Accessibility links

السوريون الناجون


لاجئون سوريون في ألمانيا يلتقطون صورا مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل

كوليت بهنا/

أيام قليلة ويختتم السوريون السنة التاسعة لمحنتهم. موعد زمني لا يعني أنه نهاية المعاناة، إذ تبدو كل أفق الانفراج أو الحل النهائي، ضبابية مع تشابك مصالح اللاعبين الإقليميين والدوليين وتضاربها بين الحين والآخر، وبما يضخه التصعيد العسكري الأخير في إدلب وريف حلب من أرقام إضافية مرعبة لعدد الضحايا وارتفاع مضطرد لعدد المهجرين (أكثر من 700 ألف نسمة حتى اللحظة) يفترشون العراء في ظل ظروف مناخية هي الأقسى منذ سنوات.

تترافق هذه التطورات على الأرض مع حالة اختناق اقتصادي عام فرضته ظروف عدة من أبرزها العقوبات الاقتصادية والأوضاع المجاورة والإقليمية غير المستقرة أو المتهاوية وبخاصة في لبنان والعراق، مما أفرز اختناقا نفسيا شمل معظم سوريي الداخل، الذين لا يكفون عن التعبير فيما بينهم أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن شدة ضيقهم جراء مصاعب العيش، وانعدام الإحساس بالأمان الوجودي والقلق الشديد من أيام قادمة قد تكون أكثر ضراوة وقسوة، والتضييق الدولي والعربي العام على فرص الرحيل أو الهجرة، وكأنهم باتوا في كمين محكم.

بدأ السوريون فعليا بتشكيل ما يمكن تسميته باللوبي السوري

هذه الأيام الصعبة التي يمر بها السوريون في الداخل ليست بجديدة وإن كانت الأقسى والأشد، ومن البديهي أن تنعكس هذه المصاعب على العديد من أقرانهم في الخارج ممن يتمتعون بحساسية نفسية عالية، بحيث يجرب هؤلاء الاستعانة بكافة سبل الدعم للتخفيف من معاناة أهالي الداخل، إما بتوفير ما أمكن من مدخراتهم، أو استمرار الدعم المعنوي واللفظي، وهو دعم إيجابي وفعال لا يقل أهمية عن الدعم المادي، قد يستخف البعض به أو يقلل من جدواه، إلا أنه في الواقع رابط حيوي متصل يعزز وشائج المحبة، وامتحان إنساني سامٍ لمفهوم التكافل الاجتماعي بين أفراد الشعوب التي تمر في وقت من الأوقات بمحنة عسيرة.

الملفت الذي برز بحدّة بين أصوات السوريين في الخارج في الآونة الأخيرة، هو ما يمكن وصفه بالتداعي النفسي الخطير لدى العديد منهم، والذي تسبب في بعض الحالات المؤسفة المتتالية إلى موت مفاجئ لعدد من الشبان صغيري السن جراء جلطات قلبية.

استدعى هذا الأمر الانتباه وشحن الجهود، والاستعانة بالمجموعات التي توفرها وسائل التواصل الاجتماعي وتفسح في المجال للتعبير الحر عن مكنونات النفس والمعاناة، ورفع حالة الجهوزية العاطفية بينهم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، عبر تقديم أفكار بنّاءة وإيجابية ومبتكرة تساهم في خلق روابط إنسانية حقيقية في الخارج، تشمل تقديم الدعم المالي والنفسي، وخلق فرص للاجتماع الثقافي أو الفني، أو اجتماعات تخصص للتعارف والحوار، مع ما يمكن أن تخلقه مثل هذه اللقاءات من مشاعر إيجابية وتعاضد وتأسيس للسنوات القادمة التي قد تكون أشد وطأة مع تضاءل فرص العودة إلى الوطن لأسباب عدة.

بمعنى آخر، بدأ السوريون فعليا بتشكيل ما يمكن تسميته باللوبي السوري، على أمل أن تكون هذه الخطوة جدية لا تعيقها الانقسامات العديدة فيما بينهم، وأبرزها الانقسامات السياسية والطائفية.

يصاب المهاجرون في العادة بالاكتئاب وبعض الأمراض النفسية، أبرزها تلك التي تسمى بمتلازمة "أوليسيس" وتحدث بسبب ضغوط الاغتراب وغياب الرخاء الاجتماعي، لكن أسباب اغتراب السوريين كانت مختلفة، وهي لجوء أو هجرة قسرية أو هروب، مما يعني أن الأمور قد تتجه بينهم إلى تصعيد نفسي أكبر، بسبب توصيف حالهم بالمعاناة المزدوجة.

ويمكن شرح هذه الحالة، بأن عين اللاجئ السوري على الوطن ومعاناة أهله القاسية المستمرة، وإحساس كامل بالعجز النفسي والمقدرة على إيقاف هذا التدهور المستمر، ويرافقه اكتئاب مزمن وإحباط شديد، تصاعدت حدته في السنوات الثلاث الأخيرة جراء خيبات الأمل المتتالية من فشل المجتمع الدولي، أو تواطئه، أو تورطه في استمرار المقتلة السورية من ناحية، ومن ناحية أخرى هناك ضغوط الحياة في دول الاغتراب وأبرزها مصاعب الاندماج وتعلم اللغات والعثور على فرص عمل وغيرها.

يصاب المهاجرون في العادة بالاكتئاب وبعض الأمراض النفسية، أبرزها تلك التي تسمى بمتلازمة "أوليسيس"

تفاقمت أحوال اللاجئين إلى درجة أن الأدوار انقلبت في الآونة الأخيرة، وبات السوريون في الداخل يجهدون للتخفيف عن أقرانهم في الخارج، وهم يتابعون هذه المعاناة المزدوجة، ويستمعون إلى قصص موجعة عبر عنها سوريون في الخارج أفرزت تعاطفا حميما، وتركت تأثيرا نفسيا صعبا يمكن تلخيصه بأن الطرفين، في الداخل والخارج، ضحايا خسروا طمأنينة الحياة.

ويمكن تلخيص أبرز ما أصاب بعض السوريين في الخارج ممن يمتلكون حسا مرهفا، هو إحساس واحدهم بالذنب لأنه نجا، لكنه لم ينج من الإصابة بالمعضلة النفسية اللاحقة لتأنيب الضمير لأنه ترك الآخرين خلفه، دون فرص نجاة محتملة.

هذه المكاشفات السورية ـ السورية المتبادلة قد تكون واحدة من أهم الخطوات الإيجابية من أجل النجاة المشتركة الحقيقية، وفي أيام الكوارث والحروب والمحن الصعبة، لا يلومن أحد أحدا على نجاته، وفي واقع الأمر، لن ينجو أحد من سوريي اليوم، لا في الداخل ولا في الخارج من مثل هذه التداعيات النفسية على المدى الطويل، وحدهم الأطفال الذين خرجوا مع ذويهم، أو ولدوا في أجواء صحية ومختلفة، هم الناجون، عليهم تتوقف مهمة إعادة دورة الحياة السورية إلى طبيعتها، هذا إن عادوا.

اقرأ للكاتبة أيضا: قلب العالم

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG