Accessibility links

السعودية وكندا: خلاف أبعد من تغريدة


تشنج يحيط بالعلاقة بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو (الصورة)

بقلم جويس كرم/

لا يمكن ربط الأزمة السريعة بين السعودية وكندا فقط بتغريدة يوم الجمعة حول دعوة كندا لإطلاق سراح الناشطين المعتقلين في السعودية. فالتباعد بين البلدين بدأ في أكثر من ملف وأكثر من اتجاه، وردمه اليوم سيحتاج إلى وساطة وحراك ديبلوماسي هادئ وجدي على أكثر من مستوى.

قرأت الرياض تغريدة وزيرة الشؤون الخارجية الكندية كريستيا فريلاند للإفراج عن الناشطين بأنها تدخل في شؤون وانتهاك للسيادة السعودية، وجاء رد الفعل عليها والتصعيد المتدرج ليعكس خلافا أكبر بين الحكومتين. فقرار وقف الرحلات من وإلى تورونتو، وتجميد التبادل التجاري، وبدء العمل لسحب حوالي 12 ألف طالب سعودي من كندا، وطرد السفير الكندي في الرياض واستدعاء السفير السعودي في أوتاوا، ليس فقط للرد على تغريدة فريلاند واتخذ قبل أكثر من ثلاثة أيام. ومن أبرز الأسباب التي أدت إلى هذا التصعيد ثلاثة:

حصل التصادم بشكل غير مباشر قبل التغريدة وكان عنوانه صفقة الأسلحة التي تبلغ قيمتها 15 مليار دولار

أولا، هناك تشنج كندي ـ سعودي سبق تغريدة فريلاند ويحيط بالعلاقة بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو. فالشخصيتان لم تلتقيا وجها لوجه منذ صعودهما السياسي، ويحملان مقاربة مختلفة وأحيانا متناقضة في العمل السياسي. فالسياسة السعودية اليوم تعتمد مقاربة نمط الاندفاع والحسم في المواقف والربط بين السياسة والاقتصاد، فيما السياسة الكندية مع حكومة ترودو تتبنى القضايا الليبرالية والتقدمية في الداخل والخارج. النهجان مختلفان وكان لا بد من تصادمهما علنا أو وراء الكواليس حول الشؤون المشتركة.

اقرأ للكاتبة أيضا: أردوغان والرهينة الأميركي

ثانيا، حصل التصادم بشكل غير مباشر قبل التغريدة وكان عنوانه صفقة الأسلحة التي تبلغ قيمتها 15 مليار دولار من كندا إلى السعودية. الرياض وقعت الاتفاق في العام 2014 مع الحكومة الكندية السابقة برئاسة ستيفن هاربر، وهي تشمل أكثر من ألف عجلة رباعية متطورة من طراز "جنرال ديناميكس لاند سيستمز كندا (General Dynamics Land Systems-Canada)". وكما معظم العقود الدفاعية ارتأت السعودية، بحسب المحلل وأستاذ العلوم السياسية في جامعة أوتاوا توماس جونوا، أن تكون مدخلا لتوطيد العلاقة مع كندا. إلا أنه مع صعود الليبراليين وحكومة ترودو في 2015، انهالت الضغوط لإلغاء الصفقة وتوقفت عجلة تحسين العلاقات بين البلدين.

ورغم تأكيد ترودو الاستمرار بالصفقة التي تخلق حوالي 3000 وظيفة، فإن المناخ العام للعلاقة لم يعد كما كان عليه في 2014. والتأزم الحاصل اليوم قد يكون مدخلا إما لإعادة إنعاش العلاقة السعودية ـ الكندية والإبقاء على الصفقة أو فتح الباب على أزمة أطول تجمد العمل بها.

الإمارات هي من أقرب شركاء السعودية، وتملك علاقة متينة مع كندا، لذلك، قد تكون قادرة على رأب الصدع

ثالثا، هناك تذمر سعودي حقيقي من تدخل أي طرف في قضايا الناشطين أو أي من الأمور تراها المملكة ضمن نطاق أمنها القومي. رأينا هذا التذمر يقود إلى تصادم مع السويد وألمانيا واليوم مع كندا. ورغم مقارنات البعض للأزمة مع كندا بالأزمة مع قطر، إلا أنها أقرب للأزمة مع السويد بإطارها وأفقها.

استدركت كندا الموقف بسعيها، كما نقلت رويترز الثلاثاء، إلى وساطة إماراتية أو بريطانية مع السعودية. هذه الوساطة لا تعني الحل إنما تعكس جدية من كندا في احتواء الأزمة على الأقل، والسعي إلى حلها على نار هادئة. وهي تعكس أيضا إقرارا كنديا بعمق الخلاف وحاجته إلى وساطة بدل توضيح تغريدة الوزيرة.

اقرأ للكاتبة أيضا: ترامب وإيران.. نحو الصفقة أو المواجهة؟

الإمارات هي من أقرب شركاء السعودية، وتملك علاقة متينة مع كندا، لذلك، قد تكون قادرة على رأب الصدع، وفتح حوار صريح بين الجانبين. هذا الحوار قد يطال العلاقة الدفاعية، كما السياسية، وقد يأخذ وقتا طويلا نظرا للمقاربات المتناقضة بين الطرفين حاليا.

تتحول أزمة تغريدة فريلاند بين كندا والسعودية إلى منعطف أساسي في العلاقة بين البلدين. إذا نجحت الوساطة والحوار حول الملفات العالقة بين الرياض وأوتاوا، نكون أمام علاقة تعاون وانفتاح بين الجانبين، أما الفشل فسيعني أزمة طويلة وتقلبا اقتصاديا وسياسيا وحتى جامعيا. إلا أن بدء هكذا حوار، ولو بالطريقة الحالية، ضروري لتنفيس الاحتقان والحديث بصراحة عن كل الملفات وأفق العلاقة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG