Accessibility links

السودان وإسرائيل.. تاريخ علاقات البلدين في السرّ والعلن


البرهان التقى نتانياهو في أوغندا

لم يكن لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، وهو اللقاء الذي أحدث جدلا كبيرا داخل السودان، مجرد فقاعة في الهواء، فقد سبقه اجتماعات سابقة تعود إلى مرحلة ما قبل استقلال السودان، وحتى من داخل نظام البشير نفسه الذي كان يكن العداء لإسرائيل.

صحيفة هآرتس الإسرائيلية التي رصدت في مقال مطول تاريخ المحطات الودية والعدائية بين البلدين قالت إن حكومة نتانياهو حاولت "بهدوء أن تجعل السودان دولة سنية صديقة لإسرائيل"، لكن هذا الأمر "لن يكون سهلا" بالنظر إلى رفض المعارضة السودانية التي اتهمت البرهان بمحاولة إقامة علاقات مع "العدو".

ويرصد التقرير أن الفصل الأول للعلاقات بدأ خلال مرحلة ما كان يسمى "السيادة المشتركة" بين المملكة المتحدة ومصر للسودان (في الفترة من 1899 إلى 1956).. في ذلك الوقت كان السودان يفاوض من أجل نيل استقلاله، رئيس حزب الأمة المعارض الصديق المهدي (خلفه ابنه الصادق المهدي بعد ذلك) كان يخشى أن يعرقل الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر السودان عن نيل استقلاله، والتقى المهدي برفقة وفد يمثل الحزب "سرّا" في لندن بدبلوماسيين في السفارة الإسرائيلية في لندن، للحصول على الدعم.

وبعد حصول السودان على استقلاله في عام 1956، استمرت هذه اللقاءات السرية لسنوات لكن هذه المرة ليس بواسطة القنوات الدبلوماسية ولكن من خلال الموساد، ثم انتهت بشكل نهائي لسنوات هذه اللقاءات سواء سرا أو علنا.

وأشار التقرير كذلك إلى رجل أعمال إسرائيلي سويسري يدعى "نسيم عون" لعب دورا بارزا في تسهيل العلاقات بين إسرائيل والسودان تركزت على العلاقات الاقتصادية، قبل أن ينتهي "شهر العسل" بين البلدين في نهاية الخمسينيات مع حدوث انقلاب وبسبب نفوذ عبد الناصر على السودان لتحويله إلى دولة معادية لإسرائيل، حتى أن السودان أرسل وحدة عسكرية صغيرة لمساعدة مصر خلال حرب الأيام الستة.

خلال السنوات الـ10 المقبلة، لم تكن هناك علاقات بين البلدين ، لكن إسرائيل انخرطت في الشأن السوداني من خلال مساعدة المعارضة في الجنوب. قاد هذا الجهد عميل الموساد السابق ديفيد بن عوزيل الذي كان يلقب بـ"طرزان". ساهم الرجل في دعم حركة "أنيا- أنيا" الانفصالية" التي كانت تسعى للانفصال عن السودان بقيادة الجنرال الجنوبي جوزيف لاقو الذي كان قد التقى رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير.

وانطلاقا من قواعد في أوغندا وكينيا، كان سلاح الجو الإسرائيلي يلقي الذخيرة والأسلحة لمساعدة المعارضة، التي قامت بمساعدة الموساد بتدمير الجسور على النيل وإقامة الكمائن للجنود في الجيش السوداني.

لعب الموساد والبحرية الإسرائيلة دورا أيضا حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية بين الجنوب والحكومة المركزية (وقعت مع الرئيس السوداني جعفر النميري عام 1972 اتفاقية أديس أبابا التي أنهت الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب).

هذا الدور برز هذه المرة بنهاية السبعينيات من خلال تهريب اليهود الإثيوبيين الفارين من المجاعة ونظام الحكم في بلادهم إلى إسرائيل.

أدار الموساد بشكل سري منتجعا سياحيا على البحر الأحمر كان واجهة لهذه العملية واستطاعوا تهريب نحو 18 ألف إثيوبي إلى إسرائيل.

في عام 1981، التقى "سرا" وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك آرييل شارون بالرئيس السوداني جعفر النميري في كينيا. كان شارون يخطط بمساعدة من الملياردير السعودي عدنان خاشقجي لإرسال أسلحة إلى السودان للمساعدة في إسقاط حكم الخميني في إيران وتعيين الشاه المعزول مكانه، على أن يقوم خاشقجي بتمويل هذه الأسلحة، لكن الخطة فشلت بعد أن ألغاها الموساد الذي لم يكن على علم بها.

في عام 1984 واصلت إسرائيل عملية تهريب اليهود الإثيوبيين وهذه المرة بمساعدة من النميري ورئيس الجهاز الأمني عمر الطيب عن طريق دفع رشى لهما مقابل أن يغضا الطرف عن العملية. هآرتس قالت إن منظمة يهودية دولية تسمى "لجنة التوزيع الأميركية المشتركة" دفعت لهما 30 مليون دولار.

كان يتم تهريب اليهود الإثيوبيين في جنح الليل من مطار الخرطوم إلى إسرائيل عن طريق شركة طيران يملكها رجل يهودي، وبمساعدة من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه). نقلت إسرائيل في هذه العملية نحو 30 ألف شخص، لكنها أيضا ساهمت في إطاحة النميري الذي اتهم بالتعاون مع إسرائيل.

بعد وصول عمر البشير إلى السلطة عام 1989 وتأثره برجل الدين حسن الترابي تحول السودان إلى دولة عسكرية دينية. وجد زعيم تنظيم القاعدة آنذاك أسامة بن لادن السودان ملاذا آمنا له وأقام السودان علاقات قوية مع إيران، التي استخدمت أراضي السودان لنقل الأسلحة لحماس في غزة، وهو ما أغضب إسرائيل التي ردت بتنفيذ عمليات على مستودات السلاح على الأراضي السودانية.

لكن خلال السنوات الـ10 الماضية، تغير الوضع، فالبشير يلاحق باعتباره مجرم حرب، وتراجع العلاقات بين البشير وإيران وهو ما "وضع بذور تجديد العلاقات مع إسرائيل" بحسب وصف هآرتس.

الصحيفة قالت إن البشير "خان" إيران وأقام علاقة صداقة مع السعودية وأرسل الجنود لمحاربة الحوثيين في اليمن مقابل النفط والأموال من الرياض. و"مدفوعا بانفتاح سعودي على الدولة العبرية، بدأ البشير في مغازلة إسرائيل" وكان يسعى إلى أن يستخدم نتانياهو والمنظمات الإسرائيلية نفوذهم "لتطهيره من جرائمه وتحسين سمعته، مقابل إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل".

بحسب الصحيفة، بدأت بذور هذه العلاقات مع قيام رئيس الموساد يوشي كوهين ونظيره السوداني صلاح قوش في مناقشة إقامة نوع من العلاقات التجارية والدبلوماسية بين البلدين، لكن الاضطرابات الداخلية والاحتجاجات العارمة التي واجهها البشير حالت دون ذلك.

عند هذه النقطة علم الموساد أن البشير قد انتهى وأصبحت أيامه في الحكم معدودة، وبعد رحيله بالفعل، أصبحت الظروف الآن مهيأة لإعادة إحياء العلاقات بين البلدين، وقالت هآرتس إنه بدعم من الرئيس الأميركي دونالد ترامب والعديد من الدول الخليجية جدد حكومة نتانياهو الجهود نحو هذا الهدف، وفي الوقت الحالي تتخلص المطالب الإسرائيلة في: "السماح للطائرات الإسرائيلية بالتحليق في أجواء السودان".

وعلى الرغم من صعوبة المهمة بالنسبة للبرهان في الداخل، واتهام نتانياهو من قبل بعض أطراف المعارضة الإسرائيلية باستخدام لقاء البرهان لخدمة مصلحته السياسية، إلا أن الصحيفة قالت إن "الجائزة الكبرى" من هذا الملف ستكون" إقامة علاقات تجارية ودبلوماسية رسمية"، واعتبرت أنها "مكسب دفاعي وأمني كبير أن يقوم رئيس دولة معادية لإسرائيل علنا مثل السودان بالتحول من إيران وحماس إلى الرغبة في التصالح مع إسرائيل".

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG