Accessibility links

'السُنة السوريون' والمسألة الأرمنية


تظاهرة لإحياء ذكرى المجازر الأرمينة في الولايات المتحدة

رستم محمود/

في مثل هذا الوقت من كل سنة، وبمناسبة ذكرى الشهداء الأرمن، الذين سقطوا ضحايا المجازر المريعة التي طالتهم قبل أكثر من قرن أثناء الحرب العالمية الأولى، يعود النقاش بشأن الاعتراف والمسؤولية والاعتذار والمحاسبة عن ذلك الحدث الرهيب. حيث يتشكل عادة قُطبان متصادمان في المشهد: الحكومة التركية وترسانة المؤسسات والأدوات الرديفة لها، ونظيرتها الأرمنية ومعها مجتمعات الدياسبورا الأرمنية في مختلف البلدان.

في السنوات الأخيرة ظهرت كثير من المؤشرات، بالذات من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، تدل على أن المزاج العام للـ"السُنة السوريين" هو أقرب ما يكون للخطاب والقراءة التركية الرسمية لتلك الأحداث. بالذات منهم تلك القواعد الاجتماعية "السُنية" المُعارضة، المقيمة منها بالذات في تركيا، أو المناطق الخاضعة للنفوذ التركي، في شمالي غرب سوريا، والذين يُقدرون بالملايين.

ساهم عاملان لأن يظهر هذا النوع من المشاعر والمواقف، التي لم تكن موجودة أو كانت مهمشة من قبل، مثل باقي المواقف والآراء السياسية لعموم القواعد الاجتماعية السورية.

تتحطم قضية هؤلاء السوريين الميالين للقراءة الرسمية التركية. إذ يغدو شيئا موضوعيا أن لا تمتلك قضيتهم أي بُعد أو طاقة أخلاقية

إذ تشعر هذه "الجماعة" السورية بوحدة حال مع الخيارات والنزعات السياسية للحكومة التركية، ضمن الانقسام الإقليمي في المنطقة، إذ يعتبرون أن السلطة التركية هي الأكثر تعاطفا ومساندة لهم في قضيتهم. كذلك يستشعرون نوعا من المرارة لما يعتبرونه شكلا من "تحالف الأقليات" في سوريا. إذ يعتبرون أن المسيحيين السوريين بعمومهم، وبالذات منهم أبناء الطائفة الأرمنية السورية، إنما يوالون النظام السوري في سياق الشرخ السوري الكبير، لأنهم يعتبرونه نظاما أقلويا قريبا من حساسياتهم، في هويته الثقافية وصراعه السياسي مع تركيا، عدوة الأرمن التاريخية، وإن كان هذا النظام مناهضا للأغلبية السكانية السنية.

♦♦♦

يرى هؤلاء السوريون أنفسهم يقولون كلاما مطابقا للدعاية الرسمية التركية، من مثل: "أن ما جرى في تلك السنوات كان عنفا عاديا يجري في كل الحروب، ولم تكن إبادة جماعية متقصدة بحق الأرمن في الدولة العثمانية"، و"الأرمن هم من بدأوا بالمذابح بحق المسلمين العثمانيين، وأن المسلمين إنما فقط ردوا على ما فعله الأرمن"، و"كان الأرمن عملاء للإمبراطورية الروسية، وكانوا مدفوعين من الخارج لتحطيم الدولة العثمانية"، و"أن ما جرى كان مجرد تهجير لظروف الحرب، وأن الأرقام أقل بكثير مما يذكره الأرمن في أدبياتهم ووثائقهم".

بموضوعية تامة، يجد هؤلاء أنفسهم يقولون أشياء مطابقة تماما لما يقال بحقهم، من قبل دعاية النظام السوري وماكيناته الخطابية. الذي يريد أن يقنع العالم بأن المنتفضين السوريين، بالذات منهم الأغلبية المطلقة من القاعدة الشعبية من السنة السوريين، إنما هم مجموعة من العصابات الإرهابية العنيفة، المتعاملة مع القوى الإقليمية والدولية، الساعية لتحطيم سوريا والنيل منها. وتمتد دعاية النظام لأن تقول بأنه ليس ثمة أي عنف أو مجازر في مواجهة هؤلاء، وأن ما يفعله النظام السوري هو سلوك دولة تريد أن تدافع عن نفسها وسيادتها في وجه هؤلاء.

في المحصلة، يجد هؤلاء أنفسهم وقضيتهم وهي تخسر بمستويين رئيسيين، جراء مثل هذا المواقف. سياسيا، إنما يذهبون لأقصى ما يضير هذا القضية. فالنزوع إلى مثل هذه الخطابات والتفسيرات لأحادث مثل المسألة الأرمنية، يعني القبول بأن الصراع الأساسي في تاريخ وحاضر هذه المنطقة، وبالتالي في سوريا الراهنة، هو بين مختلف الهويات القومية والدينية والمذهبية، وليس صراعا سياسيا بين قوى وتشكيلات تسعى لأن تستحصل على حقها بالحضور والحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وقيم حقوق الإنسان.

بهذا التفسير، فإن ما يجري في سوريا هو حرب أهلية عدمية الطابع، لا مضامين سياسية في طياتها، بين قوى قاهرة وشمولية، وأخرى حداثوية وديمقراطية وذات مطالب شرعية. وبالتالي، فإنه من حق الآخرين أن يساووا سياسيا بين النظام السوري ومعارضيه، بين قمعه وعنفه وسلوكه ومؤسساته الإجرامية وتاريخه السياسي، وبين طيف معارضيه السياسيين والاجتماعيين، بكل ما يملكونه من نزعات سياسية نحو تحقيق العدالة والحق في الحرية، والذين تعتبر هذه القواعد الاجتماعية "السنية" أنهم يمثلونها سياسيا.

يجد هؤلاء السوريون أنفسهم يقولون أشياء مطابقة تماما لما يقال بحقهم، من قبل دعاية النظام السوري

المسألة الأخرى هي الخسارة الأخلاقية. فبمثل تلك المقولات والتفسيرات والقراءات التركية الرسمية للمسألة الأرمنية، يغدو تفسير العنف والجرائم التاريخية الكبرى، التي أدت إلى محق وجود جماعات وشعوب كاملة، مثلما جرى مع الأرمن بداية القرن المنصرم، تغدو مسألة اعتيادية وفعلا ميكانيكيا انعكاسيا لمصالح ونزعات القوى المُتصارعة، دون أية روادع أخلاقية ومعايير قيمية تُمايز بين القاتل والمقتول، بين الأقوياء المُعتدين وضحاياهم.

في هذا السياق، تتحطم قضية هؤلاء السوريين الميالين للقراءة الرسمية التركية. إذ يغدو شيئا موضوعيا أن لا تمتلك قضيتهم أي بُعد أو طاقة أخلاقية، يحق فيها للدول الإقليمية والنخب الثقافية والقوى والمؤسسات الدولية لأن تغض النظر عن كل ما يفعله الأسد بحق هؤلاء، وأن يفلت من أية محاسبة. وفي أعلى مستوياته، أن يتابع ما يمارسه بحق هؤلاء، من قتل وتحطيم وتهجير، دون أي رادع.

يفعل هؤلاء السوريون شيئا مطابقا لما يفعله بعض الأرمن وباقي أبناء الجماعات السورية في مختلف القضايا. إذ قد تشاهد أرمنيا سوريا، سليل ذاكرة وتاريخ بالغ المرارة، توارثها وعاشها مع ذويه الأقربين، الضحايا الذين شهدوا قبل عقود قليلة ما تعجز الأقلام عن وصفه؛ لكن ما إن يواجهوا قضايا مطابقة بأكثر من وجه لقضيتهم تلك، حتى يقولون عبارات من مثل: نعم ولكن..؛ بغض النظر..؛ لكن القصة ليست كذلك...إلخ من أشكال المنطق التبريري السُلطوي والعدمي الذي يُقال بحقهم، والذي يكاد أن يكون مُدمرا للذاكرة الإنسانية وحصافها ونزعتها الأخلاقية والوجدانية، بما لا يقل عما تفعله المجزرة الفعلية بذاتها.

اقرأ للكاتب أيضا: ليس لدى بشار الأسد ما يُقايض عليه

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG