Accessibility links

السودان الجديد أمام امتحان مجازر دارفور


نازحات سودانيات ترفعن لافتة تسأل عن موعد محاكمة جرائم اغتصاب الأطفال والإبادة الجماعية خلال زيارة رئيس الحكومة السودانية لمخيم للنازحين

د. عماد بوظو/

التخلّص من النظام الديكتاتوري العنصري الذي ترأسه عمر البشير وحكم السودان لثلاثة عقود كانت الأسوأ في تاريخه، لم يكن سوى خطوة أولى في طريق طويل قد يقود إلى نظام ديمقراطي عصري، ولكن الوصول إلى ذلك وعودة السودان إلى المجتمع الدولي يتطلب من الحكم الجديد اتخاذ عدد من القرارات الجريئة، أولها وأكثرها أهمية الاعتراف بحرب الإبادة والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها حكومة البشير في دارفور، والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية حول ذلك، للتأكيد على أن النظام الجديد يريد فتح صفحة جديدة مع الداخل والخارج يتبرأ فيها من ممارسات العهد السابق.

وهذا يبدأ بالاعتراف بتوصيف المجتمع الدولي لأحداث دارفور؛ المصادر العربية تستخدم مفردات من نوع الحرب أو الصراع أو النزاع المسلح، حتى أن بعضها يستعمل مفردة "أزمة" وكأن مجازر دارفور، التي استمرت لسنوات طويلة، مجرّد توتر أو سوء تفاهم عابر بين طرفين متناسبين في القوة؛ بينما المراجع الدولية باللغة الإنكليزية تستخدم عبارة مختلفة وأكثر تحديدا ودقّة لوصفها وهي "جرائم الإبادة الجماعية في دارفور"، والتي تعني حسب التعريف القانوني: جريمة دولية تحدث عبر سياسة قتل جماعي منظّم تقوم بها عادة حكومات، وتتضمن عدة جرائم كالقتل والتهجير وإخضاع الجماعة المستهدفة عمدا لظروف معيشية يراد بها تدميرها الكلي أو الجزئي مثل حرق القرى والحقول.

ظهر أول تقرير عن التطهير العرقي في دارفور عام 2003. وفي 2004 خلص تقرير لـ "هيومن رايتس ووتش" إلى أنه لا مجال للشك بأن حكومة السودان مذنبة بجرائم ضد الإنسانية في دارفور، ولاحظت "هيومن رايتس ووتش" أنه تم استخدام الاغتصاب كسلاح في التطهير العرقي للأفارقة من أبناء المنطقة، وأن الحكومة السودانية والجنجويد قد اعتمدوا هذا الأسلوب مع النساء والأطفال، ثم تراكمت الشهادات التي أعطت أمثلة عن وحشية لا يمكن تخيّلها، فحسب وصف محمد آدم إدريس: "في البداية يفاجأ أهالي القرية بحشود تقتحم قريتهم ممتطية الأحصنة والجمال فتقتل وتنهب وتحرق المنازل المنهوبة، ثم تقوم بجمع النساء وسط القرية ويجردوهن من ملابسهن ويتناوبون على اغتصابهن أمام أسرهن، ومن يعترض يقتل".

من مصلحة الحكم الجديد في السودان أن يدرك أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم

وفي شهادة أخرى قال جمال إبراهيم 34 عاما الذي فر من قريته "مرشينغ" عام 2003 إن الميليشيات هاجمت قريته وأحرقت منازلها وقتلت والده وعمه واغتصبوا شقيقتيه أمام عينيه، وهو موجود اليوم في مخيم "كلمة" مع عشرات آلاف اللاجئين.

وقال شخص اسمه إدريس واصفا ما حدث في قريته "دبس" عام 2003، "هناك مشاهد لا يمكن أن تمحى من ذاكرتي حرقوا مسجد القرية والمصلّين داخله خلال صلاة الصبح وقتلوا ألف شخص في قرية عدد سكانها خمسة آلاف، يمكنك أن تتخيل طفلا رضيعا ينتزع من أمه ويرمى في النار قبل أن يغتصبوها، أو اغتصاب زوجة أو أخت أمام أهلها".

نتيجة مئات الشهادات المماثلة اعتبرت المنظمات الدولية أن ما حدث في دارفور هو أول جريمة إبادة جماعية في القرن الواحد والعشرين، لأنها استهدفت الرجال والنساء والأطفال من مجموعات عرقية وقبلية محدّدة شملت بشكل خاص قبائل الفور والمساليت والزغاوة، وأحال مجلس الأمن بالقرار رقم 1593 الوضع في دارفور منذ عام 2002 إلى المحكمة الجنائية الدولية، باتهامات تضمنت إحراق وتدمير أكثر من 1600 قرية وقتل واغتصاب وتهجير ثلاثة ملايين شخص.

وحسب البروفيسور إيريك رييفس الخبير الأميركي في الشؤون السودانية فإن أكثر من مليون طفل قد قتلوا أو اغتصبوا أو أصيبوا بجراح أو تم تهجيرهم أو فقدوا والديهم أو عائلتهم خلال حرب الإبادة هذه، كما اتهمت منظمة العفو الدولية الحكومة السودانية باستخدام أسلحة كيمائية عام 2016 ضد المواطنين في دارفور، اعتمادا على صور أقمار صناعية ومئتي مقابلة شخصية مع ضحايا وطواقم طبية موثقة بالصور وأشرطة الفيديو، بالإضافة لشهادات خبراء في الأسلحة الكيماوية، والتي كشفت عن المدى الذي وصل إليه استهتار النظام السوداني السابق بالمجتمع الدولي.

ولم ينجح نظام البشير بإقناع أحد بأن هجوم مجموعات متمردة من دارفور على وحدات عسكرية عام 2003 يمكن أن يبرّر كل هذه الجرائم، وإتباع سياسة الأرض المحروقة في محاولة لاستئصال مجموعات بشرية كاملة، قتل فيها أكثر من 300 ألف شخص حسب تقدير للأمم المتحدة عام 2013.

وحسب ما جاء في نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، "في هذا النوع من الجرائم تشمل قائمة المذنبين: من أصدر الأوامر، ومن حرّض عليها ومن نفذ الجرائم إلى الساكتين عنها رغم علمهم بخطورتها"، وبناء على ذلك فقد أعلنت المحكمة الجنائية الدولية ابتداء من عام 2008 أن لديها أدلة دامغة تدين عمر البشير، وأصدرت مذكرات اعتقال بحقه لخمس جرائم ضد الإنسانية وجريمتي حرب وثلاث جرائم إبادة جماعية، وهذا يعتبر سابقة لرئيس وهو على رأس عمله.

يفترض إيجاد حل للمأساة الإنسانية في معسكرات لاجئي دارفور داخل وخارج السودان

من مصلحة الحكم الجديد في السودان أن يدرك أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم ولا يمكن القفز فوقها أو تبريرها، وأن موقفه منها سيكون أول امتحان أخلاقي وإنساني له، ومن الأفضل له التعاون مع المنظمات الدولية لتحديد الأطراف التي شاركت فيها من الوحدات النظامية والجنجويد لمحاسبتهم، وتسليم عمر البشير والمطلوبين الرئيسيين للمحكمة الجنائية الدولية، حتى يكون ذلك بمثابة رسالة لمن يقومون بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بأن العدالة ستطالهم عاجلا أم آجلا، وبمثل هذه الخطوات يثبت الحكم الجديد أنه يريد تضميد جراح سكان دارفور ولم شمل السودانيين من جديد.

ويفترض أن يترافق ذلك مع إيجاد حل للمأساة الإنسانية في معسكرات لاجئي دارفور داخل وخارج السودان، والعمل على إعادة توطين السكان في مناطقهم الأصلية وإحيائها من جديد بالتعاون مع المجتمع الدولي، وبمثل هذه الخطوات سينال الحكم الجديد ثقة العالم بحيث يتمكن من الحصول على المساعدات الدولية التي هو بأشد الحاجة إليها لبناء مستقبل أفضل لأبنائه.

خلال الثورة أقامت المعارضة السودانية معرضا للصور جول مجازر دارفور في ساحات الاعتصام أثناء الثورة على البشير في أبريل الماضي، وهذا ما يبعث على الأمل بأن السلطة الجديدة تعرف حجم الفظائع التي تعرض لها سكان دارفور، وتدرك مسؤولياتها وتعرف ما عليها فعله.

اقرأ للكاتب أيضا: الأزهر وحلم الدولة الدينيّة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG