكر. فما الداعي من كل هذا الاسترسال؟! فبغض النظر عن التسميات مذهب وهابي أو مذهب حنبلي متشدد، لقد اعترف الأمير محمد بن سلمان في مقابلة له في برنامج 60 دقيقة الأمريكي أنه فعلا مورس التشدد أو ما يسمى تجاوزا بعهد الصحوة في السعودية بعد أحداث الهجوم على الحرم المكي وبعد ثورة الخميني عام 1979 والآن السعودية في بداية عهد جديد. لكن أليس من المنطق عندما يأتي القائد المناسب للقيام بعمل إصلاح اجتماعي صعب ومعقد ينقذ به المجتمع من العقليات المنغلقة المتشددة التي نبتت في الماضي، أن يقابل بتشجيع أو على الأقل الصمت من الإعلام الغربي؟ كل ما نراه في الإعلام الغربي انتقاد غير بناء وغير واقعي مثل القول أن قيادة المرأة للسيارة كان بضغط من النسويات في السعودية والأمير يريد أن ينسب هذا التغيير لنفسه. أولا قرار السماح للمرأة بالقيادة صدر مع مجموعة تغييرات جذرية لم تكن القيادة بمقدمتها، ثانيا بالنظر إلى واقع السعودية والتشدد الموجود فيها، فمن دون قائد قوي لديه إرادة حقيقية ومن دون حملة التغييرات المخططة التي قام بها، يستحيل تنفيذ هذا القرار حتى لو وجدت آلاف الحملات النسوية على مدى عقود.

إن الوضع الاجتماعي في السعودية معقد جدا وقد ارتبط كثيرا بالمؤسسة الدينية لسنين طويلة، وكما ذكر ولي العهد أنه قام بجهد كبير لإقناع رجال الدين المحليين أن كثيرا من القيود الدينية العاملة في السعودية ليست من عقيدة الإسلام. أيضا أن الإصلاحات في مجال الحياة الاجتماعية بما في ذلك تقديم حق قيادة السيارات للنساء وتوسيع إمكانياتهن في المجتمع، نفذت بعد مناقشات مضنية مع رجال الدين في المملكة، ومع ذلك وإلى الآن هناك معارضة لقيادة المرأة للسيارة نجدها تارة يعبر عنها بالامتعاض على تنفيذ القرار وتارة أخرى بالسخرية من قيادة المرأة. وقد شاهدنا مؤخرا المقاومة لفعاليات الترفيه ومحاربتها بشتى الوسائل وكان آخرها الحملة العنيفة التي شنها المحافظون على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب لباس المشاركات الروسيات في عرض سيرك أقيم في الرياض أيام عيد الفطر وكان الهاشتاغ بعنوان #روسيات_عاريات_بالرياض، الذي أقيل على أثره رئيس هيئة الترفيه.

وبعد كل هذا نجد في مقالةThe Economistفكرة "عبقرية" بفيد بأن الديموقراطية ستساعد ولي العهد على بناء قاعدة جديدة من الشرعية. فهذا الحل الذي أشارت به المقالة لا ينم إلا عن سذاجة الكاتب لأن الديموقراطية في هذه الحالة وفي هذا التوقيت الحالي لن تنفع إلا المتشددين وستعطيهم الذراع باستحكام قبضتهم على المجتمع وتحريم كل مظاهر الانفتاح الأخيرة بما فيها وضع المرأة.

إن الأزمة بين قطر والدول المقاطعة أساسها رؤى مختلفة للعالم العربي ومستقبل المنطقة من ناحية دعم الإسلام السياسي بالسلطة من خلال المناداة بالديموقراطية.فقطر، و"محور الممانعة" الذي تدعمه، المتمثل بالنظام الإيراني وحزب العدالة والتنمية في تركيا وحلفائهم من الجماعات والأحزاب المختلفة، تنادي بالديموقراطية لدعم الإسلام السياسي لتمكنه من السلطة، وقد شاهدنا نتائجه الكارثية في ما يسمى بالربيع العربي، وهذا ما تختلف معه تماما الدول المقاطعة أو ما يسمى بمحور الاعتدال.

ما يستند إليه محور الاعتدال هو ضرورة استئصال ما يسمى بالإسلام السياسي سواء على المستوى الإقليمي أو في حوكمة الدولة. هذا ما دفع السعودية والإمارات لدعم عبدالفتاح السيسي وخليفة حفتر لإنقاذ مصر وليبيا من حكم تلك الجماعات المتشددة، وليس كما يردد الإعلام القطري وبعض الإعلام الغربي أن السبب هو القضاء على الديموقراطية. فقطر ليست معنية بالديموقراطية لكن هدفها الوحيد هو تمكين الإسلاميين من السلطة، وإلا لابتدأت بالديموقراطية على أرضها. في المقابل الدول المقاطعة ترى أنه لن تكون ديمقراطية تحت حكم جماعات متشددة إرهابية مثل جماعة الإخوان المسلمين بل ستسود الفوضى والدمار كما شاهدنا في دول الانتفاضات العربية.

للأسف إن دعم إدارة الرئيس السابق أوباما والدول الغربية غير المحدود لما كان يسمى بالربيع العربي، والذي تم أيضا بتتسيق مع جهات حقوقية ومنظمات غير حكومية غربية بالإضافة إلى تمويل قطري ودعمها اللوجستي والإعلامي خلق نوعا من الشك وازدياد الحذر من تلك الجهات. لتلك الأسباب تضع دول المقاطعة الآن كل من له اتصال بتلك الجهات تحت المراقبة حتى لا يتكرر الخطأ مرة ثانية وهو استغلال مطالبين بحقوق معينة سواء اقتصادية أو اجتماعية، احتمال معرفتهم أو حتى عن تغفيل منهم، لتمرير أجندة سياسية هدفها الأساسي ليس الديموقراطية بل تمكين الجماعات المتشددة من السلطة. إن من المستغرب والذي يزيد من الشك أن بعض وسائل الإعلام الغربية تدعم مواقف قطر وتردد ما تقوله وهو أن دول محور الاعتدال تحارب الديموقراطية، والجميع يعرف أن قطر تدعم الأيدلوجيات والجماعات المتطرفة بطريقة واضحة من خلال آلتها الإعلامية "الجزيرة" التي أعطت منصة للزعيم الروحي للإخوان المسلمين، يوسف القرضاوي، الذي نشر الفتاوى التكفيرية التي أدت إلى مقتل العديد في المنطقة. فكيف لدولة مثل هذه أن تدعم الديموقراطية؟ كيف يمكن لدول محور الاعتدال أن تثق بهذا المشروع؟ وكيف لشعوب المنطقة أن تصدق بعد ذلك أن الهدف نشر الديموقراطية وليس تحطيم دول المنطقة كما حدث في ذلك الربيع العربي المأساوي؟

لتلك الأسباب تقوم السعودية بكل التغييرات الاجتماعية الجذرية، إذ إن سيطرة المؤسسة الدينية على المجتمع طيلة العقود السابقة أثرت على عقليات كثيرين وهذا فيه احتمال جعلهم فريسة سهلة لأطماع مروجي الإسلام السياسي في المنطقة، الذي يستغل الشعوب بشعارات زائفة مثل "الإسلام هو الحل"، فقط ليصل للسلطة.

الهدف الأساسي لمحور الاعتدال هو صد فكرة استغلال الدين والمذهب لأهداف سياسية، وهذا أساس الاختلاف مع النظام الإيراني. في الواقع لا يوجد خلاف مذهبي مع إيران، الخلاف الحقيقي هو مع مفهوم تصدير الثورة الذي اعتمده نظام الخميني منذ 1979 واستغلاله للجماعات والميليشيات المتطرفة للهيمنة على المنطقة. فالصراع ليس بين شيعة وسنة كما يصور الإعلام بل هو بين أيدلوجيات سياسية مختلفة. هدف الحرب في اليمن ليس حربا على جماعة شيعية بل لحماية الأمن القومي السعودي من ميليشيا قريبة جدا من الحدود السعودية استحوذت على الحكم ومدعومة من النظام الإيراني. قطر تدعم ميليشيا الحوثي وتدعم إيران في تلك الحرب ضد السعودية والإمارات، فبالتالي هذه ليست حربا طائفية بل هي اختلافات سياسية بين محور اعتدال يدعم دولة وآخر ممانعة يدعم اللادولة وحكم ميليشيات.

كل الوقائع أثبتت لا يمكن أن تكون هناك ديموقراطية ولا استقرار في ظل وجود الإسلام السياسي، أو بالأصح مفهوم المتاجرة في الدين والأيدلوجيات المتطرفة التي لا يمكن القضاء عليها إلا من خلال تكوين مجتمع متسامح تعددي أساسه التنمية والتنوير والحداثة. لكن لا يمكن التركيز في هذا المشروع التنموي التنويري - الذي ابتدأه الأمير محمد بن سلمان مؤخرا والذي سيكون تأثيره كبيرا جدا على كل المنطقة في حالة نجاحه بسبب ثقل المملكة السياسي والجغرافي - في ظل هذه الانتقادات غير المنطقية من الإعلام الغربي. لقد شاهد العالم والغرب، الذي دعم مشروع الربيع العربي بماكنة إعلام قطرية وتشجيع من محور الممانعة، النتائج الكارثية التي حلت على المنطقة بسبب تطبيق الديموقراطية قبل الحداثة والتنمية، وكيف تناهشت الجماعات المتشددة للوصول للسلطة غير مكترثة بكل متطلبات شعوبها. إذا فلتتم تجربة الحداثة وتطوير المجتمع وتنميته قبل الديموقراطية. فهناك الكثير يجب عمله ويحتاج إلى وقت طويل لأن تغيير الثقافات والأيديولوجيات ليس سهلا.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG